الإصلاح الاجتماعي وقضية الإصلاح الديني

العقل الجمعي صار خاشعا لقول الشيخ الفلاني والحديث عن الفقيه الفلاني

لعل من أهم المشاكل التي تواجه حركة التصحيح والمشتغلين في نقد الفكر الديني التقليدي بشقيه الروائي التأريخي أو الفكر الأعتباطي المسترسل، أن جمهورا عريضا يخضع بالكلية لمفاهيم العقل الجمعي التسليمي الذي يرى في الخوض بمسائل الموروث الديني مساسا بالقدسية اللازمة لأحترام وتقديس الدين، ولعل الإشكال الأعظم عندهم المساس برجال هذا الفكر حتى لو تقاطع هذا التعظيم مع بديهيات الفكر ذاته وتقديس الدين، فمنهم من برى أن مجرد ذكر شخصية روائية أو فقهية على أنها نجحت أو فشلت في تقديم ما هو الأصح أو الأجدر أن يكون جزءا حقيقيا من الفكر الديني الحق، حتى تثور ثائرته ويبدأ بضجيج منفعل ليبرر كفرك وخروجك عن الدين حتى دون التحقق من مصادره أو مقدماته التي يثق بها.

لا غرو مثلا أننا نجد في تصانيف هذا الإرث التأريخي والذي يشكل جزءا مهما من تشكيلات العقل الجمعي الديني أمورا لا يقبل بها عقل سليم ولا يتقبلها إيمان العاقل المؤمن، فمن عجائب الأمور أن يصنف راوي لحديث الرسول ص ومطلوبا منا أن نؤمن بما يكتب ونصدقه فيما يقول من يصنف على أنه «رواي ثقة فقيه كثير الإرسال والتدليس»، فكيف جمعت الثقة التي تعني الإطمئنان النفسي والعقلي بما روي مع تأكيد وجود حالة الكذب والتدليس مع أضافة تفضيل نوعي موصوف على أنه (كثير)، أي أكثر حديثه تدليس في تدليس ومع ذلك يبقى فقهيا ثقة في نظر البعض، هل الثقة تعني أن نضع ما يناسب أولا يناسب مع الدين حسب الدفع والقبض، أم أن التدليس لا يعني الكذب والأفتراء وله معنى مقدس أخر؟ "حبيب بن أبي ثابت" راوي فقيه ثقة ومدلس ومسترسل مثال حي ومصنف عند علماء الجرح والتعديل يمكن الأعتماد على روايته والتعبد بها ونأخذ منه الدين ونتخذه لنا قدوة، ومثال أخر يوصف بالصدوق كثير التدليس "المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي" على نفس الشاكلة وعلى نفس الهذيان.

أولا لا بد لنا من الإقرار الصريح بأن العقل الجمعي الديني قد تم صياغته وتشكيله على أن يكون مدجننا بعناوين القداسة والتأريخية، طبعا هنا القداسة ممنوحة لذات للرجال وليس للموضوعية الفكر مع إيماننا أن الفكر عموما كمعرفة محل أحترام أكثر من التقديس بالمعنى الديني للكلمة، من هذه المقدمات التي تم تدجينها أن الصحابة والتابعين ومن عاش في عصر الرسول كلهم في سلة واحدة من المعصومية والتكريم وأنهم أمة لوحدهم، دون النظر إلى حقائق المنطق الديني ذاته الذي لا يقر بالمساواة التفضيلية بين الأنبياء والرسل مع كونيتهم وأصطفائهم من الله.

هذه النقطة بالذات ركز عليها التثقيف الفكري وجعلها واحدة من أساسيات الوعي عند المؤمن، فمن يريد أن يناقش قضية تأريخية لا يمكنه أن يخترق هذه النقطة لأن العقل الديني المشكل لا يصح عنده ولا يقبل أن تذكر أحد منهم مطلقا، مع إقرارهم بأنهم قد حدث بينهم ما يحدث في كل جماعة بشرية من أختلاف وتفاوت وتنازع وصولا للصراع الدموي بينهم، فمن كان مختلفا ومعارضا وعلى ضفة أخرى من رأي الاخر لا بد أن يكون لكل واحد وجه من حقيقة ما.

