أخطبوط الإخوان الأوروبي

لا تؤمن جماعة الإخوان الإرهابية بالوطنية، أو الدولة الوطنية، أو الانتماء القومي. هوية هذه الجماعة هو مشروعها، به تعرّف نفسها، وبه تحاكم الآخرين. وهذا النكران «الهوياتي» رافق الجماعة منذ تأسيسها داخل الساحات المحلية، وحكم توجهاتها وهي تجعل من «التنظيم الدولي» وجمعياته ومؤسساته ومعاهده، أذرعاً أخطبوطية تحتمي بها وتضرب.

لم يكن وجود الجماعة في الساحات الغربية عموماً، والأوروبية خصوصاً، مجرد التجاء إلى ملاذ آمن، تجنباً لعسف مفترض أو متوهم. بل كان خياراً تقاطعت فيه المصالح والغايات، بين «اللاجئ» و«الملجأ». تداخلت براجماتية الإخوان مع تطلعات السياسات والاستراتيجيات الغربية، التي اتسمت بسوء تقدير وتدبير أحياناً، أو بخبث التخطيط والتنفيذ في أغلب الأحيان. كلا الطرفين قدما لبعضهما خدمات متبادلة.

في هذا الملف، تلقي «الاتحاد» أضواء كاشفة على تغلغل منظمات الإخوان المسلمين في أوروبا، منذ التأسيس إلى التمكين، على قاعدة «أعطني وخذ». وهي مسألة لا يشعر الإخوان معها بأي حرج، طالما أنها تحقق أهدافهم الخبيثة. فمنذ عقود تجرأ أحدهم (تقي الدين النبهاني) على القول، عندما رصد خارجاً من السفارة البريطانية في القاهرة، متأبطاً حقيبة أموال: «عرضنا عليهم الإسلام فأبوا، ففرضنا عليهم الجزية»!

كتاب الباحثة فيامنتا فينر، الباحثة في المجال السياسي في المعهد الوطني للبحث العلمي بفرنسا، المتعلق بجماعة الإخوان في فرنسا وأوروبا، أحدث ضجة كبيرة في عند صدوره. فقد سلّط الكتاب أضواء كاشفة ومكثفة، على جماعة راديكالية انخرطت في المجتمع الفرنسي، واتخذت من المنهج الإخواني دليلاً لها، وحصلت على تسهيلات قانونية وتهيئة سياسية من عدد من المسؤولين الحكوميين الفرنسيين في مختلف العهود، دون دراية لمدى خطورتها، ودون تقدير لحقيقة التزامها.

والكتاب هو نتيجة خمس عشرة سنة كرستها المؤلفة لدراسة هذا الموضوع. وهو بعنوان: «عرض شراء للإسلام في فرنسا»، مع عنوان فرعي هو: «طموحات اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا»، وهي المنظمة المحسوبة على التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، والمنضوية تحت شبكة «اتحاد جمعيات مسلمي أوروبا» ومقرها الأساسي في لندن.

وتنبع أهمية الكتاب من أنه يكشف بجلاء ودون مجاملات حجم الاختراق الذي يقوم به التنظيم الدولي للإخوان للمجتمع الفرنسي، وأحياناً كثيرة من خلال أموال دافع الضرائب الفرنسي والدولة الفرنسية نفسها. وتدين المؤلفة حجم العمى التاريخي الذي يقع فيه سياسيو فرنسا اليوم تماماً، كما وقعوا من قبل في شراك اليمين المتطرف. إنه كتاب يشهد بأن هناك من كان يدرك القادم وقد صار ماثلاً اليوم في فرنسا والعالم العربي، كما كان منذ عشرينيات القرن الماضي. ولهذا فالكتاب شهادة من متخصصة آمنت أنه ما كان بمقدور الصحافيين والباحثين أن يتحملوا مسؤولية هذا الكشف بسهولة ويسر، ما يجعل مهمة من يقوم بهذه المهمة شديدة الأهمية.

