أفريقيا.. تواجه ظاهرة الأطفال الجنود

النجاح في تأهيل الأطفال مجدداً يعود إلى الرعاية التي وجدوها من محيطهم بإشراكهم في مهرجانات شعبية وطقوس تقليدية

ثلاثة أغراض يلتف حولها آلاف من النشطاء الأفارقة وعشرات من الهيئات الدولية والمنظمات غير الحكومية، شكلوا حلفا دوليا ثابر على المبادرة خاصة في العشرين سنة الأخيرة، من أجل إعادة الطفولة لأطفال سرقتها منهم الحروب. كانت الانطلاقة الكبرى عام 1996 عندما قدمت جراسا ماشل دراسة غير مسبوقة للأمم المتحدة حول وضع الأطفال في الحروب، كان قد كلفها بها الأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي. الدراسة تبنتها المنظمة الأممية كدليل عمل، وبعدها بعامين قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة وضع معالجة "الأطفال الجنود" على رأس الاهتمامات وكلفت مجلس الأمن بتفعيل آليات لمحاربة الظاهرة.

فقد ظل الجيش الأمريكي إلى غاية ذلك التاريخ يدفع بأطفال في السابعة عشرة ضمن قواته لخوض الحروب خارج البلد. وتعزز الموقف بإصدار الرئيس جورج دبليو بوش في 2008 قانونا وقائيا أمريكيا بعد عام من مؤتمر "أنقذوا الأطفال"، يقضي بوضع قائمة سنوية للدول التي تجند الأطفال في الحروب؛ لحرمانها آليا من المساعدات العسكرية. وبدأ تطبيق هذا القانون مبدئيا في عهد الرئيس باراك أوباما في العام التالي، لكن "العقوبات لم تطبق بشكل كافٍ لاعتبارات تتصل بالأمن القومي الأمريكي.

تحديث قوانين بالسودان

كانت أكبر طفرة في هذا المجال سجلت في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2003، حين انضم السودان إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل، الذي يمنع إشراك الأطفال في الحروب، وصادق عليه في سبتمبر (أيلول) من العام التالي دون أية تحفظات. وأحدثت المصادقة على البروتوكول "ثورة قانونية" في السودان. وصار مرجعا في صياغة كل القوانين والاتفاقيات ذات العلاقة باستخدام السلاح في هذا البلد، وتضمنت اتفاقية "السلام الشاملـ نيفاشا 2005" بندا يمنع تجنيد الأطفال الأقل من (18) عاما، وجاءت بنود مماثلة في اتفاقيتي "سلام دارفور" و"سلام شرق السودان" عام 2006. وحدد الدستور الانتقالي سن التجنيد الرسمي ببلوغ ثمانية عشر عاما كاملة، وتضمنت ذلك أيضا القوانين الخاصة بالقوات المسلحة والشرطة والدفاع الشعبي والوحدات المشتركة المدمجة، وكل المجموعات التي تستخدم السلاح، بما في ذلك الجيش الشعبي لتحرير السودان.

كما سن قانون الطفل في عموم السودان، وآخر خاص بالجنوب، أكدا أيضا السن القانونية للتجنيد في أية قوة مسلحة. وصار القانون في السودان بشطريه متناغما مع القانون الدولي. وجاء في البند (33) من تقرير أممي حول التزام السودان بتطبيق التزاماته بشأن إشراك الأطفال في النزاعات "وقد أعدت حكومة السودان برنامجا لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج للأطفال المجندين أو الذين تم استخدامهم بواسطة القوات والمجموعات المسلحة. فمنذ التوقيع على اتفاقية السلام تم تسريح ما يقارب (2001) طفل من قبل المجلس القومي لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج بدعم من اليونيسيف، استنادا إلى اتفاقية السلام الشامل في جنوب السودان والمناطق الانتقالية الثلاث (أبيي، جنوب كردفان، النيل الأزرق).

التأسيس لتعاون إقليمي

كان من بين أهم الإنجازات التي بادرت بها اليونيسيف وشركاؤها ونجحت فيها، عقد منتدى جهوي في إنجامينا عاصمة تشاد في يونيو (حزيران) 2010، ضم إلى جانب البلد المضيف النيجر ونيجيريا والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى والسودان. وأسس المنتدى لتعاون إقليمي غير مسبوق، بغرض تعزيز الالتزامات الدولية بشأن منع توظيف الأطفال في الصراعات المسلحة، وتسريح المجندين منهم وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في أسرهم ومجتمعاتهم. والتزمت الدول المشاركة بالامتناع عن تجنيد الأطفال دون الثامنة عشرة، وبالعمل معا والتعاون مع المنظمات الدولية لتوفير سيولة المعلومات، وكشف الطرق الملتوية والمتجددة التي تعمل بها الجماعات المسلحة لجلب الأطفال أو لإرغامهم على المشاركة في الحرب. وبتوقيع هذه الدول على ما صار يسمى بيان إنجامينا، "بدأت مرحلة جديدة من العمل الجماعي في أفريقيا لاسترجاع الأطفال طفولتهم التي لطالما انتزعت منهم".

