اللحام يقرأ بلاغة الأسلوب لدى الرافعي وعمران وبزيع

وكانَ يُحَدِّقُ في نُقْطَةٍ ثابتةْ

ينصبّ الاهتمام في هذا الكتاب "انْزياحاتُ الرُّوح.. دراسات في بلاغة الأسلوب" للباحث والناقد حسام اللحّام على استشفاف القِيَم الفنّيّة والجماليّة للأشكال البلاغيّة؛ وإبراز قدرة الذَّات المبدعة على تحقيق الانسجام بين العناصر اللغويّة المختلفة، حيث قدم إلى جانب الرؤية النظرية معالجات تطبيقيّة من خلال قراءة تجارب إبداعيّة شديدة الفَرادة والتّنوّع؛ على الرَّغم من ارتكاز تلك التّجارب على كثير من العناصر اللغويّة الشَّائعة؛ وهنا مَكْمَن الإبداع وسرُّه العميق؛ إذْ لا قيمة جماليّة لتلك العناصر ما لَمْ تنصهر على أيدي مُبْدِعي الفَنِّ، وصانعي اللذَّة الجماليّة. هذه التجارب كانت لمصطفى صادق الرّافعي، مُحمَّد عمران، شوقي بزيع.. ثلاثةُ أسماء لثلاثةِ عوالمَ مُختلفةٍ، لكنَّها تلتقي في حدائق الجمال والإبداع، وتَبني عَوالمها بلغة الرُّوح المتفجّرةِ إنسانيّةً وجَمَالا.

يرى اللحام في كتابه الصادر عن الآن ناشرون وموزعون أن مصطفى صادق الرافعي كان مَعنيّاً بالصُّورة الفنِّيَّة على المستويين: النَّظري، والتَّطبيقي؛ فالقدرة على خلق الصُّور الجديدة إحدى طريقتين عنده لتجديد الأدب، والأسلوب البياني القائم على المجازات والاستعارات والكنايات "وسيلة فنِّيَّة لمضاعفة التَّعبير". وهذه المحسِّنات البيانيّة ما هي "إلا صناعة فنِّيَّة لا بُدَّ منها لإحداث الاهتياج في ألفاظ اللغة الحسّاسة؛ كي تعطي الكلمات ما ليس في طاقة الكلمات أن تعطيه"، ولا فكاك للأديب – كما يذهب الرّافعي- من الاعتماد على هذه المحسِّنات؛ لأنّها بطبيعتها "تريد ما هو أعظم، وما هو أجمل، وما هو أرقى".

انصبّ اهتمام اللحام في دراسته للرافعي على استشفاف القيم الفنّيّة والجماليّة للاستعارة في نثر الرّافعي، من خلال بيان قدرتها على تحقيق الانسجام بين العناصر المتنافرة، ودورها في إنتاج استعمالات لغويّة، تحفز على اكتشاف أنماط معيَّنة من ترابط الأفكار وتداعيها. وقد كشف اللحام الدّراسة عن ذلك في أربعة محاور:

أولاً: العنوان: وقد تمَّ توظيفه في كتابة الرافعي؛ لإثارة جوّ من الدَّهشة والغرابة، المستمدّتين من الصور الاستعاريّة التي رمى الرافعي من وراء توظيفها في عناوينه، إلى اجتذاب القارئ ودفعه إلى الدخول في عالم النَّص وتتبُّع دلالات الصور فيه، واعتمد في ذلك على الإسناد التنافري؛ كالرَّبط الإضافي، والمنافرة بين النَّعت والمنعوت.

ثانياً: التَّشخيص: أبرز قدرة الاستعارة على تمثيل انفعالات الكاتب، وتحويل معانيه وأفكاره إلى صور بصريّة، تشكَّلت في مجالات مختلفة، منها: الطَّبيعة، والزّمن، والبحر.

ثالثاً: تراسل الحواسّ: وقف على اهتمام الرَّافعي بظاهرة التَّراسل، في المستويين النَّظري والتَّطبيقي، وكشفت عن دورها في بناء علاقات لغويّة جديدة بين مفردات اللغة؛ تَبعاً لأبعاد نفسيّة مرتبطة بذات الكاتب.