ثانيا هذا العقل الذي لا يقبل بالمنطق ولا بأحكام الدين ولا يؤمن بالبديهيات العقلية لا يمكنه أن يكون عقل مؤتمن على دينه وحريص على الحفاظ عليه، فهم يتعبدون بالأشخاص ويعبدون أسماء ويقدسون المنازل، ويبنون إيمانهم بالدين والإيمان به على هذه النتيجة مهما كانت وعلى أي جانب من الحق تكون، لا يهم أن يكون هذا الإيمان مطابق للعقيدة الحقة والفكرة الدينية المجردة أم لا، عندما تناقش أحدهم في موضوع معين وتقول أن الله قال كذا في الموضع الفلاني وأن الرسول فعل هذا، سيبادرك بالقول أن فلان قال وأنه قد روي عن فلان، تقول له الله ورسوله يرد بقول الشيخ الفلاني وحدث عن الفقيه الفلاني، هذا العقل تسكنه خرافة دين ولا تجد فيه إلا قشور يابسة لا تنبيء عن عقل ديني وإنما عن وعي تأريخي يخلط بين الرواية والحكاية.

هذا العقل الجمعي المهووس بالخلاف والمخالفة والمتابعة والتصديق والتكذيب كلها على سطح واحد يخلط بين الحق والباطل ولا يهتم إن كان ذلك يؤدي إلى الإيمان أو خلافة، يجزم بكل قوة أن على خط الإيمان المطلق ولا يمكن لأحد أن يتنافس معه على خيريته، ماذا يمكننا أن نستخلص من واقعه وماذا يمكن أن نتعامل به معه وهو مريض بداء الوهم المزمن، العقل الديني الذي يرفض مجرد تسمية النقد ولا النطق بهذه الكلمة النافرة عن عقليته لا يمكنه أن يصحح مساراته، ولا يملك الشجاعة اللازمة لتطوير أدواته العقلية ليرتقي بها وهو الذي يؤمن بمقولة أقرأ وترقى فقط دون فهم وإدراك وتمعن بما يقرأ، ويبقى أسير فرضيات القداسة والتقديس ويخشى في لحظة أن تنكشف عورات رجاله ورموزه، لأنه في عمقه لا يثق بالحقيقية ويتمنى أن يبقى الحال على ما هو عليه لينتصر لغروره وينتصر لجهله بنفسه.

إذا مشكلة العقل الجمعي الديني هي التمحور حول ذاته والتركيز فيها على المسلمات دون أن نمتحن هذه المسلمات في كل مرة يرتق لها الشك أو تضع نفسها في دائرة عدم الوضوح، هذا التمركز القوي ليس طبيعيا في العقل البشري السوي ولا متوافقا حتى مع المبدأ الديني الذي ينادي بالبحث عن البينة والتبيان، لذا لا يتورع البعض وهو محق بأن يصف هذا العقل بالفصام، ولا يمكن لنا أن ندافع عن وقائع مادية وحالات من الجمود المستهدف بذاته لذاته، هذا العقل الذي لا يبالي بعامل الزمن ولا يهتم بالإنصات للصوت الأخر ويجعل منه مرأة ذاتيه تصحح له الأنحراف والزيف سيكون دوما عرضة للتلاشي والإضمحلال مع كل الجهود المبذولة للمحافظة عليه متماسكا وكأنه معصوم بالحق والأبدية.

ومن المشاكل العقلية التي تنبع من هذه الحالة الفريدة في فهم الإنسان لواقعه ولما يحيط به من مؤثرات فكرية، هي ضياعه في وسط لا حدود له ولا يمكنه أن يدرك أبعاد ما يعتقد به ليكون مسؤولا حرا في خياراته الخاصة، هذا يعني بوضوح أن العقل الفردي المنصهر في العقل الجمعي وخاضع له لا يمكنه بالمرة أن يبحث عن خلاصه وعن أحتمالية أن يكون الحق بعيدا عنه أو أنه غائب عن حدود الحقيقة الممكنة أن تعيد له جزء من إنسانيته الطبيعية لأنه مأسور بمفهوم القطيع.

إن عملية الإصلاح الاجتماعي لا يمكنها أن تمر أو تتبلور إلا بتحقق الشروط التالية التي لها بالطبع مقدمات ومناهج وأسس تكوينية لازمة، تسبق عملية التحول والتغيير والأنتقال من الصورة التقليدية للمجتمع الحالي إلى كينونة التبدل، وهذه الشروط وإن كان جامعها الأول تحرير العقل الفردي من راهنية الفكرة المتوارثة إلا أنها تتفرع بمصاديقها إلى ما يلي:

• الإيمان الوجوبي بحتمية التغير الكلي وفي مجمل توجهات العقل ومعتقداته ومن منطق أن الأعظم تأثيرا هو الأكثر أهمية في معالجة حالة الجمود وكسر النمط المتبع فيه، هنا سيكون الإصلاح الديني بما فيه وعليه من قدرة على التمهيد سيكون الفاعل المحوري للمحاولة والفعل، وبدون هذا العامل لا يمكن لمسيرة الأصلاح الاجتماعي أن تنطلق كما هو مخطط لها.

