عبد الرازق.. الانشقاق الأول عن الخلافة

شرارة التغيير والرغبة المبكرة في الإصلاح

بطل قصة الانشقاق الأول في التاريخ الإسلامي المعاصر للمدرسة الدينية التقليدية هو علي حسن أحمد محمد عبدالرازق، (الشيخ مواليد البهنسا، أبو جرج، محافظة المنيا، سنة 1888، وتوفي بالقاهرة، في 23 سبتمبر (أيلول) 1966)، الذي درس في الأزهر من جهة وفي الجامعة المصرية، مما منحه روافد مغايرة لمجايليه من المعاصرين. أخذ شهادة العالمية من الأزهر سنة 1912، ثم سافر إلى إنجلترا ودرس في جامعة أوكسفورد السياسة والاقتصاد، ورجع إلى مصر بعدما قامت الحرب العالمية الأولى.

ومع دراسته في بريطانيا فإنه اختار أن يشتغل في السلك الديني، وهو ما يقودنا إلى تلمس شرارة التغيير والرغبة المبكرة في الإصلاح حيث لم يعمد إلى وظيفة مدنية قد تبوئه منصباً عالياً في الدولة، بل اختار القضاء في المحاكم الشرعية، وفي الوقت ذاته قرر أن يخوض العمل السياسي مبكراً، فدخل في عضوية مجلس النواب والشيوخ وعُين لاحقاً وزيرًا للأوقاف، كما كان عضواً في المجمع اللغوي وهو ما يعكس شخصية موسوعية من الطراز الرفيع تكاد تتلاشى اليوم إلا من أفراد قلائل جداً. كان عضوًا في المجمع اللغوي، ولم يقتصر صاحبنا على المؤلفات الدينية كغالب علماء عصره، بل له أطروحات في الأدب والفلسفة والمنطق.

لماذا عبد الرازق؟

بقراءة متعمقة لرسالة "الإسلام وأصول الحكم" والردود التي توالت عليها تباعاً، يبدو أن الخلاف على تأثير الكتاب السياسي أكبر من مناقشة مضامينه الفكرية والدينية، لا سيما وأن ثمة عدداً من الشواهد والدلالات تؤكد أن تلقي الكتاب كان سلبياً لعوامل مصاحبة بعيداً عن فكرة الكتاب، حيث تم وصفه "بالمصادرة" وبالتجني على التاريخ الإٍسلامي، ليستقر الرأي على أن الكتاب ليس من تأليف الشيخ، وإنما وضع اسمه لإحراج العلماء الشرعيين، وأن من كتبه هو الأديب المصري طه حسين، وأن ثمة تشابهاً بين أسلوبه وبين أسلوب كتابه الآخر الذي لا يقل شهرة في المجال الأدبي "في الشعر الجاهلي"، ولاحقاً قبيل وفاة المؤلف نسجت الكثير من الأقاويل كما هو الحال مع حالات سجال سابقة في طول وعرض التاريخ الإسلامي، بأن المؤلف قد أعلن توبته قبيل وفاته وتراجعه عن كل أفكاره.

فكرة تقدمية

رسالة/ مانفيستو "الإسلام وأصول الحكم" بدت حين أطلقها الشيخ علي عبدالرازق، الأزهري المعمم والمفكر الذي نهل من الثقافة الغربية، أقرب إلى صرخة ليبرالية متقدمة للإصلاحيين الإسلاميين، كان لها أثر مدوٍّ أكثر من كل الدعوات المشابهة التي يمكن أن لا تخطئها العين في فكر الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وربما تجاوزاه في حدود الفكرة القصوى بضرورة الأخذ بالسياقات الفكرية للحضارة الغربية دون اقتباس منتجاتها فحسب، لكن تأثير عبدالرازق جاء بسبب عوامل أخرى ليس أولها انحداره من أسرة شرعية عريقة، بل بسبب أيضاً علاقته بالإقطاع وحزب الملاك العقاريين "الأحرار الدستوريين".

الضجة الكبيرة التي أحدثها الكتاب لم تكن من أجل محتواه أو مضمونه أو حداثة الاستنباط حول دنيوية السياسة في التصور الإسلامي للحكم، بل لأنه جاء من أزهري شرعن لليبرالية المصرية الحديثة، بل وانتسب هو وشقيقه الشيخ مصطفى عبدالرازق إلى مجموعة ليبرالية ضمت عدداً من العلامات البارزة في تاريخ الليبرالية المصرية، منهم: محمود عزمي، عزيز ميرهم، د. منصور فهمي، د. محمد حسين هيكل وغيرهم.

ردود صاخبة

لم يلتفت الوسط الإسلامي الجريح بسقوط الخلافة إلى مضمون الرسالة، بل ركزوا على شخص الشيخ عبدالرازق متهمين إياه بتهم تجاوزت الانتساب إلى محاولة السعي إلى إسقاط الملكية، وهذا ما استبطنه حزب الوفد الذي نشر في أحد ردوده على الرسالة قائلاً: "وملك مصر (أعز الله دولته) وما يضيره ألا يكون خليفة وهو أول ملك عرفه الإسلام في مصر ملكاً دستورياً ينصر العلم والعلماء، ويؤيد في بلده مبادئ الحرية".