في هذا الحوار الذي أجراه الصحافيان بوريس تيولاي وجاكلين ريمي لحساب مجلة «الاكسبريس» الفرنسية Jacqueline Remy et Boris Thiolay، مع مؤلفة الكتاب، يقف المرء على حجم المخاطر التي تهدد التوازنات الاجتماعية في المجتمع الفرنسي من ناحية ومسلمي فرنسا خصوصاً، من خلال ما قد ينجر إليه البعض من الانخراط في مشاريع دينية سياسية تهدد الوجود الإسلامي في أوروبا عموماً وفرنسا على وجه الخصوص، تبعاً للتناقض الأساسي بين فكر الإخوان وبين قيم النظام الجمهوري والعلمانية على النمط الفرنسي. وبالرغم من تقادم الزمن إلا أن الكثير من تحليلات الباحثة لم تفقد من أهميتها.

في بداية الثمانينيات، كان اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا عبارة عن دائرة صغيرة من الطلبة والناشطين الإسلاميين المنفيين أو المهاجرين، ومنذ 2003 صارت هذه المنظمة المخاطب المفضل للدولة الفرنسية لتصريف شؤون الإسلام في فرنسا، وقد احتل اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا إلى حدود سنة 2005 ثلث المقاعد في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، وهو الهيئة الرسمية التي أرساها نيكولا ساركوزي سنة 2003 عندما كان وزيراً للداخلية. فما الذي حدث لتفسير هذا الصعود في عشرين سنة فقط؟ وما هي الأهداف الحقيقية لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وما هي علاقته بالمؤسسة الأم الموجودة في بريطانيا والمعروفة باسم اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا؟ وما هو الوزن الحقيقي لهذه الحركة التي تستمد أفكارها من الإخوان؟

إن تفحّص مجموع الوثائق المتاحة للعموم الصادرة عن اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وتفكيك التصريحات الرسمية والمواقف الأقل علانية لأهم المسؤولين، ومقابلة خطابهم الظاهري بالأرشيف والجذور التاريخية السياسية للقسم الجهادي من الإسلام، فإن الأمر يستدعي التشهير بمحاولة من محاولات الهيمنة لحركة لا تمثل في الحقيقة إلا جزءاً يسيراً وبسيطاً من المسلمين في فرنسا، وهي تقوم بتوظيف الدين واستغلاله لغايات سياسية ومعادية للأمة والاندماج، وتفوح منها رائحة معاداة السامية والفتاوى الداعية إلى القتال والحرب، وذات تمويلات مشبوهة. كما أن الحاضنة الأيديولوجية لاتحاد جمعيات مسلمي فرنسا تبعث على الانشغال، ولهذا السبب بالذات فإن كتاب فامنتا فينر يقدم لنا النقاط الأبرز في عملها البحثي المتقصي.

أخطاء فرنسية

لماذا هذه الأهمية لمنظمة مثل اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا؟ هل هي خطيرة إلى هذا الحد على المجتمع الفرنسي؟

