دولة الكلاب العظمى تشيد أركانها في زمن العولمة

التقطيع والتداخل

عمّان ـ تواصل الكاتبة آسيا عبدالهادي طريقها الأدبي برفد المكتبة الأردنية والعربية برواية جديدة، إضافة إلى رصيدها السابق الذي بلغ سبع روايات ومجموعة قصصية.

الرواية التي جاءت بعنوان "دولة الكلاب العظمى" صدرت حديثاً عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، وتقع في 292 صفحة، قسمتها الكاتبة إلى 26 فصلاً .

تتحدث الرواية عن شخصية حليمة مديرة المدرسة، التي تكتشف وجود بيت صغير غامضٍ قرب منزلها الريفي، وتخوض مغامرات لمعرفة حقيقة هذا البيت وساكنيه، وتقدم تلك المغامرات على شكل حكايات أسمتها "حكايات زمن العولمة"، وقدمتها بطريقة سردية مميزة تدمج القارئ في قالب النص وكأنه يعيش المغامرة.

وقد قالت الناقدة هيا صالح: "إن الرواية تتعرض لما يعيشه العالم العربي من حروب وصراعات، وتكشف كيفية إحداث الثغرات وتشويه الحقائق والتلاعب بالعقول.

وأضافت أن الكاتبةُ استوحت حبكتَها من الوقائع التاريخية والأحداث السياسية والاجتماعية، وتعكس نقداً لمجرياتها بشكل يتّخذ من الرمز مدماكَ بناء، ومن الغموض والترقب مادةَ تشويق.

هذا العمل المصاغ ضمن إطارَين زمانيّ ومكانيّ محكمَين، يستثمر الرمزَ وفق وعيٍ بأهمية تفاعُل الشكل والمضمون بما يخلق نوعاً من التوازن بين العناصر الجمالية للشكل والمحددات الفنية للرمز. ويحيل الرمزُ إلى دلالاتٍ تثير فيوضاً من الأسئلة، كلُّ إجابةٍ على أحدها تشعلُ سؤالاً جديداً، وهكذا في متواليةٍ تقودنا ببراعةٍ لنعيش الأحداث ونعايشها".

ويقول الكاتب محمد المشايخ عن الرواية إنها رواية تتصفح التاريخ، وتـُسقطه على الحاضر، لتوقظ الضمير الإنساني من سباته، وتضعه أمام مسؤوليته، بعد أن تكشف له - بجرأة، وبجماليات متقدمة، بعيدا عن الوضوح والمباشرة - النقاب عن الدول والشخصيات التي ساهمت في إحداث المآسي التي تعرّضت لها الأمة العربية.

ويضيف بأن الرواية تتميز بذلك التقطيع والتداخل الذي أوجدته الكاتبة بين أحداثها، عبر انتقالها من المشاهد الواقعية إلى مشاهد أخرى مـُتخيّلة، متخذة من المرأة رمزاً للعدوان والفناء حيناً، وللخصب وتجدد الحياة واستمراريتها، والمقاومة في معظم الأحيان، وهو تقطيع لا يخلو من الغرائبية والعجائبية والفنتازيا، عدا عن إحداثه تعايش بين المشاهد المتضادة، فبدأ السرد عبر هذه المفارقة أكثر تشويقا في التصوير والإيحاء والحركة.

ومن حكاية سرِّ البيت نقتبس المقطع التالي:

"بينما تتجول وتتأمل فيما يحيط بالبيت من أرض وأشجار، فُوجئت بأصوات وضجيج مع بعض الضحكات والصـراخ المُبتذَل تقترب رويداً رويداً، فخافت وهرولت إلى مكان تُخفيه أعشاب الغابة الطويلة ومُواجِهٍ للباب مباشـرة، اطمأنت أن أحداً لن يراها من موقعها بعد أن عمَّ الظلام وماتت الرؤية.

اقترب الصوت أكثر وأكثر، فشاهدت مجموعة من النساء تتقدمهن أقصـرهن قامة وأقبحهن شكلاً، وبحجم القزم، أخرجت المِفتاح من حقيبتها، فتحت الباب ودخلت أولاً، وأشعلت النور، فقفزت الأخريات إلى الداخل بمَرَح. ارتدت النساء ملابس مُبهرجة، ووضعن في آذانهن أقراطاً يتوهج بريقها فيوجع العين، وفي أرجلهن أحذية لامعة جديدة، وتحمل كلُّ واحدة منهن بيدها كيساً أو شنطة تُلوح بها في الهواء. استغربَتِ المشهد!

أين أنا؟

مَن هؤلاء؟

وكيف وَصَلْنَ هنا؟

وماذا يفعلن في بيت ناءٍ لا مَرافق فيه ولا يحوي أدنى مقومات الحياة؟ وما قصتهن؟ أتُراها وصلت وَكْراً للدعارة لا سمح الله؟! لكن أين الرجال؟ ثم أين قَضـينَ نهارهن؟

ومن أين لهنَّ بمثل هذه الثياب؟ أغرب موقف. ماذا يجري في هذه البقعة النائية من «الفردوس الكبير»؟

راودتها أفكار كثيرة حول مظهرهن ووصولهن إلى ذلك المكان، دقائق وبدأ الظلام يلف الغابة فخافت أن تتأخر وتضطر لاختراقها ليلاً، كما خَشـيتْ أن يتنبهن لوجودها، فانسلت بهدوء عائدة إلى فردوسها الصغير.

استرعى انتباهها حجم البيت والأرض المحيطة به. ربما وَرِثْنَه عن والدهن كما حدث معها، أو اشترَيْنه وجعَلْنه مكاناً يهربن إليه من ضجيج المدينة. الناس يتشابهون بحاجاتهم ورغباتهم، فلا غرابة مما تُشاهد وترى. فسـّرت الوضع بحاجة الأخوات أحياناً إلى الانعزال عن الناس والإخوة والأصدقاء والمعارف والأهل والحَمولة، والابتعاد قليلاً. فما العَجَب؟".

يذكر أن الكاتبة صدر لها ست روايات، هي: "الحب والخبز"، 2006، "الشتاء المرير"، 2010، "غرب المحيط"، 2012، "بكاء المشانق"، 2014، "سعدية"، 2015، "ذكريات وأوهام"، 2016. كما أصدرت مجموعة قصصية بعنوان "سنوات الموت"، 2008.