'نيوم' حلم ولي العهد السعودي لمملكة أكثر حداثة

خطوات اصلاحية مهمة

الرياض – ليس في الرؤية التي طرحها مقطع فيديو ترويجي حول أضخم مشروع استثماري سعودي يتعلق بمدينة نيوم عُرض في مؤتمر استثماري عالمي في الرياض الأسبوع الماضي أي وجه للشبه بحاضر المملكة الذي أدى فيه إدمان النفط إلى اعتماد أفراد الشعب على منح وعطايا الدولة ويحرص فيه رجال الدين الأصوليين على فرض أعراف شديدة التحفظ.

فالمدينة العملاقة التي تخطط السعودية لبنائها باستثمارات تبلغ 500 مليار دولار هي واحة من المنحدرات المذهلة والشواطئ الرملية والمشروعات التقنية التي تعمل بطاقة الرياح والطاقة الشمسية.

وفيها تفوق أعداد الانسان الآلي (الروبوت) أعداد البشر وتتنوع مظاهر الحياة المدنية الحديثة بين الرياضة والحفلات الموسيقية والمطاعم الراقية.

وتمثل المدينة أحدث أحلام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (32 عاما). والأمير صاحب رؤية التحديث شخصية طموحة ومجتهدة يدفعه إحساس بالأسف لأن المملكة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم العربي وأكبر دولة مصدرة للنفط في العالم تخلفت عن ركب جيرانها الأصغر.

وعقب تولي الأمير محمد ولاية العهد طرح خطة لانتشال المملكة من هذا السبات، غير أن طموحاته مطلب صعب في بلد تحكم فيه الأسرة الحاكمة من خلال ميثاق مع المؤسسة الدينية الوهابية وصاحبة النفوذ الواسع التي يقلقها الحديث عن التحديث.

وتلخص خطته الأخيرة لبناء منطقة اقتصادية مساحتها 26500 كيلومتر مربع، أي ما يقرب من مساحة بلجيكا، باسم نيوم مدى طموحاته وحجم التحديات التي يواجهها.

وبعض المديرين التنفيذيين الذين حضروا المؤتمر الذي وصف بأنه دافوس في الصحراء، ظلوا متشككين في قدرة الرياض على تنفيذ مخططها العملاق في ضوء النظام القانوني الذي لا يواكب العصر والبيروقراطية.

ويسلم الأمير الشاب بالصعوبات، لكنه عاقد العزم على مواصلة المشوار. ويصف المشروع بأنه تحد ويقول إن الحلم سهل، لكن تحقيقه في غاية الصعوبة.

سلاح ذو حدين

ووصف الأمير محمد شباب السعودية الذين يعول عليهم في تحقيق رؤيته بأنهم سلاح ذو حدين، مضيفا أنهم إذا اجتهدوا وساروا في الطريق الصحيح فسيجعلون من السعودية بلدا آخر مختلفا تمام الاختلاف أما إذا ساروا في الطريق الخطأ فسيكون ذلك وبالا على البلاد.

ويخطط الأمير محمد بموجب رؤية المملكة 2030 التي طرحها لخصخصة حصة في شركة أرامكو عملاق صناعة النفط وخصخصة أصول أخرى مملوكة للدولة لخلق أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم من أجل الاستثمار في البنية التحتية والمشروعات الصناعية.

وتحت وطأة انخفاض أسعار النفط لجأت الرياض إلى تخفيض إنفاقها ومحاولة إيجاد مصادر جديدة للدخل بعد أن منيت بعجز في الميزانية بلغ 98 مليار دولار عام 2015. وبالفعل انزلقت إلى الركود.

ومن المتوقع أن تؤدي إصلاحات مستقبلية إلى خفض الدعم وزيادة الضرائب وإصلاح نظام التعليم الذي عفا عليه الزمن وتقليص حجم القطاع العام ومنح المرأة دورا أكبر في المجتمع.

وأشادت هيئة كبار العلماء في المملكة بخطة نيوم التي طرحها ولي العهد وتعليقاته عن عودة المملكة للإسلام الوسطي والاعتدال.

تمويل التحديات

وكان موضوع المناقشات الساخن في دهاليز المؤتمر هو ما إذا كان الأمير محمد سيحقق رؤيته في تحديث المملكة والتي تعتمد على القطاع الخاص في تحفيز النمو وتوفير إيرادات جديدة للدولة.

وقال رضا أغا كبير الاقتصاديين بشركة في.تي.بي. كابيتال "من المؤكد أن المشروع فكرة مبتكرة. فكرة تنطوي على إمكانيات كثيرة، لكن مازالت تفاصيل كثيرة بحاجة للتوضيح".

