وتبقى السيادة اللبنانية مخطوفة

السابعة صباحا بتوقيت بيروت ودمشق والضاحية الجنوبية، الخامسة فجرا بتوقيت غرينتش، السابع والعشرون من آب 2017م، والخامس من ذي الحجة 1438ه، صدر بيانان عسكريان منفصلان ومستقل واحدهما عن الآخر (عملا بأحكام عدم التنسيق). البيان الأول عن قيادة الجيش اللبناني والآخر عن حزب الله والجيش السوري يبلغان بلغة واحدة (العربية) وبكلمات مختلفة (شعب واحد في أسلوبين) بشرى وقف إطلاق النار على جانبي الحدود اللبنانية/السورية ("لا خفي إلا ويظهر ولا مكتوم إلا ويعلم". لوقا: الفصل 8 الآية 17).

أما بعد: طوال المعارك الحدودية غابت عن تصاريح المسؤولين كلمات "لبنان"، "السيادة"، "الاستقلال"، "الشرعية"، "بسط سلطة الدولة"، "استعادة حدود لبنان الدولية". تحاشيا للإحراج اكتفوا بالتعابير الميدانية، كأن المعركة قتال تقني لاسترداد عقارات جردية لا من أجل استرداد السيادة الوطنية على الحدود الشرقية. جميل أن يطرد تنظيما النصرة وداعش، لكن الأجمل أن ينتشر الجيش اللبناني وحده مكانه، لئلا يأتي إرهاب آخر. جميل أن تعود العقارات إلى المزارعين في القاع وعرسال ورأس بعلبك، لكن الأجمل أن تعود الأرض إلى دولة لبنان. هذه أرض وطن قبل أن تكون أرض مواطنين. وجميل أن نعرف مصير العسكريين المخطوفين، وقد عادوا شهداء للوطن، لكن الأجمل أن نعرف مصير الحدود اللبنانية المخطوفة (نفس المصير).

قاوم الجيش اللبناني ببطولة من أجل ثلاثية واحدة: "شرف، تضحية، وفاء"، ومن أجل قضية واحدة: عودة الشرعية إلى الحدود اللبنانية/السورية (هل عادت ليعلن وقف النار؟) سيطرة الجيش على تلك المنطقة إذا تركوه يبسطها لا تعيد إليها السيادة الوطنية فقط، بل تحميها من أن تستمر كما هي الآن إحدى ساحات حروب الشرق الأوسط، وتثبت نهائية الحدود اللبنانية/السورية وسط غموض يكتنف مصير حدود الدولة السورية.

الجيش أراد المعركة ضد داعش نهاية حقبة لا بداية نزاع جديد مع أطراف آخرين. لكن الاختلاف على توظيف المعركة كبير رغم التوافق على العدو المشترك، "الإرهاب". الجيش اللبناني يريدها جزءا من مشروع بسط السيادة اللبنانية (صعب التحقيق)، حزب الله يرغبها امتدادا لمشروع الهلال الشيعي (قيد التحقيق)، سوريا تشتهيها تجديدا لدورها في لبنان (لم تخرج لتعود)، والولايات المتحدة والسعودية يأملانها بداية انحسار محور إيران حزب الله (لا ضريبة على الخيال الواسع).

الإشكالية، أن أرض المعركة ضد داعش تمتد من تلعفر في العراق، مرورا بدير الزور في سوريا، وصولا إلى عرسال ومحيطها في لبنان. وإذا كان التوقيت واحدا، فالقرار ثنائي: أميركي روسي مشترك، واستطرادا سعودي إيراني. في هذا الإطار تجلى التنسيق اللبناني السوري الإيراني بموازاة تنسيق عسكري لبناني أميركي مباشر. ولذا أرجأت الإدارة الأميركية إصدار العقوبات ضد حزب الله ريثما تنتهي المعارك ضد داعش. الباقي تمويه إعلامي لبناني وعربي ودولي (رأس الحكمة احترام المنطق).