منذ أن قام نيكولا ساركوزي سنة 2003 بجعل اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا مخاطباً للدولة ضمن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) ادعى أنه من الأفضل إدماج هذه المنظمة بدل إقصائها. بيد أن سؤالي الأول هو التالي: من هو الرابح في هذه العملية؟ هل هي الجمهورية أم اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا؟ وعندما يدعو ساركوزي كوادر اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا بالأرثوذكسيين، أي أولئك الذين يمثلون الإسلام الرسمي القويم، فانه يقدم لنا الهدية المسمومة نفسها التي قدمها لنا من قبله ميتران مع الجبهة الوطنية اليمينية. إنه يفتح الميكروفونات والإعلام ويوكل إلى المجتمع المديني مسؤولية التصدي وإقامة نوع من السلطة المضادة، ولكنه ينسى أن اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا لا يمثل الإسلام الرسمي الأرثوذكسي، بل الجانب الأصولي في الإسلام، وهناك فرق كبير بين الأصولية التعبدية التي مثلها الأصوليون في المسيحية الكاثوليكية والأصولية عند البروتستانت والأرثوذكس عند اليهود، وبين الراديكالية السياسية. إن الراديكالية التعبدية المرتبطة بالشعائر هي خيار شخصي وممارسة فردية لا يحق لأحد أن يتدخل فيها بينما الراديكالية السياسية في المقابل يجبان تكون موضوع نقاش ونحن نميل إلى الخلط بين الأمرين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالإسلام. إن اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا يحمل راديكالية سياسية، ولذلك هو منظمة خطيرة وتزداد خطورتها عندما تدعي تمثيلها لإسلام أغلبي في فرنسا وأوروبا، فهي إن كانت تمثل حقاً ما تدعيه أي ثلث مسلمي فرنسا مثلما يعكسه وزنها داخل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، فهذا معناه منطقياً وحسابياً أنها إذا كانت تمثل 3.5 مليون من المسلمين المفترضين، وبمعنى آخر وجود مليون من الأصوليين المفترضين، وهذا بهتان ما بعده بهتان، إذ لا وجود لمليون متعاطف أو منخرط في اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا.

ادعاءات تمثيلية

إذا كان اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا ليس له هذا الوزن بين مسلمي فرنسا، فمن أين تأتي خطورته إذن؟

تنبع الخطورة أولاً من منح هذه المنظمة بشكل مصطنع تمثيل ثلث مسلمي فرنسا، في حين أنها لا تمثل أكثر من 150000 شخص على أقصى تقدير، وثانياً لأن وسائل الإعلام تضخم من أهميتها. ففي اجتماعاتها السنوية التي تتم في ضاحية لوبورجيه، يقوم الإعلام بتبني الأرقام التي يعلنها اتحاد منظمات مسلمي فرنسا دون تثبت ولا ترو، وهم 3000 مشارك سنة 1993، و30000 سنة 1994، و75000 سنة 2001، و130000 سنة 2004. واللافت أن ساركوزي نفسه اكتشف يوم إعلانه في مؤتمر الاتحاد من أجل حركة شعبية «المعروف اختصاراً بـ UMP» أنه لم يحضر إلا نحو 40000 ألف شخص. وحينما نقارن صور مؤتمر الـ UMP وصور مؤتمر اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا ندرك لأول وهلة أنه لم يحضر حتى 40000 ألف في هذا المؤتمر، بل أكثر من ذلك فإن الكتيّب التي وزعت مجانا على المؤتمرين أثناء الأيام الثلاث لمؤتمر سنة 2005، لم يطبع منه أكثر من 15000 نسخة فقط. وكل هذه المعطيات تستدعي استنتاجات من بينها أن الوزير دومينيك دي فيلبان Dominique de Villepin عندما أعلن عن رغبته في اعتماد تكوين ديني إضافي لحوالي 1500 من الأئمة الذين هم مجموع أئمة فرنسا، فانه قد قسمهم نصفين، نصف يتولى تكوينه مسجد باريس وهو الهيكل قليل النشاط والأهمية، والنصف الآخر أوكله إلى اتحاد جمعيات مسلمي فرنسا، أما الشريك الثالث الكبير للمجلس الوطني للديانة الإسلامية CFCM وهي الجامعة الوطنية لمسلمي فرنسا (FNMF)، فإنها لا تتوافر على أية مدرسة تسمح لها بالاضطلاع بهذه الوظيفة. وهذا معناه عملياً أن نحو 750 إماماً فرنسيا سيوكل أمرهم إلى اتحاد منظمات مسلمي فرنسا ذات التوجه الإخواني، وهو الذي لم يكن يكون من قبل سوى 15 إماماً فقط في السنة الواحدة. وهذا هو قمة العبث واللامعقول. وأنا شخصياً أفضّل ألف مرة إماماً لا يتقن سوى اللسان العربي شارك في مناهضة الإرهابيين الجزائريين وحاربهم بفكره وثقافته على إمام يتكلم الفرنسية (فرانكفوني) ينتمي إلى اتحاد منظمات مسلمي فرنسا، ذلك أن هذا الاتحاد يقطع كل نقاش آيديولوجي من خلال الرجوع إلى مذهب الإخوان، وهو أيضاً المذهب الذي يتحكم في المجلس الأوروبي للفتوى، وهو الجهة الدينية التنفيذية لاتحاد منظمات مسلمي أوروبا ومقره الرئيسي موجود بلندن، وهو يحدد الكيفية إلتى بها يعيش مسلمو أوروبا، وهو المشهور بفتاويه المناهضة للمرأة والإجهاض والمبرر للعمليات الانتحارية.

