في انتظار قيام الدولة الكردية

تبدو بغداد كما لو أنها كسبت الجولة في صراعها مع إقليم كردستان الذي يتوهم الكثيرون أن آمال انفصاله عن العراق قد تبخرت.

ولكن هل في الإمكان تخيل الحد الأقصى لطموحات حكومة بغداد بحيث تصل تلك الطموحات الى مستوى محاولة اخضاع الإقليم ثانية لسلطتها المركزية؟

الأمور ليست واضحة حتى الآن.

فالطرفان الكردي والحكومي غير متأكدين من الموقف الدولي إزاء الصراع الذي كان متوقعا، لسببين.

الأول يكمن في محاولة الإقليم الاستيلاء على مناطق سميت في الدستور الجديد بـ"المناطق المتنازع عليها" وهي تسمية تنطوي ضمنيا على الاعتراف باستقلال الإقليم عن العراق، مما يسمح له بالتنازع معه.

الثاني يتعلق بموقف التحالف الشيعي من المسألة الكردية وهو موقف ملتبس تتجاذبه قوتان، الأولى داخلية حيث كان عدد من الزعماء الشيعة يميلون إلى التخلص من الصداع الكردي والثانية خارجية يلخصها الموقف الإيراني الرافض لقيام دولة كردية بشكل مطلق.

تاريخيا فإن الأكراد قد قرروا وبشكل حاسم أن يفكوا ارتباطهم بالعراق. وهو أمر ما كان له أن يحدث لولا مجازفة مسعود البارزاني حين تحدى العالم وأقدم على اجراء استفتاء الانفصال. اما فيما يتعلق بالسبل القانونية لإنجاز ذلك القرار الشعبي فإن ذلك لا يمكن أن يجد طريقه إلى الوقع إلا من خلال فوضى يمكن أن يستحدثها سياسيو بغداد في طريقة تعاملهم مع مسألة لا يودون التعبير عن موقفهم منها بصريح العبارة.

لا أحد في بغداد يقف ضد قيام الدولة الكردية.

لا أحد في بغداد يقف مع التفريط بوحدة الأراضي العراقية.

ما الذي يعنيه ذلك الموقف الملتبس؟

الأكراد من جهتهم فإنهم مطمئنون إلى مستقبل دولتهم. لقد جرى الاستفتاء ولم تقف أمامه أية قوة لتمنع وقوعه. يومها قال الأكراد كلمتهم. وهي كلمة لا يمكن أن يمحوها تجميد أو حتى الغاء ذلك الاستفتاء.

الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها الإقليم الكردي اليوم لا معنى لها. فهي تضر بسمعة الحكومة العراقية والدول المتحالفة معها اما الأكراد فإنهم سيحظون بتعاطف عالمي قد يصل فجأة ببعض الدول إلى الاعتراف بحقهم في الانفصال عن العراق وإقامة دولتهم المستقلة.

ما فعله البارزاني بجرأة أنه ورط الأكراد واقعيا بحلمهم وفي الوقت نفسه فإنه ورط العالم بتصويت شعبي لن يتأخر عن الاستجابة لمضامينه.

في حقيقة موقفها فإن بغداد لا تملك ما يمكن أن يؤهلها لمنع قيام تلك الدولة.

فبعد أن جرى الاستفتاء وقرر الأكراد بموجبه الانفصال عن العراق لم يعد أمام بغداد سوى اعلان الحرب على الإقليم المنفصل وهو ما فعلته.

غير أن القوات العراقية لم تسترجع سوى المناطق المتنازع عليها ولم تسترجع الإقليم. ألا يعني ذلك إعترافا من قبل الحكومة العراقية بما للأكراد من حق في إقامة دولتهم على جزء من الأراضي العراقية؟

فلو تخلى الأكراد عن المناطق المتنازع عليها وفي مقدمتها كركوك لكانت حكومة بغداد أول المهنئين باستقلال كردستان. ولكنه استنتاج خاطئ. ذلك لأن تلك الحكومة لا يمكنها أن تخطو خارج ما هو مرسوم إيرانيا.

بالنسبة لإيران فإن إقامة دولة كردية في العراق يشكل خطرا عليها.

لذلك تولى الحشد الشعبي وهو ميليشيا إيرانية العقيدة والتمويل والولاء مهمة طرد قوات البيشمركة الكردية من المناطق المتنازع عليها. وهي مهمة ليست مؤثرة على مستوى استعراض القوى. ذلك لأن حدود الإقليم ستظل مصانة ولن يتمكن الحشد الشعبي أو القوات العراقية من تخطيها.

بهذا المعنى فإن بغداد لن تتمكن من فرض سيطرتها على الإقليم المتمرد.

غير أن اللجوء إلى الحل العسكري من قبل بغداد سيكون مفيدا بالنسبة للأكراد، من خلاله سيعرضون قضيتهم على العالم باعتبارهم شعبا يتعرض للإبادة.

لذلك يمكن القول إن كل ما يحدث في العراق يمهد لقيام دولة كردية.