واجه المؤلف سيلاً عارماً من الانتقادات التي بلغت حد الاتهام بأنه يريد دولة لا دينية في مصر، كما قال الشيخ محمد شاكر، الوكيل السابق للأزهر (ت 1939) وأنه ثائر على الحكومة وخارج عن أنظمتها، مما جعل الشيخ يرد عليه بمقال مطول في جريدة السياسة.

ونلحظ هنا دخول أطراف متعددة دينية وسياسية ومجتمعية في السجال بين الشيخ وخصومه، ولما عزمت هيئة كبار العلماء بالأزهر على محاكمة الشيخ علي عبدالرازق على كتابه، كتب محمد حسين هيكل مقالاً يسخر من المحاكمة جاء فيه: "ماذا تقول في عالم من علماء الإسلام يريد ألا يكون للمسلمين خليفة، في وقت يطمع فيه كل ملك من ملوك المسلمين، وكل أمير من أمرائهم في أن يكون خليفة؟".

تردد علماء الأزهر كثيراً، ويرجع الباحثون هذا التردد إلى انتظار موقف القصر الذي كان مشغولاً بإعادة تقديم نفسه وفق شرعية الملك والخلافة، لكن الشيخ رشيد رضا على الرغم من جوانب التنوير في شخصه، لم يستطع تحمل صدمة رسالة الشيخ، فكتب محذراً من عواقب انتشار فكرة الشيخ علي عبدالرازق، فكتب مقالاً شديد اللهجة ختمه بنصيحة إلى علماء الأزهر يحذرهم من مغبة السكوت قائلاً: "لا يجوز لمشيخة الأزهر أن تسكت عن هذا الكتاب؛ لئلا يقول الشيخ وأنصاره: إن سكوتهم عنه إجازة له أو عجز عن الرد عليه".

الأزهريون الليبراليون

كانت رسالة "الإسلام وأصول الحكم" تعبر عن فكر هؤلاء الشبان الأزهريين الذين لديهم توجهات ليبرالية "الأزهريون الليبراليون" وقد أصدروا مجلة تبحث قضايا التجديد في فهم الدين والحياة أطلقوا عليها مجلة "السفور"، ثم لاحقاً قرروا إنشاء حزب سياسي يعبر عنهم، تم الاتفاق بعد عدة مداولات على تسميته بـ""الحزب الديمقراطي"، وتم عقد الاجتماع التأسيسي في منزل آل عبدالرازق، وأصدر برنامجاً أسمى لقانون الحزب جاء فيه: "تفويض الشعب سلطته إلى هيئة نيابية تنتخب على أكمل وجه، ويكون من اختصاصها التشريع وفرض الضرائب ومحاسبة الحكومة المسؤولة أمامها– توحيد التشريع في حدود مصر وتعميم تطبيقه على كل من يسكن البلاد، بمعنى إخضاع الأجانب للتشريع المصري– وأن يكون التشريع وضعياً ومدنياً ويكفل حقوق المسلمين والمسيحيين معاً- وترقية الطبقات العاملة أدبياً ومادياً وإعانة من لا يستطيع العمل.

الفكرة الأساسية

فجر الكتاب أسئلة مدوية في علاقة الديني بالسياسي في العهد المبكر للإسلام، أو المرحلة التأسيسية التي يرى علي عبدالرازق أنها قدمت لاحقاً مسلمات عقائدية وفقهية، لم تختبر بمسبار النقد بسبب القداسة التي تحولت فيها مسألة الحكم والخلافة والدولة كشأن دنيوي اجتهادي، إلى أن بلغت بفعل الغلو والتوسع في مسألة الإمامة بفضل تأثير النزاع، الاتجاهات الأربعة الرئيسة: الجماعة عند السنة وأهل الحديث، والإمامة التي هي من مسائل الفروع عند الأشاعرة، والإمامة التي بلغت حد الوجوب العقلي عند الشيعة والمعتزلة على اختلاف بينهم؛ هل هو واجب على الناس كما يقول المعتزلة، أم على الله كما يقول الشيعة؟

إلا أن أطروحة علي عبدالرازق خلافاً للتلقي المدرسي من فقهاء عصره، لا سيما من علماء الأزهر، لم تكن مقاربة لهذه الاتجاهات بل قفزاً عليها وفتح آفاق جديدة في المسألة، حيث تساءل علي عبدالرازق عن مستند الخلافة في جذره الأساسي، فهو لم يناقش التفاصيل أو طرائق الاستدلال للآيات والأحاديث التي فيها نص أو إيماءة لموضوع الحكم في الإسلام.

يتساءل علي عبدالرازق: ما هو سند الخلافة؟ هل القرآن؟ أم السنة؟ أم إجماع المسلمين؟ ليؤكد أن القرآن والسنة لم يتعرضا مطلقاً لموضوع الخلافة، كما أن الإجماع في التاريخ الإسلامي لم ينعقد أبداً على خليفة بعد موت النبي، حتى خلافة أبي بكر كانت محل إشكال وخلاف بين كبار الصحابة.

هذه الجرأة في الطرح لم تفزع الوسط الفقهي في مصر فحسب، بل كانت محل صدى لعلماء العالم الإسلامي، والقارئ للرسالة يلمس هذا القلق الذي يعتري المؤلف تجاه فكرته التي يطرحها، حتى إنه وصف كتابه بأنه "قول غير معروف ربما استكرهه سمع المسلم".