اختلالات في حكومة بنكيران

ضربة موجعة تلك التي تلقتها الحكومة المغربية السابقة، أول أمس الثلاثاء 24 أكتوبر/تشرين الأول 2017، فقد ذكر بلاغ للديوان الملكي أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات أكد أن التحريات والتحقيقات التي قام بها أثبتت وجود مجموعة من الاختلالات تم تسجيلها في عهد الحكومة السابقة، وأن عدة قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية لم تف بالتزاماتها في إنجاز المشاريع، وأن الشروحات التي قدمتها، لا تبرر التأخر الذي عرفه تنفيذ برنامج "الحسيمة منارة المتوسط".

وتعد هذه المرة الأولى التي تتم فيها عملية إدانة حكومة بشكل رسمي وعلني، إذ لم يسبق في تاريخ المغرب الحديث ومنذ عهد حكومة امبارك البكاي إلى اليوم أن تعرضت حكومة لما تعرضت له حكومة بنكيران، سوى ما يروج بين الفينة والأخرى وفي الكواليس بأن الملك غاضب على مسؤول ما، مثل ما حدث في الفترة الأخيرة وعلاقة بهذه القضية نفسها مع مستشاره فؤاد عالي الهمة، حيث ذكرت وسائل الإعلام بأن هذا المستشار الملكي تعرض لغضبة ملكية، بسبب فشله في تدبير حراك الريف. وكتبت مواقع إلكترونية بأن الهمة هو من يتحمل مسؤولية التقرير الذي أعده عبدالوافي لفتيت وزير الداخلية وعرض على أحزاب الأغلبية، وتم فيه اتهام نشطاء حراك الحسيمة بالانفصال، وأكدت أن "الهمة هو مهندس هذا التقرير، وهو من دفع بوزير الداخلية الحالي، إلى إقناع الأمناء العامين للأحزاب المكونة للحكومة بإصدار البلاغ الذي أشعل الحراك بالريف". ومثل ما حدث كذلك مع مسؤولين مكلفين بالسهر على تجهيز الإقامة الملكية الشاطئية في مدينة المضيق، والقصر الملكي بمدينة تطوان، إذ فوجئ الملك لدى وصوله إلى الإقامة الملكية في زيارة مفاجئة يوم عيد الأضحى بارتباك في بروتوكول التهيئة للاستقبال في غرف الجناح الملكي، ليقرر تجميد مهام ثلاثة مسؤولين بشكل مؤقت كإجراء عقابي.

وبالعودة إلى هذه القضية فإن خيوطها الأولى ابتدأت يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول من سنة 2015، عندما ترأس الملك مراسم التوقيع على اتفاقية شراكة تتعلق ببرنامج التنمية المجالية لإقليم الحسيمة (2015- 2019)، والتي وقعها، على عهد حكومة بنكيران، عدد من الوزراء أبرزهم وزير الداخلية محمد حصاد، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، ووزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد، ووزير الفلاحة والصيد البحري عزيز أخنوش، ووزير التربية الوطنية والتكوين المهني رشيد بلمختار، ووزير الصحة الحسين الوردي، ووزير السياحة لحسن حداد، ووزير الشباب والرياضة لحسن السكوري، والوزيرة المنتدبة لدى وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة المكلفة بالبيئة حكيمة الحيطي.

كما وقع الاتفاقية مسؤولين آخرين منهم المندوب السامي للمياه والغابات ومحاربة التصحر عبدالعظيم الحافي، ووالي جهة طنجة- تطوان- الحسيمة محمد اليعقوبي، ورئيس مجلس جهة طنجة- تطوان الحسيمة إلياس العماري، ومدير المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب علي الفاسي الفهري، ومدير مكتب التكوين المهني إنعاش الشغل العربي بنشيخ، والمدير العام لوكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال منير البويسفي، ورئيس المجلس الإقليمي للحسيمة إسماعيل الرايس.

إلا أنه وبفعل تأخر تنفيذ مقتضيات هذه الاتفاقية التي ستعرف فيما بعد ببرنامج "الحسيمة منارة المتوسط" سيضطر سكان المنطقة المعنية بالاتفاقية إلى الخروج إلى الشارع في إطار مسيرات واعتصامات ووقفات احتجاجية للمطالبة بحقهم في التطبيب والعلاج والسكن والتعليم والأمن والتشغيل وغيرها، وهي جميعها مطالب مدرجة في بنود وفقرات الاتفاقية، لتتحول مسيراتهم واحتجاجاتهم إلى مواجهة مباشرة مع القوات العمومية، وتتأجج هذه المواجهة وتصل إلى أوجها إثر مصرع بائع السمك محسن فكري طحنا داخل شاحنة لجمع النفايات، خلال محاولته الاعتصام بها، لمنع مصادرة أسماك، وعوض أن تتجاوب الجهات المعنية مع مطالب حراك الريف المشروعة فضلت شن حملة اعتقالات واسعة في صفوفهم طالت عددا من المتظاهرين أبرزهم ناصر الزفزافي.

أحزاب الأغلبية هاجمت هي الأخرى هذا الحراك واعتبرت الفاعلين فيه مجرد مخربين وعملاء انفصاليين يخدمون أجندات خارجية ومن هؤلاء رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي أكد في تصريح صحفي أن الأوضاع في إقليم الحسيمة تطورت بشكل طبيعي في البداية، لكنها سرعان ما بدأت تعرف "بعض الانحرافات قادتها مجموعة مسخرة من الخارج لم يفلح معها الحوار"، موضحا أن "كل العناصر تثبت بأن أفراد هذه المجموعة منخرطين في مسلسل التمويل من الخارج من قبل خصوم الوحدة الترابية".

وفي مساء يوم 29 يوليو/تموز 2017 ثار ملك البلاد في خطاب الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش في وجه المفسدين من المسؤولين المقصرين في أداء مهامهم المنوطة بهم، والتي من أجلها فوضهم الشعب للقيام بها، وانتقد في خطابه النخبة والمنتخبين والأحزاب السياسية في البلاد، معتبرا أن "التطور السياسي والتنموي الذي يعرفه المغرب لم ينعكس بالإيجاب على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة".

العاهل المغربي ومن خلال هذا الخطاب أعطى كذلك الأمر بالتحقيق في أسباب تأخر مشروع "الحسيمة منارة المتوسط"، وهو النقطة التي أفاضت الكأس وكشفت الغطاء عن واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وإداري متعفن ومقيت يتجرعه المغاربة في كل يوم، يعطل مصالحهم وينهك قدراتهم ويسيء إلى سمعة البلاد والعباد في الداخل والخارج، الشيء الذي أدى وكإجراء عقابي إلى توقيف عدد من المسؤولين من مهامهم بل وحرمانهم من تحمل أية مهمة أو مسؤولية في المستقبل.