رابعاً: التَّضاد: أظهر قدرة الرّافعي، على استثمار التّضاد في صنع التّقابل الاستعاري، وتكوين علاقات لغويّة جديدة ذات أبعاد جماليّة بارزة.

ورأى اللحام أن شعر محمّد عمران يكتظّ بنمط التكرار؛ إذْ كرّر ألفاظا مرّتين، وألفاظا ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا، أو خمس عشرة مرّة. وكان ـ كدأبه في أنماط التّكرار الأخرى ـ يرتكز عليها في شحن قصائده وبناء رؤيته الشعريّة. فمن الألفاظ التي كرّرها كلمة "جائع" في "لوحة اللقيا"، وهي من قصيدة طويلة موسومة بـ "شاهين":

جائع ٌجائعٌ

إلى الماءِ والخبز

إلى الدِّفءِ والهوى والحنانِ.

وقال "يشي تكرار اللفظ "جائع" - في هذا المقطع - بالحاجة الماسّة إلى عناصر الحياة الأساسيّة؛ إنّه تكرار مشحون بدلالات الاشتهاء الماديّ والرّوحيّ في آن معا. وقد أضفى التّكوين الصوتي للكلمة المكرّرة قوّة إسماع عالية؛ فهي تتكوّن من صوتين انفجاريين: الجيم، والهمزة، ومن الألف؛ وهو صوت صائت طويل مجهور، ذو وضوح سمعي، والعين وهو صوت حلقي مجهور. وأتاح ذلك كلّه إمكانيّة كبيرة لانطلاق الصَّوت بقوّة عبّر بها الشَّاعر عن حالة شديدة من البؤس والحرمان.

وعضّد عمران الانزياح الصَّوتي النَّاجم من التّكرار بانزياح استعاريّ؛ إذ جسّم الحنان وصيّره مادّة قابلة للأكل والاشتهاء؛ دلالة على الحرمان الشَّديد. لقد أسبغ عمران بهذا التّكرار اللفظي حياة جديدة على كلمة "جائع"؛ فالإيقاع هو "الرُّوح الذي يضفي على الكلمة حياة فوق حياته".

وأضاف "التجأ عمران إلى تكرار الكلمة "في قصيدة يرسم للفجيعة حدودا ويقرأ تضاريسها"؛ ليؤكّد تحقّق رؤيته؛ بقدوم زمان الفجيعة الذي يراه آتيا لا محالة؛ فكرّر كلمة "زمانا" وكلمة "آت":

يتقدّمُ نحوَ الفجيعةِ مُحتقِنا ًبالدِّماءِ ومُنتصِبَ القلبِ

يعرفُ أنّ زمانا ًمن الموتِ آتٍ

زماناً من الدّمِ آتٍ

زمانا ًمن الرُّعبِ آتٍ.

تبدو الموازنة الصّوتيّة جليّة، في السَّطر الأوَّل بين كلمتي: "مُحتقِن" و"مُنتصِب"، وهو توازن يستدعي الانتباه؛ لأنّ الموازنة «تضفي جرساً بديعاً على العبارات، ممّا يكون له أكبر الأثر في الإصغاء إليها".

عالجت الدّراسة أسلوب التّكرار في شعر محمّد عمران، مركِّزةً على استكشاف القيم الفنّيّة والجماليّة؛ وتبيُّن خيوط الرُّؤية الشّعريّة الكامنة وراء هذا الأسلوب. وقد اتّخذت من تكرار الكلمة، واللازمة، والتّكرار البديعي نماذج تطبيقيّة لتحقيق ذلك.

ومن أهمُّ النتائج التي انتهى إليها اللحام:

أولا: ربط التّكرار بالمعنى: كشفت الدراسة عن الارتباط الوثيق بين البنية التكراريّة والدلالة في شعر محمّد عمران؛ إذْ لم يكن التّكرار في شعره عنصرا شكليّا أو خارجيّا؛ بل عنصرا منتجا للمعنى، وعامل جذب للقارئ.

