الخواجة يني وابنته ماريكا في 'حرافيش القاهرة'

طبعة مصرية جديدة

يعرض كتاب "حرافيش القاهرة" لشخصيات تاريخية بارزة من الشخصيات التي ارتبطت بحي عابدين، أحد أشهر أحياء القاهرة الخديوية، حيث يصف المؤلف عبدالمنعم شميس حي عابدين بأنه من أهم أحياء القاهرة حتى النصف الأول من القرن الماضي، وذلك بسبب وجود قصر عابدين فيه، وهو القصر الذي كان المقر الرسمي لحكام مصر الخديوية والمملكة المصرية حتى تحول مصر للنظام الجمهوري.

ومن خلال سرد سريع لمقتطفات من سيرة المؤلف وحياته المبكرة في حي عابدين خلال فترة شبابه، يشير المؤلف إلى أن هذا الحى اشتهر بسكانه من الأجانب الذين يحملون جنسيات مختلفة، كما كان حي عابدين يشتهر في الماضي بأنه الحي الذي يسكنه طبقة الباشوات وغيرهم ممن كانوا يعملون في قصر عابدين سواء كانوا موظفين أو صناعا أو حرفيين أو خدما، كما يشير المؤلف أيضا إلى أنه كان خلال هذه الفترة يستمع أيضا للغات الأجنبية التي كان يتحدث بها سكان حي عابدين، كما كان يسمع أيضا لسكان الحي من أهل النوبة.

ويعرض من خلال صفحات الكتاب لشخصيات من أشهر سكان حي عابدين الاستقراطي الشهير، والتي حملت بعض شوارع ومدارس الحي أسماءهم تخليدا لذكراهم، ومن بين هذه الشخصيات خليل أغا، وهو الخادم الخاص للخديوي إسماعيل، والذي كان شخصية مقربة من الوالدة باشا، وهي أم الخديوي إسماعيل، حيث أغدقت عليه الأموال والعطايا حتى أصبح هذا الخادم من كبار الأثرياء في مصر، وله أوقاف هائلة باسمه في حي القلعة المجاور لحي عابدين، كما له شارع باسمه أيضا في أحد أرقى الأحياء بمصر وهو حي جاردن سيتي.

كما يشير المؤلف إلى أن الخديوي إسماعيل كان يختار الملابس التي يرتديها خليل آغا حسب مزاجه الخاص، واختار الخديوي إسماعيل لخادمه أن يرتدي البدلة الإسطمبولي السوداء ذات الأزرار المقفولة حتى العنق والقميص الأبيض ذا الياقة المنشاة والإسورة المناشة أيضا التي توضع بها زراير ذهبية، حيث ينتعل خليل آغا في قدميه حذاء من جلد الفرنيه الأسود اللامع، وعلى رأسه طربوشا قصيرا بلا زر على أن يناسب لون الطربوش لون خليل آغا الأسمر.

وعلى سنة خديوي مصر في هذه الفترة، سار باشوات حي عابدين، حيث حرصوا على اقتناء الآغوات، وهم العبيد الذين تم استئصال أعضائهم الذكورية، لكن طبعا لم يستطع أثرياء عابدين مسايرة الخديوي في منح أغواتهم نفس نوعية وفخامة الملابس التي يرتديها خليل أغا، ولكن بصفة عامة فقد انتشر في حي عابدين مشهد يميز قصور الأثرياء، وهو جلوس الأغوات على دكة خشبية أمام قصور أسيادهم وفي يد كل واحد منهم عصا، وكانت وظيفة الأغوات هى استقبال ضيوف أسيادهم بترحاب وتوصيلهم إلى داخل القصر حيث السادة، ويذكر المؤلف أن صبيان الحي كانوا يعاكسون هؤلاء الأغوات فيلوحون لهم بالعصا، وهو سبب حرص كل آغا من الأغوات الذين عاشوا في حي عابدين على الاحتفاظ بعصا يلوح بها للأطفال لتهديدهم ودفعهم للتوقف عن معاكساتهم، خاصة وأن صوت الأغا كان صوتا رخيما ليس فيه خشونة صوت الرجال.

