رحيل معبودة الجماهير ودلوعة السينما المصرية

لم تنتظر حتى تعتزلها الأضواء

رحلت شادية المطربة والممثلة التي تشكل مسيرتها علامة مضيئة في تاريخ السينما والغناء المصري، فقد تفردت في التمثيل والغناء معا، وعطاؤها في كلا المجالين على نفس المستوى والنجاح والتألق، فهي ممثلة بارعة قدمت العديد من الروائع للسينما المصرية ومغنية فريدة شكلت أغنياتها وجدان المواطن المصري والعربي، وشخصية وطنية عبرت عن قضايا وهموم ومشاعر الشعب المصري والعربي في أفراحه وانتصاراته، هذا الشعب الذي توجهها بالعديد من الألقاب التي تعبر عن حبه لها وأبرزها "معبودة الجماهير"، "دلوعة السينما".

تعد شادية من الرعيل الثاني الذي تجلت أعماله منذ الخمسينيات من القرن العشرين، قدمت حوالي 117 فيلما موزعة بين الغنائي الاستعراضي والدرامي العادي، ولعل من أشهر أفلامها التي تجلت فيها قدراتها التمثيلية هي المأخوذة عن روايات لكبار الكتاب مثل "زقاق المدق" و"اللص والكلاب"، و"الطريق" و"ميرامار"، والأفلام المأخوذ عن روايات للروائي الكبير نجيب محفوظ وأيضا فيلم "شيء من الخوف" المأخوذ عن قصة للكاتب ثروت اباظة، و"كرامة زوجتي" للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، و"مراتي مدير عام" للكاتب الروائي عبدالحميد جودة السحار.

اكتشفها المخرج الراحل احمد بدرخان وكان قد أقام مسابقة من خلال شركة اتحاد الفنانين التي كونها مع حلمي رفلة والمصور عبدالحليم نصر في عام 1947، وذلك لاختيار عدد من الوجوه الجديدة للقيام ببطولة الأفلام السينمائية التي ستقوم بإنتاجها الشركة.

وكان أول ظهور لها في فيلم "شادية الوادي" عام 1947 من خلال عدة مشاهد قصيرة، ثم فيلم "أزهار وأشواك" الذي لفت إليها المطرب محمد فوزي الذي طلب لاستعانة بها في فيلمه "العقل في أجازة" عام 1948.

وسرعان ما تهافت عليها المخرجون الذين استثمروا خفة ظلها وصوتها المتفرد وأنوثتها الهادئة ووجهها الرقيق، فأسندوا لها الأدوار خفيفة الظل والكوميدية حتى أنها قدمت ما بين 1947 و1959 خمسين فيلما، منها "الهوا سوا" و"الروح والجسد " و"ليلة العيد" عام 1949 للمخرج حلمي رفلة، "كلام الناس" عام 1949 للمخرج حسن حلمي، و"ساعة لقلبك" عام 1950 للمخرج حسن الإمام، و"معلهش يا زهر" للمخرج بركات عام 1950.

وغيرت ثورة 1952 رؤيتها حيث قدمت عددا من الأفلام التي تتناول هموم الشعب المصري كما حدث في فيلم "بائعة الخبز" و"ليلة من عمري" أمام عماد حمدي و"وداع في الفجر"، "لحن الوفاء" و"دليلة".

وعام 1959 برعت في الفيلم الدرامي"المرأة المجهولة" مع المخرج محمود ذوالفقار.

وفي 1962 كانت نقلة كبيرة في حياة شادية الفنية حيث دخلت عالم الإنتاج السينمائي بفيلم "اللص والكلاب" الذي وضعها في مستوى فني مختلف عن الفتاة الدلوعة الشقية. لكنها لم تتخل عن الكوميديا فقدمت بعد ذلك "الزوجة 13" و"عفريت مراتي" و"نصف ساعة جواز" والافلام الثلاثة الاخيرة من إخراج المخرج المتميز فطين عبدالوهاب، ثم جاءت أفلام "أضواء المدينة"، و"معبودة الجماهير".

ولدت شادية أو فاطمة احمد كمال شاكر عام 1929 لأم مصرية من أصل تركي وأب يعمل مهندسا زراعيا بالمزارع الملكية في أنشاص وكانت رقم خمسة في ترتيب الأخوات، حيث يكبرها أشقاؤها محمد وسعاد وطاهر وعفاف، كان والدها يرفض فكرة دخول بناته دنيا الفن، لكن الطفلة فاطمة غنت في حضور مطرب تركي شهير فاقترح على أبيها أن يسمح لها بالغناء، تزوجت بالفنان عماد حمدي والتقيا في "قطار الرحمة" الذي كان متجهاً للصعيد وله أهداف إنسانية عميقة.

