النيل ونبوءة الحكيم آبور

الفانتازيا أكسبت العمل بعدا جماليا

رواية نيلية قصيرة، بطلها الرئيسي هو نهر النيل الخالد الحزين الذي يشكو من تصرفات المصريين، ويحاول الفرعون جاهدا إعادة البسمة للماء وللنهر عن طريق إزالة التعديات ومعاقبة من يلوث النهر ويرمي فيه بجثث الحيوانات النافقة والنفايات والمخلفات البشرية، فهل ينجح الفرعون في تلك المهمة؟

إنها أجواء رواية "نبوءة الحكيم آبور" للكاتب السيد نجم التي صدرت عن "روايات الهلال التاريخية" سلسلة تاريخ مصر، بمقدمة للكاتب محمد الشافعي رئيس التحرير، الذي تحدث عن النيل هبة المصريين.

وقد تعددت الروايات العربية والأجنبية المكتوبة عن النيل أو باسم النيل ومنها "حياة على النيل" للكاتبة الإنجليزية جانيس اليوت، وهي تحكي مأساة امرأة إنجليزية أحبت مصر والمصريين .. فقتلها الإنجليز، ورواية "جريمة على نهر النيل" أو "موتٌ فوق النيل" للكاتبة المعروفة أجاثا كريستي. و"ثرثرة فوق النيل" لنجيب محفوظ، وغيرها.

وما يميز رواية السيد نجم القصيرة هو هذا الإسقاط من الماضي على الحاضر الذي نعيشه ونحياه جميعا، "حيث الإسقاط تأليف عمل أدبيّ يتناول أحداثًا ماضية وتضمينه رموزًا تدلّ على إرادة الحاضر". فالفرعون يستيقظ من غفوته طالبا من حاشيته أن يأتوه بالكاتب الشاب آبور الذي ينشر بين الناس كلاما يدل على فساد نهر النيل وتلوثه وعدم صلاحية مياهه للشرب والحياة، الأمر الذي يؤدي إلى انشتار نوع من الفوضى والرعب بين الناس، وهو ما لا يرضاه الفرعون لبلاده خاصة أن هناك العديد من التهديدات من داخل الدولة وخارجها.

لم يقتنع الفرعون بكلمات الدعاء التي يقولها الكاهن في صلاته مثل: "يا أيها النيل العظيم لا تغضب منا لو كان خطأ البعض فينا .. خطأ عظيم البلاء، شديد الضرر عليك، اغفر له وسامحه من أجلنا ومن أجل كل الكائنات من حولك على الضفتين، بل ومن أجل أولادنا وأحفادنا من بعدنا".

ويحاول نخنوخ (كبير الحرس) الاختباء أو الاختفاء من المشهد حتى لا يطلب منه الفرعون اتخاذ إجراء ما لا يعرف كيف ينفذه، وعندما يطلب الملك منه الكلام يقترح القبض على هذا الشاب وإحضاره مقيد القدمين والذراعين، ومن خلال السرد نكتشف أن الملك يفكر في أمر آخر وهو إحضار هذا الشاب لمعرفة التفاصيل التي لا يعرفها سواه خاصة من هم يعيشون داخل القصر الملكي ولا يلتحمون بالناس ولا يصادقون النيل مصادقة حميمة.

إن هذا الشاب الكاتب حامل القلم هو ضمير الشعب الحي، يقول عنه الفرعون: "كلما غفوت في النهار أو في الليل يجئ لي ذلك الشاب القوي، وآراه يحمل قلما، ليقول لي: "احترس، النهر غاضب، إنهم يسيئون إليه، بل آراهم يستعدون لسرقة مياهه!".

ولا يعتمد الفرعون على حاشيته والقريبين منه، بل يبدل ملابسه ويرتدي ملابس رجال شعبه البسطاء، وينزل إلى الأسواق لملاقاة هذا الشاب، بلا حراس ولا عربة ملكية ولا صولجان أو تاج فوق الرأس.

ويصور لنا الكاتب كيف صُدم الفرعون من حالة البؤس والفقر التي وصل إليه شعبه، هذا الشعب الذي يقدم فروض الطاعة والولاء وإظهار السعادة عند مرور الموكب الملكي. ولكنه يراه الآن على طبيعته بعيدا العربات والخيول والحرس حاملي الرماح الذين يعدون عن اليمين والشمال يحرسون الفرعون وموكبه.

