بعد 'لهن أحكي' .. غادة هيكل تتوغل في 'مونودراما الشر'

تعذيب العاشق وكيه بنار الهجران

"مونودراما الشر"، وياله من عنوان، ذلك الذي اختارته الكاتبة غادة هيكل لمجموعتها القصصية التي تضم عشرين قصة قصيرة.

أما "المونودراما" من حيث التعريف فهي ببساطة فن من فنون الدراما المسرحية أو السينمائية، حيث ممثلٌ واحدٌ يحمل على عاتقه إيصال فكرة ما إلى الجمهور المتلقي؛ فيتحث هو وحدَهُ دون شريك، حتى وإن كان ثمة أشخاص آخرون موجودين فإنهم يلتزمون بعدم الكلام. ممثلٌ واحدٌ هو الذي يتحدث مناجيًا ذاته كاشفا كوامنها ولواعجها للجمهور، مستعينًا بالحركات الموحية والنبرات الصوتية المعبرة.

هذا عن المضاف، أما عن المضاف إليه، الشر، فكلمة مفهومها ذو أذرع بلا عدد وشبكات عنكبوتية تترصد فرائسها الغافلين.

"يعتقد المرء أن الشر خارجه فإذا هو متأصل فيه"، يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر أندريه كونت سبونفيل.

فما الذي تعنيه الكاتبة هنا بإضافة الشر إلى المونودراما؟

نتقصى ذلك.

نقرأ الأقصوصة الأولى التي تحمل ذلك العنوان فنجد في الجملة الأولى تبريرًا أو تفسيرًا لوقوع أحداثها:

"أرادت أن تكتب نصًّا لم يستهلك بعد".

وتقربنا الجملُ الثلاث التاليات من المشهد:

"وقفتْ في منتصف الحجرة، نظرتْ في كل الاتجاهات، تحدثتْ مع أركان المكان".

وذلك قبل أن يتاح لنا سماع صوت الحاكي:

"هنا وضعتُ".

وإن كانت الكاتبة لا تدعنا نسمع في هدوء، بل تقاطعنا لنتتبع المشهد بكاميرا الكلمات:

"ثم التفتتْ نحو ركن الأحزان وقالت".

وهكذا وهكذا.....

إنه حبيبها الفنان الذي تحاصرها ذكراه في المكان فلا تستطيع عنها فكاكا:

"هذه قطعة منديل أبيض نزف عليها بدمه كلمة أحبك، وهذه ورقة ملونة من دفتره فيها خط أولى كلمات الشعر من أجلى، وتلك ورقة نقدية من الفئة الخضراء نقش عليها حروف اسمينا الأولى، وتلك أول شجرة في حياتي يزرعها من أجلي في هذا الأصيص، ثم يزينها بالهدايا (...) آه نسيت أن أذكر الشجرة الوحيدة التي جلسنا تحتها كثيرًا نتحدث ونمرح ونأكل. هذه ورقة منها جفّت ويبست ولكنها لم تتفتت، أعتقد أنها مازالت تحمل القلب الذى رسمه والسهم الذى اخترقه شاهدًا على هواه".

هل كانت تحبه؟ وكيف كان يحبها؟

يتلخص ذلك في قولها:

"كنت أهوى المغامرة واكتشاف الآخر، وهو يبغى إكتشافى أنا وحدي".

هي التي لا تزال تعاني من قسوة الانهيار حيث طُعنت في سويداء الفؤاد ذات عشق، وتركها حبيب القلب تتلوى على قارعة الطريق وغاص في اللاشعور نصلا لا يصدأ بل يظل مشحوذًا أبد الآبدين، ما تكاد تنساه إلا لتجدد ذكراه.

تنتبه من شرودها على الفنان مرهف الحس يتعبد في محراب جمالها. كانت على يقين من تشبثه بها بينما كانت هي على عكس ذلك:

"فى آخر يوم للعام الدراسى قلتُ فى نفسى لا بد من مكافأته على صبره وحبه لى، سرت معه تسكعنا طويلا، عرجنا على مكاننا المفضل تحت الشجرة، كنت أريد ان أودع أماكنى الخاصة، فأنا على يقين من عدم عودتي لها".