وقد اشترك فيه عدد كبير من الفنانين، وتزوجا أثناء تصوير مشاهد فيلم "أقوى من الحب" بالإسكندرية، وكان يكبرها بحوالي 23 عاماً، ودام الزواج ثلاث سنوات لينتهي نهاية هادئة بالانفصال، وفي عام 1965 تزوجت من صلاح ذوالفقار بعد قصة حب ملتهبة وانفصلا انفصالاً نهائياً عام 1969.

وفي الغناء تفردت صوت شادية بالأنوثة والعذوبة والدفء والدلع، وقدمت مئات الأغاني، وفي بدايتها لعب المطرب محمد فوزي دوراً كبيراً في تحديد اللون الغنائي الذي يمكن أن تغنيه منذ فيلمه "العقل في أجازة"، هو اللون الذي يناسب سنها وصوتها وشخصيتها الفنية وقتئذ (14 سنة)، فصاغ لها بأسلوبه المتميز العديد من أغنياتها الاولي والتي قدمتها في الافلام الاولى التي قدمتها في السينما.

ومن خلال الأغاني التي قدمها فوزي لها استطاعت أن تحتل مساحة عريضة في عقول المراهقات والمراهقين وبدأت هذه الطبقة في ترديد أغاني محمد فوزي التي لحنها لها، وعلى نفس المنوال لحن لها محمود الشريف "حبينا بعضنا" و"حسن يا خولي الجنينة يا حسن" ولحن لها أحمد صدقي"الشمس باتت" ومنير مراد "واحد اتنين" وغيرهم.

وتجلى صوت شادية الوطني في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 حيث غنت "أمانة عليك أمانة يا مسافر بور سعيد " لشعب بور سعيد، وعندما ضربت اسرائيل مدرسة بحر البقر الابتدائية في الشرقية غنت "الدرس انتهى لموا الكراريس" فلخصت بشاعة وإجرام الاستعمار، واستمرت على هذا المنوال تساند مصر وشعبها في أفراحها وأتراحها، فغنت بعد 1967 "عبرنا الهزيمة"، و"بلدي يا بلدي يا حبة عيني"، وشاركت في أوبريت "وطني الأكبر" وغنت عندما عادت سيناء "مصر اليوم في عيد" وعنت "يا حبيبتي يا مصر"، و"ادخلوها آمنين" و"يا أم الصابرين".

وقدمت شادية أيضا 10 مسلسلات ومسرحية واحدة "ريا وسكينة"، وعملت مع مخرجي السينما وأبطالها من مختلف الأجيال حتى اعتزالها في الثمانينات، فمن المخرجين حلمي رفله، وبركات وصلاح أبوسيف وحسن حلمي وكمال الشيخ ومحمود ذو الفقار، وفطين عبدالوهاب، وحسن الصيفي وأحمد كامل مرسي وحسن إمام، والسيد بدير وغيرهم.

أما الممثلين فمنهم عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد فوزي ورشدي أباظة وأنور وجدي وإسماعيل ياسين وكمال الشناوي وعماد حمدي وصلاح ذو الفقار وفاتن حمامة وتحية كاريوكا وحسن يوسف وشكري سرحان ويحيي شاهين وغيرهم.

اعلنت شادية اعتزالها وتوقفها عن العمل في عام 1986 وبررت ذلك قائلة "لأنني في عز مجدي أفكر في الاعتزال، حيث أنني لا أريد أن أنتظر حتى تهجرني الأضواء بعد أن تنحسر عني رويداً رويداً.. لا أحب أن أقوم بدور الأمهات العجائز في الأفلام في المستقبل بعد أن تعود الناس أن يروني في دور البطلة الشابة.. لا أحب أن يرى الناس التجاعيد في وجهي ويقارنون بين صورة الشابة التي عرفوها والعجوز التي سوف سيشاهدونها.. أريد أن يظل الناس محتفظين بأجمل صورة لي عندهم ولهذا فلن أنتظر حتى تعتزلني الأضواء وإنما سوف أهجرها في الوقت المناسب قبل أن تهتز صورتي في خيال الناس".