• شخصيات بارزة

ومن الشخصيات التي اشتهر بها حى عابدين أيضا ويذكرها الكتاب، الأميرة زينب هانم ابنة الخديوي إسماعيل، وما ارتبط بسيرة هذه الأميرة من إشاعات عن الحب الذي تقود له عشاقها، لكن ما اشتهر أيضا عن الأميرة زينب هانم هى ما كان يطلق عليه العامة في حي عابدين اسم عربات الأميرة زينب هانم، وهى عربات مغلقة ذات ستائر مسدلة، وحيث كانت الألقاب في الحقبة الخديوية تجمع بين لقبي أميرة وهانم لنفس المرأة التي تنتمي للأسرة الخديوية، وحيث يورد الكتاب قصة أحد مشاهير حى عابدين من العامة وهو الحاج حنفي الذي ظل يراقب عربيات زينب هانم حتي استطاع أن يحفظ كل تفاصيلها وصنع عربة مثلها، زودها بحصان أبيض، واستطاع أن يجني ثروة من وراء هذه العربة بأن أجرها لزفاف العرائس مقابل 5 جنيهات ذهبية عن كل زفة.

ولا تقتصر صفحات الكتاب على قصص سكان حى عابدين من المرتبطين بعائلات الحكام والأثرياء أو حتى العامة من المصريين فقط، بل يعرض المؤلف لقصص شهيرة ارتبطت بشخصيات أجنبية من التي سكنت بالحي وظلت ذكرى هذه القصص عالقة بذاكرة سكانه، ومن هذه الشخصيات ماركو العجلاتي، وهو إيطالي كان يتمتع بالحماية الأجنبية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وحدث ذات يوم أن استأجر صبي من صبيان الحي عجلة من دكان ماركو العجلاتي وعندما تأخر عن العودة بالعجلة في الموعد المحدد فما كان من ماركو إلا أن ضرب الصبي، مما دفع أحد أقارب الصبي وكان شابا مفتول العضلات لأن يحضر لدكان ماركو ليسأله عن سبب ضربه للصبي، فلما رد عليه ماركو بوقاحة قام الشاب بضرب ماركو نفسه وحبسه داخل دكانه بعد أن احكم إغلاق باب الدكان عليه، وظل ماركو يصرخ من فترة الظهر حتى العشاء، ولم يتم فتح باب دكانه له إلا بعد أن استعطفت أم ماركو كبير العائلة التي ينتمي لها الصبي الذي ضربه.

أما الخواجة يني فهو حاضر بقوة في التراث الشعبي المصري حتى الآن، وتظهر سيرته في بعض الأغاني الهزلية التي أطلقها المغنون في هذه الفترة، ويشير الكتاب له ولابنته ماريكا فائقة الجمال والتي كانت تساعد أمها في تنظيف الحانة التي يديرها الخواجة يني في أحد شوارع الحي، وكان شباب الحي وحتى بعض الصبية المراهقين يلجأون لحيلة شراء قطع من الجبن أو حبات الزيتون أو المخللات التي كان يقدمها الخواجة مع المشروبات لزبائن الحانة، لا لغرض إلا رؤية ابنته ماريكا عن قرب ومحاولة الحديث معها.

مؤلف الكتاب :

عبدالمنعم شميس، وولد في 4 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1919 وتوفي في 19 سبتمبر/أيلول عام 1991، وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة سنة 1942، وحصل على الماجستير في سنة 1957، وعمل كمراقب عام بمصلحة الاستعلامات المصرية، وترقى في مناصبه الحكومية حتى وصل لمنصب وكيل وزارة الإعلام، وللمؤلف دور بارز في مجال الدراما التاريخية والإذاعية، وصدر له عدد كبير من الكتب في مجالات الفن والأدب والسياسة، ومن أبرز هذه الكتب: القاهرة والجبرتي، المسلمون والإسلام، قهاوي الأدب والفن، عظماء من مصر، وحصل على وسام الجمهورية ووسام الاستحقاق.

يذكر أن كتاب "حرافيش القاهرة"، صدر في طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويقع في نحو 170 صفحة من القطع المتوسط .(خدمة وكالة الصحافة العربية).