إقليم كردستان العراق.. السلفية الحزبية

السلفية الحركية نفسها أمام سلسلة من المواقف المحرجة

تارة یرجع البعض بروز هذا التیار داخل الأحزاب الإسلامیة (الحركة الإسلامية) إلى ما قبل انتفاضة ربیع (91) وهناك من یشیر إلى ما بعد الانتفاضة، أي بعدما فُتحت أبواب خارجية کثیرة بوجه منطقة إقلیم كردستان. ولکن في کلا الحالتین، فإن هذا التیار كان ظهوره وبروزه بین إسلامیین مسلحین. فقبل التسعینيات کانت هناك الحرکة الإسلامية وحركة النهضة الإسلامية، فکلتا الحرکتین کانتا مسلحتین، ذات أفکار إخوانیة ومتأثرة بالثورة الإيرانية والمغازلة السلفية من جهة، علی شكل حرکة المقاومة الإسلامية "حماس" في فلسطين. ولكن في نهاية التسعینيات وتحديداً في (1998) اتحدت الحركتان تحت اسم "حرکة الوحدة الإسلامية"، ولکن سرعان ما بدأت الانشقاقات داخلها. الانشقاق الأول كان للجماعة الإسلامية إثر عدم قبول قیادة الحرکة الواحدة بنتائج انتخابات داخلية لمؤتمرها.

انشقاقات داخل الحركة

انشق عن الجماعة علي باپير وأخذ معه جمعا من سلفیة حزبه، وانشقت جماعة باسم "الإصلاح" بقیادة ملا کریکار السلفي الجهادي، ومن ثم اتحد مع فصائل منشقة أخری كـ(قوة ٢ سوران) وجماعة "التوحيد وحماس في كردستان" وغیرها، حیث شکلوا "أنصار الإسلام"، ثم اتحدوا مع فصائل جهادية غير كردية من عرب أفغان وغيرهم، سموا جماعتهم بأنصار السنة وکانوا إحدى الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة. بقیت الحرکة مع بعض قیاداتها القديمة المخضرمة بقیادة ملا علي عبدالعزيز، منهم السلفية وغیر السلفية.

بعدما سیطرت القوات الإسلامية علی مناطق حلبجة وضواحیها التابعة لمحافظة السليمانية وقتها، وبدأت سلسلة من معارك جماعة الأنصار وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الحاکم في السليمانية، فانتهت بقصف أمريكي (2003) لمواقع الأنصار، حیث شملت العملية مناطق تابعة للجماعة الإسلامية. وبعد الحادث وإثر سلسلة من الاجتماعات، حلت الجماعة مکتبها العسکري. حیث کان دلشاد گەرمیاني ذو الانتماء الجهادي مسؤولها.

فانتهت قصة جماعة الأنصار، فلحق قسم منهم بتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، ومنهم من عبر إيران وهرب إلى بلدان مختلفة آسيوية وغربية أیضا. وبقیت حرکة الوحدة الإسلامية بدون سلاح، حیث رجعت إلى تسمیة الحزب بالحرکة الإسلامية، وهي بلا سلاح ولا مسلح كما كانت في السابق. کذلك "الجماعة الإسلامية" التي حلت مکتبها العسكري، بعد أشهر من إعلان تأسیس الجماعة، لا سیما بعدما قصفت مقارها العسكرية في منطقة خورمال القريبة من المعاقل الرئيسة لجماعة الأنصار المعادية لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الحاكم في محافظة السليمانية.