خطابان ولغتان

لكن اتحاد منظمات مسلمي فرنسا يدّعى أنه حداثي، فهل هو صاحب خطاب مزدوج واحد هادئ وديع للسلطات والرأي العام، والآخر راديكالي حين يتوجه إلى مناضليه ومنخرطيه؟

لكي يحدث الاقتناع يكفي الرجوع إلى تصريح أحمد جاب الله أحد مؤسسي اتحاد منظمات مسلمي فرنسا ولا يزال جزءاً من جهازه التنفيذي، فهو من يقول «إن الاتحاد هو عبارة عن صاروخ من طابقين، الأول ديمقراطي والثاني مهمته وضع مجتمع إسلامي في مداره لاحقاً». إن مسؤولي الاتحاد لهم أهداف واضحة واستراتيجية غزو وفتوح ذات أيضاً أهداف سياسية باتجاه البلاد العربية الإسلامية. وهو منذ تأسيسه أراد أن يجعل من فرنسا قاعدة خلفية، أي مكاناً يستطيع أن يجد فيه الإرهابيون ملاذاً يحاولون منه تغيير نظرة الرأي العام الأوروبي نحو بلدانهم الأصلية، بيد أن الأخطر هو محاولة الاتحاد إخضاع مسلمي فرنسا، ذلك أن بعض الجمعيات المنضوية تحت رايته أعطت نفسها حق الحكم بمن هو المسلم الجيد ومن هو المرتد عن الإسلام، وهو ما يؤدي إلى عزل شخص أو عائلة عزل البعير وفصله عن جماعة المسلمين. وما يزيد الأمر خطورة هو أن هؤلاء الذين ينزلون أنفسهم هذه المنزلة ليسوا علماء دين ولم يؤثر عنهم معرفة بمسائله ودقائقه، ولا أحد من رؤسائه تقريباً كانت له دراسة معمقة فيه، وهم لا يتوفرون إلا على معرفة ضيقة وبسيطة بالإسلام، ويكتفون باستعماله وتوظيفه لقضاء حاجات سياسية ومشروع سياسي رجعي. ففي مدينة بوردو مثلاً تمت إزاحة واستبعاد طارق أوبرو كبير أئمة اتحاد منظمات مسلمي فرنسا أثناء حوار حول الحجاب، والسبب هو أنه أقر بأن الحجاب أمر اختياري وليس فريضة إلهية واجبة، لأن حديث أسماء (1) الذي يعتمد لإثبات وجوب الحجاب للنساء ليس صحيحاً بحسب طارق أوبرو. إن الإسلام شأنه شأن كل الأديان يمكن أن نستعمله لأرذل الأشياء كما لأحسنها، ولكن اتحاد منظمات مسلمي فرنسا لم يختر أن يجعل منه الأحسن مع الأسف.

أشخاص ومرجعيات

ما هي مرجعيات اتحاد منظمات مسلمي فرنسا الروحية والمذهبية؟

يجدر التنبيه إلى أن هذه المنظمة تعتبر إشكالية من الوجهة الجينيالوجية، فهي قد أنشأت سنة 1983 من قبل جماعتين إسلاميتين متعارضتين، أولاهما هي جماعة أنصار راشد الغنوشي مؤسس حركة النهضة التونسية، وهو من مريدي وأتباع الإخوان وطرد من بلده ومنع من الإقامة في فرنسا قبل أن يلتجئ إلى أنجلترا سنة 1991، وثانيهما أشياع فيصل مولوي وهو من الإخوان اللبنانيين الذين عاشوا في فرنسا وساهم في تأسيس جمعية الطلبة المسلمين في فرنسا المعروفة اختصاراً بـ (AEIF)، وكان مسؤول الجماعة الإسلامية في لبنان حتى وفاته سنة 2011.

