دمُ القسّ.. فى رقبة هذا الرجل

عدم المساواة بين الدماء يُشجع على القتل

أعدتُ عليه السؤالَ ثلاثًا. ثم أعدتُه للمرة الثالثة بعد المائة. وفى الحقيقة كان السؤالُ نحيلاً تافهًا! لا يتصوّر عقلٌ أن الحصولَ على إجابة له سوف يستغرق نصفَ حلقةٍ تليفزيونية، مدّتُها ساعتان!

السؤال: «هل دمُ البشرِ سواء؟» يعنى بالبلدى كده: «هل فيه دم غالى ودم رخيص؟» يعنى: «هل فيه دم سوبر هدره يجيب إعدام، ودم تانى أى كلام هدره يتدفع فيه دِِيَة، يعنى شوية فلوس لأهله، وشكرًا؟».

سؤالٌ كما ترون جِدُّ بسيط. لا يحتملُ إلا: «نعم»، أو «لا». ثم إنه سؤالٌ ساذجٌ. ذاك أنك لو سألته لطفل، لم تُلوَّث فطرتُه الإنسانيةُ بعد، لن يحتاج إلى لحظة تفكير ليقول: «نعم» صريحةً ناصعةً. «نعم، دمُ البشر سواء!» ثم إنه سؤالٌ مضحكٌ. إنْ تجاسرتَ وسألته لأى إنسان عاقل فى أى بقعة من بقاع الكون، سيسخرُ من مجرد فكرة أن يخطر سؤالٌ كهذا على بالك! ربما ينعتك بالجنون لأنك سمحتَ لعقلك أن يشطح ويتخيّل أن دماء البشر قد سار لها تسعيرةٌ وفق المعتقد أو المذهب أو الحزب أو وفق الطبقة الاجتماعية أو المستوى العلمى.. أو وفق الهوى. سيقول لك «نعم»، ثم يُكمل يومَه ضاحكًا من عبث الفكرة. فأمام الطبيعة يتساوى للأسف دمُ «غاندى» مع دم «وحش الأندير»، سفّاح النساء والصبايا. وأمام القانون، يتكافأ للأسف دمُ آينشتين مع دم القرضاوى، مثلا. وأمام الإنسانية، دمُ العظيم مكتشف البنسلين متساوٍ مع دم أصغر نشال مَحافظ فى أتوبيس نقل عام. وأمام السماء الدمُ كلُّه حرامٌ.

هو سؤال بديهىّ. لا يحتاجُ إلا فطرةً سليمة لتجيب عنه. لو أنك سألته لأى مسلم سويّ يؤمن بالقرآن وآيه الكريمات لن يتردد فى أن يقول تلك الـ«نعم» الصريحةَ الناصعةَ، دون الرجوع إلى شيخ الزاوية. لأن ذلك المسلم السوىّ يعلم أن الله حرّم قتل أىّ «نفس»، دون تحديد أو تمييز أو تفضيل؛ حين قال: «وكتَبنا عليهم فيها أنَّ النفسَ بالنفس»، ثم «مَن قتلَ نفسًا بغير نفس أو فسادٍ فى الأرض، فكأنما قتلَ الناسَ جميعًا، ومَن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا»، من الآيتين ٤٥، ٣٢ من سورة المائدة. ولو سألت يهوديًّا أو مسيحيًّا أو بهائيًّا أو هندوسيًّا أو بوذيًّا أو طاويًّا أو كونفشيوسيًّا أو لا دينيًّا أو ربوبيًّا أو لا أدريًّا أو ملحدًا، سوف تحصل على تلك الـ«نعم» ناصعةً صريحةً لا شكّ فيها، بيضاءَ من كل لبسٍ أو تأويل أو مراوغة.

دمُ البشر سواءٌ أمام الله، وأمام القانون، وأمام الإنسانية، وأمام الأخلاق.

لكن صديقنا الشيخَ الظريف ذا اللحية المُحنّاة يهوى المراوغة. راوغ وحاورَ، وزاغ وناور، لكى يهرب من مواجهة الرأى العام أمام الشاشة. ولكننى صبرتُ وضيّقتُ الخناق. حاورَ فحاورتُ. ناورَ فناورتُ. فأنا أهوى اقتناصَ القنّاصين لكى يكفّوا عن قنص قنصهم الحرام. أعدتُ سؤالى مراتٍ ومرات حتى أجاب الشيخُ بالفاجعة، قائلا: «لا»!! وقفت البشريةُ العاقلةُ فى جانب. ووقف ذلك الشيخ مع نفرٍ قليل يشبهه فى جانب آخر! «لا يتساوى دمُ البشر، فدمُ المسلم يفوق دمَ غير المسلم». هكذا أجابنى الشيخُ قبل شهرين على الهواء. فاستوضحتُه حتى يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود فى كلامه ولكيلا يكون هناك لبسٌ فى قوله أو شكٌّ.

سألتُه: «يعنى لا قصاصَ ثمة، لو قتلَ مسلمٌ مسيحيًّا؟» قال: «نعم. فقط عليه دية. أما لو قُتل مسلمٌ، وجب قتلُ القاتل. لأن دمَ المسلم أعلى وأغلى». فى تلك اللحظة لم أقل إلا: «شكرًا أيها الشيخ! الآن، وعلى الهواء، أقدّمُ ضدّك بلاغًا أمام الرأى العام، فأنت تحرّضُّ المسلمَ على قتل المسيحيّ، دون خوف من عقاب!».

شاهدت صديقتى الجميلة د. نيلى حسن، طبيبةُ الأسنان، تلك الحلقة، فأخبرتنى بأن بلاغى على الهواء ضدّ هذا الشيخ وأضرابه سوف يكون بدايةً لدرس الأخلاق الأعظم: «الحقّ - الخير - الجمال».

لكنّها تعلمُ الآن أنّ ذلك الدرسَ لم يحن أوانُه بعد. لأن بلاغى على الهواء ضاع أدراجَ الهواء! فمازال هذا الشيخُ وذاك يفتى بما أفتى. ومازال المختلّون نفسيًّا ودينيًّا وأخلاقيًّا يصدّقون فتاواهم. ومازال كلُّ من يمتلك سكينًا بخمسة جنيهات يركضُ فى الشوارع يطاردُ المسيحيين بُغية قتلهم الآمن. ومازال مصريون أقباطٌ مثل «القمّص سمعان شحاتة» يسقطون مُضرجين فى دمائهم. ليس لأن هناك مختلين عقليين يجوبون الطرقات، بل لأن شيوخًا مُحرّضين على القتل يملأون السمعَ والبصر والمنابرَ والشاشات. وهذا بلاغٌ جديد على الورق، علّه لا يذهبُ أدراجَ الهواء، كبلاغى السابق على الهواء.

فاطمة ناعوت

نُشر في المصري اليوم