تحولات المواجهة مع الإرهاب المعاصر.. مصر أنموذجا

بينما يترقب المصريون لاسيما أولياء أمور التلاميذ المنكوبين بالذهاب يوميا إلى مدارس طارق شوقي المشغول بالمدارس اليابانية ومشكلته النفسية المزمنة مع كليات التربية الرصينة، وقراراته اليومية التي لا تنتهي بحذف هذا وتعديل ذاك وتغيير هذه، وغير ذلك من لمساته التعليمية غير التخصصية التي لن تنتهي إلا بقرار إقالته، فجع الشعب المصري بأخبار وفدت من خلال الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي مفادها استشهاد عدد من رجال الشرطة المصرية البواسل في منطقة الواحات البحرية على أيدي حفنة من الإرهابيين المتآمرين على مصر وشعبها، في الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى التعافي الاقتصادي والأمني والرياضي أيضا. لكن هذه هي الحقيقة المرة: استشهاد ضباط وجنود مصريين وهم يؤدون ملحمة رائعة لخدمة الوطن أقل ما ينبغي أن يطلق عليها ملحمة العيون الساهرة، في الوقت الذي يهرع فيه كثير من الشباب الباهت الكسول إلى المقاهي لمتابعة إحداثيات ومشاهد خائبة كمباريات الدوري الإسباني التي لا تعنينا، أو مسابقات الأصوات الضعيفة وبمصر كوكب الشرق والعندليب.

لكن هذا هو قدر العظيمة مصر التي تأبى أن تتقوض أو تتراجع عن خطتها في الإعمار والتمكين والاعتلاء، وبرغم كل محاولات المنظمات الخارجية والطوائف المارقة المهاجرة خارج حدود الوطن من أجل الترويج للعنف والتطرف والإرهاب حتى صارت الكلمة أشهر في مصر من كلمات أخرى، وأصبح شعار مصر تتحدى الإرهاب هو الشعار الأبرز في وسائط التواصل الاجتماعي الإلكتروني.

وثمة شعارات ونداءات كثيرة تداولناها جميعا منذ سنوات بعيدة لكن حوادث الإرهاب نفسها لم تكن بمثل هذه الضراوة والشراسة التي نشهدها، لدرجة أن الإرهاب استحال سمتا مميزا لأيامنا الراهنة ليس فقط على مستوى الوطن الكبير بل في المدرسة والجامعة والشارع والنادي وداخل الأسرة الواحدة، وأحيانا أخرى بين المرء ونفسه.

وبعيدا عن كافة التصريحات التي أعقبت الحادثة الخبيثة التي استشهد من خلالها رجالنا البواسل الأبطال مثل تصريح اللواء يحيى كدواني، وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب المصري، إن اللجنة ستتحرك لمواجهة الإرهاب من خلال السرعة في الانتهاء من قوانين مكافحة الإرهاب والتطرف، لردع الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تترعرع فى محافظات مصر، وأضاف وكيل لجنة الدفاع في تصريحه لجريدة اليوم السابع القاهرية أن اللجنة ستبحث مع المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب الذى شكله الرئيس السيسي خلال الفترة الماضية، لبحث طرق مواجهة الجماعات المتطرفة، ودعوة جميع الجهات المعنية لبحث الطرق العاجلة لمكافحة التطرف في البلاد لأن التحرك لا يحتاج إلى تصريحات صحافية أو عدسات فضائية بل يحتاج إلى مدفع وأباتشي وبندقة ودبابة ومروحيات قاتلة فإن هذه الحادثة تؤكد إن التطرف الذي كان نظريا وبمنأى بعض الشئ عن الأراضي المصرية ويظهر بين الحين والحين على استحياء، استحال اليوم وحشا كاسرا لا يمكن التعامل معه بنفس الإحداثيات البليدة التي لا تخرج عن كنف الفلسفات والنظريات التي لا وجود لها إلا بأرفف مكتبة الإسكندرية فقط.

إن الإرهاب اليوم في مصر صار أكبر من إنشاء هيئة أو لجنة أو فريق تعاوني يجتمع ليطرح سبلا وطرائق ورقية ونظرية تبدو باهتة وبليدة لمواجهة هذا الخطر الذي صال وجال ولم يعد فزاعة نخاف من اسمها لكن اليوم صارت موجودة بيننا دون أية محاولة جادة لمواجهتها.

إن سقوط شهداء الوطن الأبرار من رجال القوات المسلحة البواسل ومن رجال الشرطة لهو أمر يدعو أولا للحزن الشديد، ويفجر لدينا أسئلة شائكة لن تنتهي إلا بتقويض كافة العناصر الإرهابية، وسواء استطعنا هذا في وقت سريع فإن علينا توجيه تلك الأسئلة الشائكة لأولي الأمر أو للقائمين على تتبع هؤلاء الخارجين على القانون والوطن معا.