ثانياً: إغناء الإيقاع: مثّل التكرار رافدا إيقاعيّا مركزيّا في شعر عمران، وقد أدّى إلى زيادة التَّماسك الصوتي في شعره؛ ويرجع ذلك إلى الاستخدام المثمر لهذا العنصر الإيقاعيّ؛ إذ تمكّن عمران من توظيفه إلى جانب عناصر إيقاعيّة أخرى؛ في مقدّمتها: القافية الخارجيّة، والصورة الشعريّة، والروابط الشكليّة.

ثالثاً: نقل الرُّؤيا: وقد تجلّى ذلك، في الاختيار الأسلوبي الذي مارسه محمّد عمران؛ حين اختار «التّكرار» وجعل منه أداة تعبيريّة.

وفي قراءته للتَّشكيل البلاغي في قصيدة "ما قاله الرَّجل الذي لم يمت في الحرب الأخيرة" لشوقي بزيع سعى اللحام إلى تبيان الدّور الفنّي والجمالي للأشكال البلاغيّة في القصيدة، والوقوف على دلالاتها الكامنة في النّصّ، مُركِّزَا على تقصّي تجربة الذَّات التي أنشأت هذه القصيدة.

تتصدّر هذه القصيدة الدِّيوان الثاني في أعمال الشاعر اللبناني شوقي بزيع، وقد صدر هذا الديوان الموسوم بـ "الرَّحيل إلى شمس يثرب" عام 1981، أمّا القصيدة ذاتها فَنُظمت في مدينة صور عام 1979، عقب الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي ابتدأت في 13 إبريل/نيسان سنة 1975 واستمرّت تسعة عشر شهرا. وكانت حربا طاحنة، مزّقت النّسيج الاجتماعيّ في لبنان، وأسفرت عن خسائر جسيمة في الأرواح والاقتصاد، وكان وقودها التَّعصّب الطَّائفي الذي تطغى فيه قيم الخضوع والطّاعة والاندماج الأعمى على "التّفكير الحرّ والقدرة على التّساؤل والنّقد.

وأوضح اللحام أن القصيدة تتشكّل في إطار قاتم يُجسّمه هاجس الإحساس بالخراب الشَّامل، وتتبدّى طلائع هذا الهاجس في العنوان الذي يُصرّح فيه الشاعر بلفظة "الحرب": "ما قاله الرَّجل الذي لم يمت في الحرب الأخيرة" إلى المقطع الأخير الذي يُعبّر عن ارتهان الذَّات لأحد خِيارين: إمّا الاستسلام لواقع ملتهب تتجرّع فيه الذات ناره المتأجّجة، وإمّا الهروب إلى اللاَّمكان:

وكانَ يُحَدِّقُ في نُقْطَةٍ ثابتةْ

نُقْطَةٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ والبَحْرِ

واضِحَةٍ كَالحَياةِ أو المَوْتِ

ثُمَّ يَسيْرُ إلى سَاعَةٍ فَاصِلَةْ.

وبين العنوان والمقطع الأخير تشيع لغة الحرب المدمِّرة، وتتوزع المفردات في حقول دلاليّة تشي بانتمائها إلى هذه اللغة المخضبة بلون الدم. ولفظة الدم/ الموت هي الأكثر تردّدا في القصيدة؛ فقد كرّرها الشَّاعر سبع مرات صراحا: "أُحِسُّ دَمًا يَخْرُجُ الآنَ مِنِّي/ دَمًا كانَ لِيْ في البِدَايةِ/ يطلق الشَّمس التي تنتظر دمها الاحتياطي/ فَلتُعِد لي اصطخاب دمي أيّها البحر/ دمي حجر الزَّاوية/ سيبقى دَمي عالقا بالحصى/ وكان يجرّ التّراب بخيط من الدّم".