تجاوز حلف المنظمات الدولية معضلة كبرى كانت تعطل عمله، وهي قلة مصادر المعلومات، والظروف شبه السرية التي يتم فيها تجنيد الأطفال سواء كان قسرا أو طواعية. فلقد عمد إلى بناء شبكات نقل المعلومات حول ظروف تجنيد هؤلاء الأطفال وتوظيفهم في النزاعات المسلحة، بغرض التدخل لإنقاذهم وإرجاعهم إلى الحياة العادية في مجتمعاتهم. وانتشرت في العشرين سنة الأخيرة مجموعة من الخلايا والمنظمات غير الحكومية المحلية في عدة دول أفريقية، منها الكونغو الديمقراطية، والكونغو الشعبية، وتشاد، والكاميرون، والسودان، وأوغندا، وكينيا، وليبيريا، وسيراليون، تأسست بمساعدة حلف دولي من منظمات حماية الطفولة، أدت إلى تحسن ظروف التدخل، سواء لتسريح الأطفال المجندين وإعادة إدماجهم في أسرهم أو ضمهم إلى أسر حاضنة أو مراكز إيواء، أو لمنع تجنيد أطفال جدد.

في أفريقيا الوسطى

يُعد أهم انجاز تحقق، مع وجود منظمات متعددة ومتطاحنة، هو ما سجله الحلف الدولي لرعاية الطفولة في أفريقيا الوسطى في مايو (أيار) 2015 حين توصل ـبعد شهور من المفاوضات الشاقةـ إلى توقيع اتفاق مع ثماني منظمات مسلحة، بينها طرفا الصراع الرئيسان "تحالف سيليكا" المتمرد السابق، وميليشيا "أنتي بالاكا"، ويقضي الاتفاق بتسريح جميع الأطفال المجندين في صفوفها مقاتلين أو مستغلين في شؤون أخرى، وعددهم يتراوح بين ستة آلاف وعشرة آلاف طفل، كما تضمن التزاما بالامتناع عن تجنيد أطفال آخرين مستقبلا تحت أي طارئ. إن أهمية هذا الاتفاق لا تكمن فقط في كونه يمكّن هذا العدد الكبير من الأطفال من مغادرة المعسكرات، والعودة إلى الحياة المدنية وعيش طفولتهم، والشروع في بناء المستقبل، ولكن أيضا لأنه شكل انتصارا كبيرا للعمل الإنساني على معوقات موضوعية وذاتية في ذلك البلد. فالأطفال في جمهورية أفريقيا الوسطى يعيشون وضعا معقدا أكثر من غيرهم من أطفال القارة.

نتيجة باهرة في موزمبيق

لا تنتهي مهمة الدول والمنظمات الإنسانية عند المفاوضات وتسريح الأطفال الجنود من العمل المسلح فحسب؛ بل تتعدى ذلك إلى تأهيلهم كي يعودوا إلى الحياة العادية في مراكز عبور يسهر عليها عمال مهمتهم توفير الأجواء الملائمة لدخول الطفل مجددا في الحياة المدنية، كما يحضر نفسانيون وأطباء لضمان سلامتهم وتطوير حالتهم السلوكية. حيثما كانت العناية بهؤلاء الأطفال، وتعامل معهم المحيط على أنهم ضحايا تحققت نتائج جيدة. لكن ثمة مشكلة أخرى تعترض إكمال العملية في كثير من الحالات. إذ يحدث أن يكون هؤلاء الأطفال -وهم جنود- قد ارتكبوا جرائم وفظائع لا تنساها لهم عائلتهم أو عشيرتهم فيصبحوا منبوذين.

أكدت الدراسة التي نشرها المحققون أن "سبب النجاح يعود إلى الرعاية التي وجدوها من محيطهم خاصة بإشراكهم في حلقات ومهرجانات شعبية وطقوس تقليدية، عالجتهم وطهّرتهم مما علق بهم من شوائب، وساعدتهم على تجاوز محنتهم ونسيان تجربتهم مع الحرب". وخلصت الدراسة إلى أن الذي حدث في موزمبيق يمكن أن يتكرر في أي مكان آخر يجد فيه الأطفال الجنود رعاية وتفهم المجتمعات أنهم حالة خاصة وهشة.

المسرح والغناء ضد تجنيد الأطفال

تبلورت أفكار جديدة في السنوات الأخيرة، وتجسدت في طرق مبتكرة لمواجهة ظاهرة إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، من خلال تعبئة الرأي العام في كل البلدان لخطرها، وأبرز هذه الطرق توظيف الأطفال الجنود السابقين لتبليغ الرسالة على طبيعتها، من خلال إنجاز أعمال ثقافية، وتنظيم نشاطات رياضية يكون شعارها محذرا من التورط في العنف الذي يؤذي سلامة المجتمع، وفضح أساليب التعامل مع الأطفال في الميدان من قيادات الجهات التي جندتهم، سواء أكانت جيوشا نظامية أم تنظيمات متمردة. وتشكلت خلال فترة وجيزة فرق مسرحية وأخرى غنائية مهتمة بالأطفال، تمجد في عمومها السلم، وتدعو إلى العمل وطلب العلم والتآخي والتآزر، وتصور مآسي الحرب والضياع الذي يهدد المحاربين.

أنتجت عشرات الأفلام في السنوات الأخيرة من مخرجين أفارقة وأوروبيين على أساس روايات أو كتب سيرة ألفها جنود أطفال سابقون أو ذووهم. وكانت أكثر المسرحيات التي تناولت الموضوع شهرة في أفريقيا، تلك التي ألّفتها الكاتبة سوزان ليبو عام 2006 "صوت العظام تتهشم"، بعد لقاءات كثيرة مع أطفال جنود سابقين في شمال جمهورية الكونغو الديمقراطية، سجلت فيها حياتهم ومعاناتهم وهول المعارك والخوف والقهر المتبادل، وتحول بعضهم بفضل هذا الإنجاز إلى ممثلين. ولقد عرضت هذه المسرحية مئات المرات في الكونغو والجوار وفي أوروبا أيضا، وشاهدها جمهور واسع وفي كثير من الأحيان تبع العرض مناقشات بين الحضور حول الحرب والسلم ووضع الطفل فيهما.