هو من أنضجه الحب على جمر المعاناة، بينما هي شيء آخر:

"وأنا على يقين من قوتي وسطوتي".

ومن منا يقوى على سطوة الحب واجتياح أمواجه؟ من يقدر على ذلك سوى قلب تحطم على صخور موجة سابقة؟!

وها هي تعطف عليه عطف الطبيب على المريض، وإن كانت هي سبب مرضه!

"هل لكي أعوضه عما فعلت به، عن هجراني وقسوتي، عمن عرفت وأنا معه، أو من عرفت بعده وتركتهم كلهم؟".

ولا تنتهي الأقصوصة إلا والكاتبة تعلن حضوريًّا حكمَ محكمة القدر بعد أن تردد "كما تدين تدان" مرتين:

"الشر منكِ، واللهيب طالكِ".

لم تترك المحكمة شيئًا يمكن استنتاجه من بين ثنايا الكلام! كل شيء ناصع، كل شيء صريح!

الحكم يدين المتهمة لاصقا بها صفة الشر القاسية، وبأنها بالفعل متلفعة باللهب الحارق الذي لا ينطفئ.

الشر المذكور في عنوان القصة إذن، بل وعنوان المجموعة كلها، هو نوع محدد تمامًا تحت بند تعذيب العاشق وكيه بنار الهجران انتقامًا من معشوق قديم غادر.

إنها الروح المسيطرة على المجموعة بكاملها متلخصة فيما يمكن أن نسميه "الحب الذي لم يتم"

وإن كانت المجموعة لا تخلو من أنواع من الشر أخرى كثيرة مثلما في أقصوصة "أنا وأنت":

"أواه عليهـن من غادرات خائنـات، نهلْــنَ من حـرفي، ورسمنني على صدورهـن وشـم ملاك حتى اكتفـين، وصنعت لهن أسماء، الآن هـن الملكات، وكنَّ جواريَّ منذ زمن ليس ببعيد".

ننتقل إلى الأقصوصة الثانية بعنوان "صوفيا" ونقرأ:

"أطرقــتُ إلى الأرض، ودمعت عينـاي عندما سمعت حديثها، أما هــو فقد أمسك بريشته ورسم لها بحــرًا آخر تعلوه سماء زرقاء، يتدلـى منها نجم، ونصف قــمر، تجلـس هي فوقـه مدلية رجليها، تداعـب النجوم بطرف إصبعها الذي يحمل خاتم زفاف لم يتم".

أجل! مسكين هو الحب في هذه المجموعة وكأنه القمر الذي تقول عنه غادة هيكل:

"قمر يحاول أن يتسلل، كلما استدار تباغته سحابة تحجبه".

ومع ذلك فاللوعة موجودة، والعشق أظفار نسر قابضة على قلب ملتاع، وكاتبتنا تجيد عزف الكلمات:

"يا صوفيا لو أدركتِ أن عطشي إليـك غريب في الصحراء يلهث، أعمى والنبع أمامه، أصم والضجيج حوله، نبي في محرابه يتعبد، ورسام مع فرشاته، وقمر ترقدين فوق هلاله وتـتدلـى رجلاك منه وطرف أناملك يداعــب نجمه، فهل تأتين؟ مــرَّت ســنتان على فراقك".

وأترككم تتأملون هذه المناجاة الملتاعة:

"عودي حتى تعـود الحيـاة إليّ، أعيـدي الضــوء الى ظلمـتي، وأعيدي حركة القطارات، وأعيدي البسمة للوجوه العابسة، والعيون الحزينة، أعيـديني إلى ذراعيك البيضاوين".

أرأيتم ما يطلب الحبيب من حبيبته في الابتهال السابق! أتأملتم في الطلب الثالث تحديدًا: "وأعيدي حركة القطارات؟!"

ولا نترك الأقصوصة تلك حتى نتأمل بإعجاب كيف تنهيها كاتبتنا بإبداع حقيقي:

"حمـل الصورة، وعاد ليعلقها على جـدرانه الصماء، فتح باب الحجرة، صوت الصرير وصوت القطـار العائد، الساعـة عـلى الحائـط تدقُّ الثانية عشرة، القمر يعكس صورته على وجـهٍ مستدير، يحمل بيــده كوبًا من القهوة بالحليب رائحتها نفاذة، يعانق الجسد البــض الواقـف على الجدار ويغلق الباب".