واقع مؤسف لكنه حقيقة لم تنفها الحكومة اللبنانية. وما مواقف السيد حسن نصرالله الأخيرة وكان بغنى عنها سوى تأكيد المؤكد. وغالبية بلاغات السيد نصرالله هي أصلا إنذارات مبكرة لما سيحصل أو تبليغات متأخرة لما حصل.

حاول الجيش اللبناني فك الارتباط بين معركة لبنان وما يجري في سوريا والعراق لأنه يرفض أن يكون فيلقا بين فيالق إقليمية أو فريقا بين أفرقاء لبنانيين، ولأنه يخشى أن يورط لبنان في حروب المنطقة. لكن تطور الأحداث أجهض هدف المعركة الذي رسمه جيشنا القوي، فعوض أن تؤدي المعركة إلى ضبط الحدود اللبنانية/السورية، أدت إلى إسقاطها لتبقى من دون ترسيم وممرا لهذا ومقرا لذاك ومفرا لذلك، ولتبقى خصوصا موضوع نزاع بين البلدين يستغله النظام السوري، كالعادة، لابتزاز الدولة اللبنانية.

ولترطيب الذاكرة، في مؤتمر الحوار الوطني سنة 2006، رفض السيد حسن نصرالله "ترسيم" الحدود اللبنانية السورية فاستعيض عنها بكلمة "تحديد". ومنذ ذلك الزمن لم يتم ترسيم للحدود ولا تحديد.

خشية الجيش اللبناني أن يتحول شاهد زور على تسيب الحدود اللبنانية/السورية كما الحال مع القوات الدولية على الحدود اللبنانية/الإسرائيلية. فحزب الله باق في منطقة عمل الجيش اللبناني على الحدود اللبنانية/السورية ليضمن خط الامداد البري من طهران حتى لبنان، وهو خط تقاتل القوات الإيرانية للحفاظ على ممراته على الحدود السورية/العراقية والعراقية/الإيرانية (البصرة والسليمانية وبغداد والقائم والبوكمال وحمص ودمشق). وما دامت تلك المعابر سالكة ستظل الحدود اللبنانية الشرقية مشرعة ما سيجعلها نقطة توتر جديدة بين لبنان وإسرائيل تضاف إلى الجنوب، لاسيما وأن إسرائيل تجمع الذرائع لقلب المعادلات القائمة.

بعد الحرب السورية تحولت حدود لبنان الشرقية بؤرة عسكرية على غرار الجنوب. وإذا كانت جبهة الجنوب سجدت وسكنت منذ صدور القرار 1701، فالذين يرفضون توسيع صلاحيات هذا القرار الدولي حتى الحدود الشرقية أحرى بهم أن يدعوا الجيش اللبناني ينشر الأمن والاستقرار هناك بدون تشكيك ومضاربة ومزاحمة وادعاء "زمالة". فما من خليل للجيش سوى بندقيته. الشعوب تتعايش، أما الجيوش فلا.

لكن موازين القوى حاليا، في لبنان والمنطقة، تتناقض مع الهدف السيادي الذي حدده الجيش اللبناني للمعركة على الحدود الشرقية. فعدا أن الظروف العسكرية لم تتح له التحكم بالتوقيت، لن تتيح له الظروف السياسية ضبط الحدود برغم قدراته، إذ جاء من يقضم دوره ويختطف انتصاره، ويتشاطر عليه بالكيلومترات، ويقاسمه حقه في بسط السلطة اللبنانية، ويحدد له شروط التفاوض.

إن مصلحة الجيش، في هذه المرحلة، تختلف كليا عن مصالح أهل السياسة. هو: لا حدود لتضحياته، وهم: لا حدود لتنازلاتهم. لذلك: أمام الجيش استحقاقات أخرى من نوع آخر، والشعب معه.