من هم الأشخاص الذين يلعبون دور الرابط المباشر بين اتحاد منظمات مسلمي فرنسا والإخوان؟

إن المنشورات الأولى لاتحاد منظمات مسلمي فرنسا والمترجمة إلى الفرنسية كانت تأتي رأساً من مؤسسة لايسستر فواندايشن Leicester Foundation التي تنشر بالأساس كتب ثلاثة من «المفكرين»، وهم: حسن البنا مؤسس الإخوان، وسيد قطب منظر الجهاد والإخواني الذي تم إعدامه سنة 1966، وأبو الأعلى المودودي الباكستاني الذي يدعو إلى إقامة دولة إسلامية في شبه القارة الهندية. وهناك رابع يكشف بوضوح عن الصلات بين هذا الاتحاد ومنظمة الإخوان وهو يوسف القرضاوي الأب الروحي للإخوان وزعيم المجلس الأوروبي للإفتاء ومعهد تكوين أئمة الاتحاد، هذا بالإضافة إلى أن ممثل اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا أحمد الراوي هو السفير الرسمي للإخوان المسلمين في أوروبا. فنحن إذا ما دققنا في تفاصيل الهيكل التنظيمي لهذا الاتحاد، فإننا سندرك أن اغلب الكوادر تقريبا هم من الفرنسيين وأعضاء اتحاد منظمات مسلمي أوروبا. وفي أثناء أزمة الرهائن المحتجزين في العراق رأينا على شاشات القناة الفرنسية الأولى كيف أن مهمة الوساطة قد قامت بها لجنة من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) في بغداد، وفي ذلك التقرير كان هناك أمر لافت للانتباه وهو أن أحد السلفيين في أحد المساجد رفض مقابلة الوفد متسائلاً: لماذا تبعث إليه فرنسا وفداً من الإخوان؟

الفكر والمال

اللافت أن اتحاد منظمات مسلمي فرنسا يدافع عن نفسه بالقول إنه يقيم علاقات مباشرة وشفافة مع الإخوان؟

يجب التدقيق أين توجد هذه العلاقات، فحسب منشوراته هناك صلات واضحة. ففي إحداها وعنوانها «نقد لإحدى المنظمات الإسلامية» ندد بمسألة الاتجار «بالمرتدين» الذين ينكرون ابن تيمية، ومحمد ابن عبد الوهاب، وسيد قطب، ويوسف القرضاوي، وهؤلاء المنظرون الأربعة الذين يعتد بهم الاتحاد، ويعتبرهم مراجعه الدينية الوحيدة، هم من أكثر من يمثلون الراديكالية في الفكر الإرهابي، والأخيران هما ممثلا الإخوان، ولكن الحجة الأبلغ تأتي من الإخوان أنفسهم، فعندما نسألهم: «من هم ممثلوكم في أوروبا»؟ يجيبون: المجلس الأوروبي للإفتاء، بل إنه في لحظة من لحظات الصراحة أو السذاجة، أجاب فريد عبد الكريم الرئيس السابق للشباب المسلمين في فرنسا، وهي مؤسسة قريبة من اتحاد منظمات مسلمي فرنسا، أن أول شيء علموه إياه عندما دخل الاتحاد هو فكر حسن البنا. وفي مرات كثيرة صرح مسؤولو الاتحاد «أن القرآن هو دستورنا» في إشارة لشعار الإخوان.