وفي مجال اختيارها للألفاظ المناسبة، تدهشنا غادة هيكل في أقصوصة "ثورة ثانية" عندما تقول على سبيل المثال:

"فجأة احتدت الدنيا علىَّ وأعطتنى لونها الغامق، رفَعتْ كل أسلحتها في وجهي، كل ما يدور حولي يحملني نحو اتجاه واحد، انسحاب الروح من كل مكان، حتى حيطان البيت أعلنت العصيان، أصابتها الرطوبة وبدأت تنهار دهاناتها، ملاءات السرير أعلنت الإضراب وبدأت تهترئ".

فهنا نجد الكلمات المتسقة مع عنوان الأقصوصة "ثورة ثانية": احتدت الدنيا - لونها الغامق - انسحاب الروح - أعلنت العصيان - بدأت تنهار - أعلنت الإضراب. مع ملاحظة أن التي بدأت تنهار هي دهانات الجدران، وأن التي أعلنت الإضراب هي ملاءات السرير!!

وكثيرًا ما تستعيض الكاتبة في كل أرجاء المجموعة بلغة الاستعارات والتشبيهات عن ذكر الوقائع المحسوسة الملموسة المعاشة وكأنها تريد بذلك أن تخلق واقعًا ترانسندنتاليًّا موازيًا يكون أكثر رحابة وشمولية. نقرأ مثلا في ثورة ثانية:

"كيف لجذر اقترب على الفناء أن ينمو مرة أخرى من نبتة تجاوره، كيف يستقى منها رحيق الحياة ويبعث فيها اخضرار الأغصان، وهي بلا زهر أو لُبابٍ أو طين نديٍّ تستقي منه بعض مياه راكدة، إنها حزمة أوراق جفت في عز الربيع، ونبتة صبار حفرت في الأرض حتى جفت ينابيع البئر، فاستسلمت للموت وإن ظلَّ النبض ضعيفًا يخفق.

الطوق الذي يكبلني كلما حاولت الفرار منه استردني ككلب يلهث وراء سيده، مشدود بين أربعة أركان، تعلو الضحكات، وضحكاتي بركان خامد، يحتاج لجذر يشتهى قبضتي، ويصرخ من ألم الحياة التي نبتت مع الثورة، وخمدت من أجل الثورة، صمتت ضحكتها وصارت تأوهات تنبش روح الحمام من وريد ينفر دما، ورقصة للقمر في محاقه الأخير ينذر بثورة ثانية".

أجل هي غادة هيكل البارعة في اختيار أدواتها. وهي مرهفة الحس تجيد التعبير عن العشق الجميل بأبسط الكلمات. نقرأ في "أتوب منك إليك":

"كنت أنا جوعه، وكنت شبعه، أحفظ خطوط جبهته العريضة عندما يضم ما بين حاجبيه، ينتشي بوضع شفتي عليها لأفردها له، يسابق جبهتي ليلتهمهما أولا، يرتشف من فنجان قهوتي. من يتذوقه أولا يظل يدور فى فلك الآخر، ثم يتذوقه ثانية مستمتعًا ببقايا أحمر الشفاه، طالبًا مني أن أقلل من سكرها المرة القادمة، يكفيه بقايا سكري. ولمسة يدى على رجليه أدللها في ماء الورد وتترك أثر البلل في حجرى، يسارع بحملي بين كفيه حتى أغير ملابسي المبتلة ينتهزها فرصة ويختلي بي متأملا إبداع الخالق في هذا الجسد وصورته. صورته المعلقة على الجدار منذ أول ليلة لي معه، كلما غدا أو راح يبتسم لها وتبتسم له. لم تعد تبتسم، منذ سلمته التفاحة بيدي ليقضمها ويذهب معها، أيقظتُ فيه الرغبة الكامنة منذ زمن ... أن ليس على هذا الكون جنة غيرى."

أقصوصة "أتوب منك إليك" هي قصة الزوجة التي لم تنجب، والتي طلبت من زوجها بعظمة لسانها أن يتزوج بأخرى لتكتمل سعادته بطفل، وهي في قرارة نفسها تتمنى لو رفض طلبها وقال لها: لا أريد غيركِ فأنتِ زوجتي وحبيبتي وطفلتي أيضا!، لكنه مع الأسف قبِل العرض وتركها في دوامة الحيرة والغيرة.