كيف لحفنة من المارقين والموتورين أن يهرعوا بعيدا عن العاصمة والمناطق العامرة بالسكان صوب الصحراء دون تتبع عمليات المراقبة من أجل التربص بهم لاسيما وأن ثمة معلومات أكدت توافد ونزوح مجموعات متطرفة إلى منطقة الواحات؟

وإذا كان الأمر بالفعل هو ملاحقة الإرهابيين الذين يلتحفوا تارة باسم الدين، وتارة أخرى باسم الشرعية، ومرات كثيرة باسم الدولة الإسلامية المأجورة، فماذا عن الإرهاب كقضية أولى بالقضاء عليها وقتلها ووأدها في مهدها بدلا من التغلل الخبيث في أواصل الجسد المصري ونسيجه؟

إنني أخشى أن تنطبق علينا مقولة بول ريكور القائلة بأن الحاضر ينفلت منا، لأن ما يحدث اليوم من توتر بالمشهد المصري وبدء بزوغ ملامح داعشية وظهور التطرف الديني بأنيابه من جديد لا يستحق منا أن نتعقبه بالفلسفة التي باتت عقيمة ولم يعد من المنطق الأرسطي الرتيب أن نعيد النقاش حول العلاقة بين الدين والسياسة، بل الواجب هنا هو التصدي الشرس بغير رحمة لأية محاولات تسعى لزعزعة الاستقرار بالأرض المصرية.

وأنا كغيري من المصريين الذين يتابعون كافة وسائل الإعلام المقروء والإلكتروني والفضائي، وكم كنت حزينا وأنا أتابع الأخبار التي نجمت عن المواجهة الأخيرة الشرسة بين رجال الشرطة المصرية وبعض الإرهابيين بالواحات، فلقد شهدت منطقة الواحات البحرية بمحافظة الجيزة، ملحمة بطولية جديدة لرجال الشرطة إثر تصديهم لعناصر إرهابية، كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية ضخمة خلال الفترة المقبلة. وربما الذي هدأ من روع الخاطر وفجاعة الحادثة بعض الوقت ما أكده رجال الشرطة أنفسهم بأن الأعمال الإرهابية الجبانة لن تزيدهم إلا إصرارا، وأنهم مستمرون في تقديم الغالي والنفيس من أجل هذا الوطن العظيم وشعبه الكريم.

وأوضح رجال الشرطة، أنهم لا يهابون الموت، وأن رتبة "شهيد" هي الرتبة الأعظم في جهاز الشرطة التي يسعون جميعا للحصول عليها، وأنهم على أتم الاستعداد على تقديم النفس فداء للوطن دون أن يصاب مواطن مصري بمكروه، مؤمنين برسالتهم في حفظ الأمن.

وربما يبدو طرحي النظري هنا غير متوافق مع المشهد الثقافي الذي أنتمي إليه، لكن بات اليوم مواجهة الإرهاب بنفس القدر من القسوة والابتعاد عن أكاذيب حقوق الإنسان والرأي العالمي وضرورة إجراء الحوار وحتمية النقاش لتعرف الأسباب، فلقد أكد المشهد المصري الراهن أن التراخي في التعامل مع الفكر المتطرف يؤدي بنا إلى حصد أرواح جديدة لأبنائنا وإخواننا من رجال الجيش والشرطة، وهو الأمر الذي تسعى إليه طوائف كارهة لمصر ونظامها السياسي.

لذلك فإن مواجهة أية تيارات متطرفة سرعان ما ستتحول إلى إرهاب جسدي يجب أن تكون بالقوة واستخدام كافة الأسلحة من أجل أن يرتدع كل حاقد على هذا الوطن العظيم. وكم هو غريب أن الذين يبحثون عن الجنة في مصر عن طريق قتل رجال القوات المسلحة والشرطة المصرية، وكان عليهم من باب أولى التوجه إلى مكانين في العالم لا ثالث لهما، إسرائيل الصهيونية، وأهل الروهينجا الذين يقتلون كل ثانية ولا أحد ينقذهم. أما أولئك الذين طمعوا في سماحة مصر وكانوا أداة بل وفريسة سهلة القنص لتيارات ومنظمات عالمية لترويع المواطنين والترويج للفوضى في مصر المحروسة.

تبا لك أيتها الفلسفة حينما نهرع إليك ونلجأ من أجل الجلوس على مائدة مفاوضات مع أولئك الإرهابيين. وتبا لك أيتها الفلسفة حينما نرى دماء شهدائنا بعدسة التأويل ونظريات التلقي السلبية دونما حراك. وتبا لك أيتها الفلسفة العقيمة التي نتجرع سمومها في قاعات الدرس ونسعى لتطبيقها ببلادة الفلاسفة أنفسهم ونحن نواجه إرهابا قذرا.

إن البيت المصري والمدرسة والجامعة والفضائيات والشارع وأغاني المهرجانات أيضا وملاعب الكرة وبعض الصحف الصفراء والمواقع الإلكترونية المشبوهة فكرا وعقيدة، جميعها صارت مرتعا خصبا لرعاية الإرهاب والتطرف وأن الرقابة باتت ضعيفة جدا، وأن أية محاولة قديمة ومعتادة ومسكينة من الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف التي لا أفطن دورا لها في مصر منذ الانتفاضة الشعبية في يناير 2011 لمواجهة الإرهاب لا تفي ولا تكفي، المواجهة هي التصدي بشراسة وقوة مع الإغفال التام لأية تصريحات وشعارات كاذبة تصدر لنا من وكالات الأنباء العالمية ومنظمات حقوق الإنسان الصهيونية التمويل وهؤلاء الجالسين شماتة في مصر والمصريين خارج الوطن لأنهم بالفعل كاذبون جميعا لا يهمهم من الوطن شيئا.