هل تقسمت سوريا إلى ديمقراطية ولا ديمقراطية؟

بإعلان التحالف الدولي نيته تشكيل قوة أمنية جديدة قوامها نحو 30 ألف شخص لنشرها على الحدود السورية مع تركيا والعراق وشرقي الفرات، تكون الولايات المتحدة قد أعلنت بشكل رسمي نيتها تقسيم سوريا إلى "سوريا الديمقراطية" أي المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا التي تسيطر عليها ما تسمى "قوات سوريا الديمقراطية" وهي التسمية البديلة للجيش العربي السوري و"سوريا اللا ديمقراطية" والمقصود بها الجمهورية العربية السورية ناقص المنطقة الشمالية الشرقية.

وهنا لا بد من العودة إلى البداية حيث يقول محللون سياسيون أميركيون إن هذه التسمية تحمل دلالة سياسية كبيرة لأن مراكز الدراسات والقرار في الولايات المتحدة ظلت تبحث عن تسمية مناسبة لجيش مرادف للجيش العربي السوري، بعدما غلب طابع التطرف على الحركات والمنظمات الإسلامية التي تقاتل الدولة السورية (!) ليكون الخطر الحقيقي في هذه التسمية التي تحمل في الأساس معنى انقسامي، بدعم واضح وصريح من الولايات المتحدة!

ولا يخفى على متابع أن الهدف الحقيقي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة في سوريا هو التقسيم ويبدو أنها وجدت ضالتها في حزب الاتحاد الديمقراطي الذي عمل على إقامة حبال الود مع تركيا والمجموعات الإرهابية في بداية الأزمة لكن تضارب مصالح تركيا مع الأكراد ومع حزب الاتحاد الديمقراطي نفسه الذي يتبنى عقيدة حزب العمال الكردستاني، الناشط في تركيا، جعلت رئيسه السابق صالح مسلم يدير الظهر إلى تركيا وينسق تنسيقا كاملا مع الولايات المتحدة.

في مقابلة لصالح مسلم على قناة فرانس 24 سألته المذيعة: "هل ستسمحون للجيش السوري بدخول الأراضي التي تستولون عليها؟" قال: "لا لأننا نعتبر أن جيش النظام هو المشكلة لأنه يريد أن يفرض قوانين الدولة السورية." ومن هنا نرى أن النزعة الانفصالية كانت موجودة لدى هذا الحزب وقيادته منذ بداية اندلاع الأزمة في سوريا، وكل من راهن على حزب الاتحاد الديمقراطي خسر الرهان.

الولايات المتحدة التي شعرت بالخطر جراء الدخول الروسي إلى سوريا بدأت تسابق موسكو بإحراز نصر على "داعش" بغية استثماره سياسيا من جهة، والحيلولة دون خروج أراض من تحت سيطرة عصابات داعش لصالح الجيش السوري.

الخطة الأميركية كانت تهدف إلى الاستيلاء على محافظة الحسكة بكاملها ودير الزور والرقة ومد الشريط الكردي من القامشلي إلى عفرين ما يعني قيام دولة جديدة باسم سوريا الديمقراطية يهيمن عليها الأكراد وكل من يوالي الولايات المتحدة من العرب!

لم يكن البعض يصدق ما كتبناه منذ سنتين حول هذا الموضوع حتى أن اختيار العلم الذي ترفعه ميليشيات "سوريا الديمقراطية" لم يحمل أي معلم جغرافي سوى نهر الفرات الذي يقسم سوريا إلى قسمين، ولم يكن إبقاء لواء الاسكندرون ضمن الخريطة إلا نوعا من الابتزاز لتركيا بأننا جاهزون لتحريك قضية اسكندرون في استغلال وقح لقضايا الشعوب وقت الحاجة.

اليوم أصبح ما كنا نحذر منه واقعا لا تكهنات ولا تخيلات إنه معطيات واضحة والكل يتذكر الوثيقة التي سربتها القناة العاشرة الإسرائيلية في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول الماضي والتي تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل توصلتا خلال محادثات سرية جرت في الثاني عشر من شهر كانون الأول 2017 بين مستشار الأمن القومي لرئيس الحكومة الإسرائيلية مئير بن شبات ومستشار الأمن القومي الأميركي هربرت مكماستر إلى اتفاق يقضي بأن تبقى الولايات المتحدة قواتها في سوريا لحين ضمان أمن إسرائيل! الأمر نفسه أكده موقع ديبكا الإسرائيلي في الثامن من يناير/كانون الثاني الجاري عندما نقل الموقع عن مصادر سعودية أن إدارة ترامب تستعد لتقسيم سوريا من خلال إقامة دولة كردية في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي بمساحة تزيد عن 12 بالمئة من مساحة سوريا، والكل يتذكر زيارة وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان لمحافظة الرقة بعد تحريرها من داعش في 18‏/10‏/2017 وهذا يؤكد أن دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وبالتعاون مع دول اقليمية ما فتئت منذ حرب تشرين تضع سيناريوهات التقسيم لسوريا والمنطقة لتطبيق خطط كيسنجر وأفكار برنارد لويس وزبغينو بريجينسكي.

ومن هنا يمكن القول إن الولايات المتحدة تريد أن تسخّن القضية الكردية وتستخدمها ورقة للضغط ليس على روسيا وسوريا وإنما على الدول الاقليمية الأخرى المتضررة من إقامة كيان كردي كتركيا وإيران والعراق.