'كأنه حُكم على اللبنانيين أن يحكمهم دائما الجهال'..

مسكين لبنان "كأنه حُكم على اللبنانيين أن يحكمهم دائما الجهال". قالها كمال جنبلاط قبل نصف قرن، ومصطلح "جهّال" يعني عند العرب "الأولاد الذين لا يُحسنون التصرف" ولا يُحسنون "اللياقة"، فكيف اذا كانوا جُهالا وأغبياء لا يُجيدون قراءة التاريخ ويعتقدون ان التاريخ بدأ ساعة إمتهانهم السياسة.

فيا هؤلاء، لا أحد غير الأغبياء بإمكانه مسح او محو التاريخ. لا يعني ذلك العيش على أمجاد الماضي، بل أخذ العبر والتعلم منها وحتى لا يقع في "الحفرة" مرة أخرى.

مهلا يا سادة فمن يتوهم ان ممحاته قادرة ان تشطب او تُلغي تاريخ بلد بناه الكبار فهو واهم، وأقزام السياسة وحدهم يعتقدون انهم عندما "ينفشون" ريشهم يصبحون عظماء وجبابرة. السنبلة الفارغة تصح "علفا" ولكن لا تُشبع ولا تسدّ جوعا خاصة اذا كان جوعا ثأريا وسياسيا.

ولا بد من توجيه التحية للقوات الللبنانية وللدكتور سمير جعجع الذي يعتبر مصالحة الجبل مقدسة وتاريخبة واهم ما حصل آخر 50 عاما. والمكان الوحيد الذي حصلت فيه مصالحة حقيقة في الجبل وبمبادة من الموحدين الدروز والمسيحيين تحت مظلة كبيرة هي البطريرك صفير ونحن متمسكون بالمصالحة حتى النهاية. ونحن بدورنا ننتظر أصواتا مسيحية معتدلة اخرى للتأكيد غلى ضرورة حماية المصالحة.. وسننتظر!

فيا هؤلاء إعرفوا انفسكم وتواضعوا قليلا. الشعبوية لا تبني وطنا سليما ومعافى، فكيف اذا كانت شعبوية طائفية. لو كنتم تقرؤون لعرفتم ان الشعبوية الطائفية التي شهدها لبنان عام 1968، مع الحلف الثلاثي الطائفي، هي ما أوصل لبنان الى الحرب الأهلية عام 1975. يومها استعملوا السيدة العذراء للتجييش الطائفي، والخطيب المفوّه لويس ابو شرف خاطب الجماهير وقتها محذرا من استبدال تمثال العذراء بتمثال جمال عبدالناصر. وجعلوا "السيدة" تستدير صوب زعيم "الحلف" وكانوا يرشحونها دما خوفا على مصير المسحيين! والعبارة "الكسروانية" الشهيرة كانت يومها: "اللي ما بيصوّت للحلف مش مسيحي"!

ما أشبه اليوم بالأمس. عاد الخطاب الطائفي بابشع صوره، "الشمّاعة" اليوم مصالحة الجبل التي أرساها الكاردينال صفير ووليد جنبلاط ثم باركها البطريرك الراعي، و"شمّاعة" عودة الحق "لأصحابه المسيحيين". ورفعوا شعار: "اللي ما بيصوّت "للتيار" ليس مسيحيا"! واستبدلوا صورة جمال عبدالناصر بصورة وليد جنبلاط. غريب أمرهم، تغيرت أسماء المحرضين الطائفيين ولم تتغير العقلية الجهنمية.. فهل يُحضّرون لـ75 جديد؟

في انتخابات 1968 النيابية استقدم "الحلف الثلاثي" خمسة آلاف راهبة من مصر وقبرص للتصويت لصالح "الحلف" وهذا ما فضحه كمال جنبلاط في مؤتمر صحافي، والتقينا فعلا ببعض الراهبات في قرى الجبل.

اليوم، يستجدون المغتربين المسيحيين في العالم للإقتراع لصالح الحلف بنسخته المتجددة "التيار الوطني الحر". الفارق اليوم ان وزير خارجية "التيار والعهد" هو الذي يقوم بجولات انتخابية في المغتربات ويحيي المهرجانات الإنتخابية باسم الحكومة وباسم تيار العهد، والمصاريف كلها على حساب الحكومة. نسأل الحكومة الموقّرة ونسأل كل أعضائها دون استثاء احد، اليس هذا هدرا وفسادا؟ وهل يحق لوزير آخر القيام بجولات انتخابية على حساب الحكومة وباسم مرجعيته السياسية؟ على نوابنا مساءلة الوزير في المجلس النيابي، وعلى وزرائنا في الحكومة إما تسجيل اعتراض علني داخل الحكومة او المطالبة المعاملة بالمثل.

وأخيرا، كنا لنهدي هؤلاء كتاب "أدب الحياة" وفيه أدب السياسة وأدب المخاطبة وأدب الكلام وأدب السلوك وأدب الحياء و.. لكن مشكلتهم انهم "لا يقرأون" وان قرأوا لا يفهمون أو لا يريدون أن يفهموا. نكأ الجراح وإحياء الأحقاد وإعمال السكين في الجروح القديمة سيرتد عليهم. وبم نُستدرج الى فتنة الطارئين على السياسة.