• العامل المعرفي الأخر المؤثر هو العمل على تغيير المفاهيم الاجتماعية والتقاليد التي تحض الإنسان على التغيير، من خلال فتح المغاليق الموصودة على الموروث المعرفي وعزل حالة التبشير بأستحالة التغيير الذاتي وأنتظار المعجز الذي سيغير الناس قهرا وتحت قوة الأمر الواقع، العقل الفردي هو المعجز الحقيقي الذي يقود عملية التحول وما لم يتحرر هذا العقل من شروط الواقع لا يمكن أن يؤمن حتى بالتغيير.

• إعادة تقدير الذات عامل أساسي ومهم ومكمل للعملية برمتها من خلال أستعادة الثقة بالقدرة على التغيير والأصلاح، تقدير الذات سلسلة من الممارسات التي يجب أن يتعلمها ويبسطها الفكر النخبوي وفق منهجية عملية تصل غاياتها بأهدافها بالمقدمات التي تصنعها كنظرية علمية، المنهج الطبيعي التي يرافق عملية أعادة تقدير الذات يكبح عوامل الهزيمة والفشل واليأس داخل العقل المستكين، ومن ثم يفتح أبواب الفعل الذاتي ليمارس العقل دوره في بعث روح التمرد والمجابهة مع تأريخية الواقع ووقوفه عند مفهوم أن ليس بالإمكان أفضل مما كان بأي حال من الأحوال.

• الشرط الرابع والمهم هو أعادة تفعيل المحفز التربوي في عملية أعادة نمذجة الشخصية الفردية، وتخليصها من وقائع الماضوية وأرتباطتها بالنموذج المقدم كونه النموذج المثالي من خلال روايات وقصص تأريخية تؤكد أن تلك النماذج هي القمة التي لا يمكن الوصول إليها، بالتأكيد أن الإنسان الحقيقي هو الكائن الذي يتجاوز أي حالة قياسية في أي وقت دون أن يكون هناك مطلق أو محال منطقيا، عليه أن يتطور على ذاته وعلى النموذج الراهن، وإلا بقيت الدنيا ساكنة وواقفة في لحظات تأريخية بحجة عدم القدرة على التجاوز، وهذا يمثل قيمة التحدي التطويري داخل منظومة المعرفة الإنسانية.

• أخيرا وأرتباطا بعملية الاصلاح الاجتماعي هناك محاور فاعلة ومساعدة في عملية إنعاش التغيير ودعمه بقوة، هذه المحاور تمثل جوانب كثيرا ما أهملت من قبل الدعاة للتغيير على أساس أنها ستكون تحصيل حاصل من عملية التغيير، هذه المحاور أساسية ليتمكن الإنسان من فك أرتباطه بالقوى التي حرصت على البقاء ضمن دائرة التخلف، وهي تحرير سوق العمل والأقتصاد، وأطلاق عالم المعرفة وحق الحصول على المعرفة والعلم،ورفع يد الأيديولوجيا عن مسارات التربية والتعليم وصناعة الثقافة والفكر، وأيضا العمل على تحسين فرص الأتصال وتطوير التواصل الحضاري مع الأخر أيا كان نوعه أو مصدره الحضاري.

كل هذه الشروط لا يمكنها أن تحرر مجتمع ما لم يكن هناك أمران أساسيان يقودان العملية برمتها ويوجهون مساراتها الفعلية وهما:

1. النخبة المنظره وبناء الرؤية الحضارية المناسبة لحالة التخلف ولحالة التغيير.

2. الإرادة المجتمعية ولو كانت مضمرة أو مترددة في الخوض بالمشروع التغييري، وهذا يمكن تنشيطه من خلال قدرة النخبة على القيادة والتوجيه.

إن إيمان المصلح والمجتمع معا بتحرير العقل الديني من المقدس الموروث بلا علل ولا أسباب منطقية يشكل واحد من أهم روافد الإصلاح الاجتماعي، وواحدة من أهم وأكبر اللبنات التي تهيء لتمدن المجتمع كي يكون قادرا ومتهيأ لعملية التحول التأريخي، فبدون المدنية الاجتماعية وفك الأشتباك بين المسميات الماهوية للمجتمع لا أظن أن هناك فرصة حقيقية للتغيير والتحول، وتبقى عملية التجديد والتحديث الاجتماعي تدور في فراغ من الى وعي بلا هدف التي ترنو لها الأبصار والعقول، ويبقى المجتمع يقدم خطوة ليتراجع عشرات الخطوات للوراء تحت تأثير دعاة القداسة والتحريم وأحيانا الأصالة.

عباس علي العلي

كاتب عراقي