وأضاف "بخلاف تحديات تمويل وإقامة مشروع بهذا الحجم فإن طبيعة هذا المشروع الخاصة وغيره من البيانات لا تحقق شيئا سوى زيادة صعوبة التنبؤ بالسياسات السعودية".

وقال شتيفن هرتوج أحد الباحثين المرموقين المتخصصين في الشأن السعودي، إن المستهدف هو جذب استثمارات مماثلة من القطاع الخاص "حتى تصبح المخاطر المالية على المال العام محدودة إذا لم تحقق تلك الاستثمارات المرجو منها لسبب أو لآخر".

وقال "مخاطر المشروع الرئيسية هي على الأرجح احتمال عدم وجود كبار المستثمرين من القطاع الخاص، فالقطاع الخاص المحلي والدولي سيرغب في سماع تفاصيل أكثر بكثير مما نشر حتى الآن".

ويؤكد صعود نجم ولي العهد تحولا جذريا صوب قيادة أكثر تمشيا مع احتياجات البلاد التي تقل أعمار 70 بالمئة من سكانها عن 30 عاما، فهذه هي أول مرة تنتقل فيها السلطة من حكام في الثمانينات إلى الجيل الثالث من الأسرة التي أسسها ابن سعود الجد الأكبر للأمير الشاب. ولا تزال الكلمة الأخيرة للملك سلمان، لكنه منح ابنه سلطات لم يسبق لها مثيل.

وفي أقل من عامين أدخل الأمير محمد الذي يتولى إدارة الاستراتيجيات الدفاعية والنفطية في المملكة تغييرات اجتماعية حقيقية كانت تعتبر من المحظورات حتى عام واحد مضى.

فقد قلص سلطات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كان رجالها يجوبون الشوارع لفرض الفصل بين الجنسين وضمان ارتداء النساء من الملابس ما يغطي الجسم من الرأس إلى القدمين في الأماكن العامة.

كما رفع حظرا على قيادة النساء للسيارات وسمح بإقامة حفلات موسيقية ومن المتوقع أن يعيد فتح دور السينما التي أغلقت قبل 40 عاما.

وفي ظل العاهل الراحل الملك عبدالله شهدت المملكة أيضا حركة بطيئة الخطى نحو تخفيف القيود.

غير أن الجو السائد في العاصمة السعودية الرياض تغير بشكل ملحوظ منذ صعود نجم الأمير محمد إذ بدأ اختلاط الشباب في الشوارع والمطاعم حيث تنطلق الموسيقى من مكبرات الصوت وبدأت بعض النساء يكشفن شعرهن ويرتدين أثوابا زاهية الألوان.

وفي السابق كان رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتدخلون لوضع حد للأمر، لكن يبدو الآن أنهم يحجمون عن ذلك.

ومازال يتعين على الأمير محمد إصلاح نظام تعليمي يقوم على أساس ديني واجتثاث الأفكار المتطرفة التي ترفض الأديان والمذاهب الأخرى.

ويقف في جانبه في هذه التغييرات من أفراد جيل الشباب الحريصين على اللحاق بالعالم المعاصر الذي يتابعونه على وسائل التواصل الاجتماعي وعبر القنوات التلفزيونية الفضائية ومن خلال السفر للخارج.

وقال هرتوج "توجد رغبة في قطاعات لا بأس بها من المجتمع السعودي للابتعاد عن سيطرة الوهابية الصارمة على السلوك الاجتماعي والجو العام".

وأضاف "ثمة مقاومة من قوى محافظة لكنها حتى الآن معطلة وغير منظمة".

غير أن مشروعات سعودية عملاقة سابقة كانت تستهدف تحفيز النمو والتنويع الاقتصادي لم تحرز تقدما، فمدينة الملك عبدالله الاقتصادية ومركز الملك عبدالله المالي مازالا خاويين إلى حد كبير.

وأحد المشاريع الناجحة التي يحتمل أن يريد الأمير محمد بن سلمان محاكاتها مجمع أرامكو على الساحل الشرقي للبلاد والذي تشبه الحياة فيه حياة الضواحي في الولايات المتحدة، حيث تتمتع النساء بالمزيد من الحريات وتنتشر المدارس الأجنبية والنوادي الرياضية والحدائق بما يغري أسر العاملين على الحياة فيها.

ويقول الخبراء إن هذه الاستراتيجية تنشئ فيما يبدو مدنا بديلة تأخذ فيها الحياة طابعا عصريا بينما يجري العمل تدريجيا على تغيير بقية المجتمع دون المجازفة برد فعل من المحافظين المستاءين.

وقال الأمير محمد إن هذا المشروع ليس للمستثمر التقليدي بل للحالمين الذين يريدون إنجاز شيء في هذا العالم.