هکذا بقيت الحركة والجماعة بلا سلاح ولا مسلح ولا مقار عسكرية، ففي هذه الحالة فإن سلفية کلا الحزبين سیصنفون من "السلفية الجهادية" إلى "السلفية الحزبية بلا سلاح"، حالهم حال حزب الأمة الكويتي، وحزب النور المصري وغيرهما، والفرق أن السلفية في هذه الأحزاب الكردية الإسلامية جزء من تنظيمها، والحركة لیست کلها سلفية كما هو الحال في حزب النور المصري والأمة الكويتي وغيرهما. إذن على الرغم من كل ما سبق، بقیت فیهم السلفية على الرغم من قلة عدد معتنقيها وتأثیرهم. سندرس ما بوسعنا: ما موقع هؤلاء السلفية وحضورهم الحزبي؟ وما تأثیرهم علی أرض الواقع اجتماعيا وسیاسیا وفکریا؟

القواسم المشتركة والاختلافات

إن السلفيين علی اختلاف اتجاهاتهم هم في الجوهر شيء واحد. فما یجمعهم أكثر مما يفرقهم. أحد أقطاب السلفية الجهادية بين الكرد هو ملا كريكار الذي يصنف السلفية عموما إلى أربعة أصناف:

١. السلفية النصية (سە لە فی دە ق): وهم تلامذة ومشائخ تراثيون مبتعدون عن السياسة لا مع ولا ضد. وهم مثل أتباع محمد ناصر الدين الألباني ومن على شاكلتهم.

٢. السلفية الحقية (سەلە فی هە ق): وهم الجهاديون أمثال جماعة الجهاد وتنظيم القاعدة، والیوم تنظيم الدولة.

٣. السلفية المزيلة (سە لە فی لە ق): وهم السلفيون المطيعون لولي الأمر مهما حكم، ففيهم حتی من یتجسس لصالح السلطات السیاسية.

٤. السلفية التظاهرية (سە لە فی زە ق): وهي تحركات سیاسیة وحزبية لدى بعض السلفيين. أمثال جماعة إحسان إلهي ظهير، وحزب الأمة في الكويت، وحزب النور في مصر.

ما الذي يفرّقهم وما الذي یجمعهم، لا سیما في المجتمع الكردي؟ أما الاتجاه الأول في كردستان- العراق فهو على وشك الانقراض، فقديما كانوا یسمون أنفسهم بالسلفية فقط، والإسلاميون كانوا یسمونهم باللاجماعية، أي لیسوا مؤمنین بالتجمع الحزبي السياسي، والیوم عند المداخلة والجامية یسمونهم بالحدادية نسبة إلى أحد المشايخ المعادي لشيخهم المدخلي. أما الاتجاه الثاني فیمثلهم جماعة "أنصار السنة وجماعة التوحيد وحماس كردستان" وغيرهم، والیوم كتائب كردية داخل تنظيمي الدولة الإسلامية وفتح الشام (جبهة النصرة سابقا) فهم الخوارج عند اتجاهي المدخلية واللاجماعية.

بسبب ندرة المصادر حول هذا المكون، فقد قمنا بدراستهم عن طریق الملاحظة بالمشاهدة کما أسلفنا، وأيضا سنلقي الضوء على جانب ميداني لتحليل خطابهم ومنطقهم العملي. ولهذا القصد قد رصدنا موقعين باسم صوت الإسلام (دەنگی ئیسلام)، أحدهما (دوت كوم) وهو يدار من قبل مجموعة أقرب إلى الحركة، والثاني (دوت أورج) لسان الحال لإذاعة صوت الإسلام للحركة. ومن ثم رصدنا كذلك ما هو لافت للنظر علی شبكات اجتماعية إلكترونية ومنشورات لدى سلفية الجماعة الإسلامية.

لماذا الرصد الأولي للحركة لا للجماعة. لأن سلفيي الجماعة هم ضعفاء النفوذ والقرار، وهناك مكونات أخرى أقوى وأكثر شعبية وجماهيرية مقارنة بهم. بينما سلفيو الحركة نشطاء أكثر من غيرهم من مكونات حركتهم. حتی واجهة الحركة أكثر سلفية من واجهة الجماعة. ومع ذلك بين الجماعة أصحاب آراء مختلفة أيضا مثل الصوفية العرفانية، وبوادر أفكار التنويرية والتجديدية وغيرهما، بينما الحركة تتمتع بـ"التسنن والتسلّف".