هذه المفارقة العجيبة زلزلت أعماق الفرعون، ونجح الكاتب في رصدها وتوظيفها متخذا من أسلوب الأضداد الوصفي سبيلا لتبيان الحقيقة، فبضدها تتميز الأشياء، كما قال أبوالطيب المتنبي.

وبعد طول تجوال وسؤال يلتقي الملكُ الشابَ ضمير الشعب في مجلسه بالسوق ويدور حوار بينهما، ويظن الشاب أن هذا الرجل غريب عن البلاد أو قادم من بلاد بعيدة لأنه لا يعرف أحوال البلاد والعباد، فيكشف له الفرعون عن نفسه قائلا: "إذن فلتعلم أنني الفرعون، وسؤالي عن نبوءتك بجفاف النهر، تلك النبوءة التي لا تجعلني أغفل ولا أنام".

فيكاشفه الشاب الحكيم بقوله إن هناك من يمهد لسرقة مجرى النهر، ويعودان معا الى قصر الفرعون للتفكير في إيجاد حل لإنقاذ نهر النيل.

ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تظهر في مشهد فانتازي عرائس النيل أو حوريات النهر، اللواتي كن يُلقى بهن في نهر النيل في احتفال سنوي ليبارك الله في مياه النهر: "نحن القربان السنوي يا سيدي الفرعون .. هل نسيت؟" ثم تخاطبه إحداهن بلهجة متحدية لم يتعود عليها الملك قائلة: أنت الفرعون المسئول عما يهدد حياتنا، فأنت مَنْ يبجلك الجميع، الكل تحت طاعتك، وبكلمة منك تسقط الدور وتتهدم، وتُقطع الرقاب، وتُلقى الرؤوس في النهر.

ويعد الملك بأنه لن يهمل النهر ولا شعبه بعد الآن. ولكن كيف يتم له ذلك؟

إنه لا يزال يشم الروائح العفنة التي لم يكن يشمها من قبل، بل أن هناك ظلمة تكسو المدينة: "أيها الحاكم الفرعون، ما سر تلك الظلمة التي بلا مثيل، لم تكن أبدا مدينتك هكذا مظلمة؟".

لم تجد الحوريات حلولا جذرية لمشكلة النهر، وتمضي الأيام والليالي وتزيد رائحة جيفة الحيوانات النافقة ورؤوس بعض الناس من رعايا الفرعون، زادت النفايات ومخلفات المدينة الملقاة في النهر، ضجت الحوريات، وقررن مواجهة الفرعون وشعبه. وقالت زعيمتهن: هذا ما جنته أفعالكم في مياه النهر. هؤلاء النسوة اللاتي يغسلن الملابس المتسخة والملوثة بمخلفاتهن ومخلفات رجالهن وأطفالهن، هؤلاء الفلاحون الذن يلقون بأوساخ بيوتهم وحقولهم في النهر، هؤلاء الصبية والأطفال الذين يحملون من مياه النهر ويلقون بها في الرمال بغير حاجة.

وعندما يلاحظن غضبة الملك، تحذره إحدى الحوريات بقولها: الغضب وحده لا يكفي، نحن لا يكفينا رقبتك، لعل الفرعون الجديد يقوم على حمايتنا وحماية مياه النهر، من رعاياه الغافلين أكثر منك!

ويتضح للقارئ بعد ذلك أن كل ما تحدثت به حوريات النهر وما أظهرنه من غضب وتحدٍّ، لم يكن إلا كابوسا مزعجا رآه الفرعون في منامه، كان أشبه بالإنذار كي يعلن الفرعون الحرب على كل معتد على النهر وحورياته.

لغة الرواية سواء في السرد أو الحوار أو الوصف بسيطة جدا تناسب سن الشباب، وكأنها موجهة لهم، بها الكثير من التحذير والوعيد، ولكنها تكشف عن مشاعر إيجابية لدى الفرعون تجاه أهم قضايا البلاد، ولكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى مساعدة حقيقية لحل الأزمة، وليس لكلمات المدح والثناء و"كله تمام"، وهي لغة استطاع الكاتب أن يستحضر عن طريقها الأجواء الفرعونية المعروفة في القصص الفرعوني المتداول.

وعلى الرغم من قلة الشخصيات الرئيسية إلا أنها تعبر عن تراتب الشعب المصري ما بين الفقير ومتوسط الدخل والغني، وأكسبت الفانتازيا العمل بعدا جماليا يؤكد حرفية الكاتب في محاولة إثراء موضوعه.