هذه القرابة هل تترجم بمساعدات مالية؟

اتحاد منظمات مسلمي فرنسا يساعد ويدعم مالياً اللجنة الخيرية لمناصرة فلسطين التي تجمع أموالاً لحركة حماس الفلسطينية التي تستلهم فكر الإخوان، وليس لأن اللجنة تحظى بالصفة القانونية فإنها تنأى عن النقد، فهناك الكثير من الجمعيات تدعم الفلسطينيين، ولكن دون أن تكوم مرتبطة بحركة حماس مثل «أطباء بلا حدود» وغيرها، ولكن هؤلاء لا يدعمهم اتحاد منظمات مسلمي فرنسا.

عن التمويل

كيف يتم تمويل اتحاد منظمات مسلمي فرنسا؟

لقد بنيت أغلب المساجد بأموال بعض أثرياء الخليج، ويزعم مسؤولو الاتحاد أن 30 بالمائة فقط من الأموال تأتي من الخارج، ولكن يجب أن ننتبه إلى أنه عندما يدفع أحد الأثرياء 10000 دولار لباريس فإن اتحاد منظمات مسلمي فرنسا يعتبر ذلك تمويلاً من الحكومة الفرنسية، فهو يقرأ الأمور على هذا النحو. وإذا ما طلب القرضاوي أموالاً لأحد أتباعه القدامى، فإنه سيحصل عليها ولن يعترض أحد على ذلك، ولن يسأل أحد أين ستصرف تلك الأموال ولا إلى من ستذهب، ولا ينشغل بعض أثرياء الخليج بمعرفة أين ستصرف أموالهم، فما يهمهم هو صرف 10 بالمائة من مداخيلهم تبعاً لواجب الزكاة.

أين تذهب هذه الأموال؟

بعض الأموال صرفها اتحاد منظمات مسلمي فرنسا لتأدية أجور محامي قضية الحجاب، بيد أن أكبر المبالغ تذهب للعقارات بناء وشراء من أجل الوجاهة وبيان الوزن الاجتماعي والسياسي، فانتخابات المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية مثلاً قامت حول كبر مساحة المساجد التي تقع تحت إشراف هذه الجمعية أو تلك المنظمة، وكلما زاد عدد الأمتار المربعة ازداد عدد الناخبين، وزاد الوزن السياسي.

إذن نفهم من هذا الكلام أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية مدعوم من منظمة راديكالية وأقلية من حيث الحجم بين المسلمين في فرنسا مما يتسبب في إعطائها حجماً يفوق قيمتها الحقيقية؟

لقد اشترطت الجمهورية من خلال المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أن يلتقي المسلمون الليبراليون مرة واحدة في الأسبوع على الأقل لتبادل الأفكار والنقاش مع الإسلاميين الراديكاليين، ويتبين أن هذا الهيكل لم يؤد إلى أن يتراجع اتحاد منظمات مسلمي فرنسا قيد أنملة عن مواقفه، بل إن ما حدث هو مطالبة الشيخ دليل بوبكر إمام جامع باريس ورئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أن يتلو بيانات شارك في صياغتها وتحريرها اتحاد منظمات مسلمي فرنسا. وفي الحقيقة، فإن هذه المنظمة قد صارت لها الكلمة العليا واليد الطولى داخل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.

أخيراً يمكن القول إنه تمت التضحية بـ 3.5 مليون مسلم من أجل طموحات جماعة راديكالية سياسياً وذات وزن قليل. وبما أنه لم يتم تغيير طريقة انتخاب المجلس الفرنسي حتى الآن، فإن اتحاد منظمات مسلمي فرنسا ما زال أمامه تاريخ طويل للتوسع في الانتخابات القادمة بسبب من أنه لا يزال يستطيع عبر نفوذه المالي أن يشتري مزيداً من الأمتار المربعة. وهنا أعود إلى السؤال الأول الذي بدأنا به هذا الحوار وهو من الرابح: هل هي الدولة الفرنسية أو اتحاد منظمات مسلمي فرنسا؟

حوار مع فيامتا فينر

مؤلفة كتاب: هذا هو الوجه الخفيّ لحركة الإخوان في فرنسا

المؤلفة: فيامتا فينر