هناك مسألة دخلت البلاد بعد مجيء الإسلاميين ثم تسلُّفهم في كردستان العراق: ألا وهي قضية الساعة ونهاية الدنيا والحروب الأخيرة، وحرب ما يسمى "أرمجدون". ونزول عيسى المسيح وكذلك ظهور المهدي والدجال. كان هناك في السابق أحد دعاتهم ألقى محاضرة بعنوان "اليهود"، وكانت ثلاث حلقات، فالحلقة الثالثة والأخيرة ساعة كاملة خصصت للحديث عن هذه الأحداث التي تقع قبل وقوع الساعة وانتهاء الدنيا. قلما تجد إسلامويا لم يسمع لهذه الأشرطة ولو لمرة واحدة. بل وكانت تتداول بين الشباب والأحداث، بل وحتى صغار السن.

قضية ولي الأمر

إن معظم الخلافات الموجودة بين المذاهب، إنما هي قضايا سياسية أو مسيسة. فنادرا ما تجد اختلافا بين هذا المذهب، وذاك لم تصل إليه يد أصحاب السياسة أو رؤوس مصارعة. فالاتجاهات السلفية لها الحالة نفسها، فإن السلفي لما يصارع سلفيا، كيف يخرجه من الدين أو المذهب إذا كان هو يعتقد بنفس ما يتعقده المخالف تجاه الله ورسوله وكتابه، وهو يمشي على الفقه نفسه، وهو يبجل السلف نفسه وأئمته؟ ولكن لما تتدخل السياسة أو قضية سياسية نرى بوادر الخلاف بين هؤلاء.

إن قضية ولي الأمر من أكبر القضايا بين الاتجاهات السلفية، فالمداخلة الجامية هم على غرار أسلافهم الحنابلة يرون الطاعة المطلقة واجبة من قبل عامة الناس لولي أمرهم، وهو في أدبيات العصر إما رئیس الجمهورية، وإما ملك أو أمير البلاد. فالذي هو مشهور عند أهل السنة عموما وكل الأثرية قاطبة، أن من كان وليا للأمر الطاعة واجبة له ما لم يظهر منه الكفر البواح. والذي يصير أميرا يصعد إلى الحكم عن طريقين: إما عن بيعة عامة من الناس، وإما هو حاكم متغلب بالسيف.

وفق المصطلحات المعاصرة، فالوسيلة الأولى عبارة عن انتخابات عامة، والذي يصبح رئيسا أو حاكما، هو من يفوز بغالبية الأصوات. إلى هنا لا إشكال فيه، ولكن عند هذا الفكر (أي السلفية) سيكون هذا الحاكم بيده مقاليد السلطة إلى مماته. أو الإطاحة بحكمه عن طريق انقلاب عليه من قبل من هو أقوى منه، وهذا هو تعريف الحاكم المتغلب بالسيف باختصار.

تجد السلفية الحركية نفسها أمام سلسلة من المواقف المحرجة، فأحزابهم الذين يُنَشِّطون فيها الحركة والجماعة في حقبتين حكوميتين كانتا مشاركتين في الكابينة الحكومية. ومن هنا السؤال الذي يطاردهم: ما حكم مشاركة أحزابهم في الحكومة؟ فهم دوما يتجنبون الإجابة. وهنا تبدأ أسئلة أخرى: طالما انتخب رئيس الإقليم من اقتراعات عامة، وفاز بفارق كبير ضد منافسيه، فما الذي يمنعهم الطاعة لهذا الولي لأمرهم؟ وسؤال على جناح الطائر: يا ترى هل رئيس الإقليم ظهر منه كفر بواح أم هو مؤمن؟ وإذا كان هو مؤمنا فواجب طاعته في حال انقلابه على الحكم، فما بال انتخابه للحكم؟