ويمكن استيحاء دلالة الدّم في أسطر أخرى، منها: أرْفَعُ هذا القميصَ المُحنَّى برائحةِ الأرضِ/ مثلَ يَدَيْنِ تَفَتَّحَتَا للرَّصاصِ أو الحُبِّ، أو شُرْفَتَيْنِ تَلَطَّخَتَا بالنُّجُوم/ كَما تَتَقبَّلُ عَاشِقَةٌ خِنْجَرَ الحُبِّ، أَوْ يَسْتَعِيْدُ تُرَابٌ مَضَى طَعْنَةَ الشَّجَرَة.

وتنتشر لغة الدّم/ الموت في سياق التَّعبير عن بشاعة الحرب التي تقترن عند الذَّات بالقتل والتَّدمير والإفناء، وما ينجم عن ذلك من صور البؤس الإنساني في شتّى تجلّياته وأشكاله، ومن أبرزها: الخراب المادي والمعنوي: الخراب المسائي/ النُّزوع المدمّر للكلمات/ يهدم الآن صدري/ وأرى سقف هذا الخراب/ الغيوم التي تتبدّد/ الرّياح التي شاخ ملّاحها/ الجبل المتصدّع/ النّجمة المعتمة/ أبصر شمسا محطّمة وقرى تمّحي/ رجل ينكسر/ قمحة أحلامه الفاسدة/ الرَّبيع المهجّر.

الدَّم/ الموت: أُحِسُّ دمًا يَخْرُجُ الآنَ مِنِّي/ يطلق الشَّمس التي تنتظر دمها الاحتياطي/ كلّ الأحبّة ماتوا/ سئمت من الرَّقص فوق الجثث.

الهروب/ الضَّياع: أعلن عن رغبتي في الرّحيل/ وأرى الشَّيء يمشي إلى عكسه، الضدّ يمشي إلى ضدّه/ شعراء يهيمون في كلّ واد/ يسير إلى جهة غامضة/ مشى باتّجاه السُّهول التي لا تُحدّ.

الحزن: سأعدو إلى أيّ ركن من الأرض يشبه حزني/ دمعة أمّي الأخيرة/ الرَّجل البالغ الحزن/ وكان يميل إلى الحزن/ وها هو يغمض جفنيه حتّى البكاء.

الخوف: مشتبكا كالمدينة في ذروة الخوف/ ليكن جسدي وردة الخائفين الوحيدة/ ولأكن أوّل العائدين من الخوف/ ليس هذا الفراغ المخيف بلادي/ الجبل المتصدّع من شدّة الخوف.

وأكد اللحام أن تلك الشّواهد المستخلصة من البنية السّطحيّة للقصيدة تشير إلى بؤس الواقع الذي تتشظّى فيه الذّات، وإلى صور الخراب الذي يشمل البشر والشَّجر والحجر؛ ولا يكاد يستثني شيئا ممّا تأمل الروح الإنسانيّة في رؤيته سليما معافى؛ فهو يحيل كلّ شيء حيّ إلى ساكن جامد، وهو سكون لا يضفي على الرُّوح أمنا وسلاما، بل تعمل فيه آلة الحرب الفتّاكة، وتطغى فيه لغة الجنون على لغة العقل، ويتغلّب اللاّوعي فيه على الوعي؛ إنّه السُّكون القاتل الذي يعقب الحرب/ الخراب.

وخلص اللحام في قراءته التي تقصت الدّور البنائيّ الذي نهضت به الأشكال البلاغيّة المتعدّدة، في بناء رؤية الذّات الشّاعرة المتجلّية في قصيدة "ما قاله الرّجل الذي لم يمت في الحرب الأخيرة" إلى أن الذّات التي أبدعت تراكيب القصيدة وغيرها انحازت إلى لغة أخرى، تتيح للقارئ فرصة الاشتباك مع هذه اللغة التي تلتحم بالنّصّ التحاما وطيدا، وتفتح آفاقا تأويليّة، تكشف عن رؤية الذّات واضطّرابها وانغماسها في عوالم الحزن والتِّيه والضّياع.