وفي أقصوصة "أصيلة" نجد النخلة العتيقة الأصيلة كسيدة أصيلة ذات شأن، "هل تعرف يا بني أن هذه النخلة لا تطرح إلا إذا سُـقيت بالعسل، ولذلك يكون ثمرها شهدًا، وطرحها كثيرًا، وبلحها طويلا، لا تجد مثله، انظر إلى طولها الشاهق، الكل يخاف أن يصعـد فوقها، فهي لا تألف غيري ولذلك لم تعد تثمر.. مثلها كانـت "أصـــيلة" من بـيـت كـــرم وحسب ونسب، تسير بين بنات القرية تدبّ بخلخالها الفضي، فـتهُّــز قلوب الرجال".

وربما يكون لي رأي آخر في بناء هذه الأقصوصة، إذ كنت أود لو كانت البداية من المنتصف تقريبًا، أي تكون البداية من هنا:

"شرد بعيدًا عني، نظر إليـها، وتبعها بنظرة إلى النخلـة المقطـوعـة وسـأل:

هذه أم تلك يا علي؟... قلت: هذه التي نجلس تحتها....." وطبعًا لا نلقي بالجزء السابق في سلة المهملات، بل نأخذ منه ما نحتاجه ونلضمه في الخيط في مكانه الصحيح.

ولا يفوتني أن أسجل أن غادة هيكل بارعة في استخدام الضمائر وإن كانت تحير القارئ أحيانًا بسرعة انتقالها من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب مراتٍ ومراتٍ حتى تضطره إلى معاودة قراءة الفقرة ليتعرف على الوجوه المتغيرة في أرجائها.

وقبل الخروج من دائرة هذه المقدمة أرى أن من حق الكاتبة أن أنوه بأدبها الملتزم بقيم المجتمع ونبض أصالته والثوابت الدينية وقوة وجودها وإن كنت أهمس في أذنها بإخلاص أن تبتعد عن الجمل التقريرية ما استطاعت وأن تبعد صوت الكاتب عن صوت أبطال قصصها. نقرأ مثلا في "أتوب منك إليك":

"لا بد من تأدية العمرة، ومحاولة الوصول الى الحجر الأسعد، لن تتقبل دعواتي إلا هناك، ولن تتقبل إلا بلمس الحجر ويا حبذا لو تمكنت من طبع قبلة عليه لعلي أعود وأطبعها على شفتيه فينسى لي ذنبي ويغفر لي مذلتي ويعود (...) الدعوة في الحرم مجابة من قلب صادق، ومن يؤمن بغير ذلك حرام عليه ويعتبر كافرًا (...) أما أنا سوف أستخدم سحر الدعاء، والعُمرة كفارة الذنوب، سوف أترك كل خطاياي هناك وأعود كما ولدتنى أمي (...) سوف تكون صلاتى الجديدة لك أيضًا، وإيماني بعودتك هو مطلبي، وركوعي وسجودي بين يدي الله من أجلك، ودعائى في السَحر، قبلات تشفع لي لتغفر ذنبي، وتعلن لك توبتي".

وفي "قهوتي وأذان الديكة":

"ضجيج لا ينتهى إلا مع صوت الديك الذي يؤذن للصلاة"

وفي "التفكير":

"فى الخارج وعلى أسوار المدينة يكتبون كلماته ينشدون ألحانه يصفقون بأيديهم، لقد علمهم كيف يقفون، كيف لا يركعون إلا للخالق، لقد ترك لهم الحلم، وترك لهم نور الشمس، وترك لهم كلمات لا يمحوها ذوبان الورق".

وفي "ضرب الودع":

"والجمع يتهاوى، تصرخ أصمدوا يا أبنائي، يهتفون وا أماه، تزداد العاصفة، يترنحون يسقطون تتناثر دماؤهم الطاهرة، ينسلون من كل صوب وحدب، إنه الطوفان، يرددون الله أكبر، يهللون النصر قادم، يعزفون لحن السلام. تنحني لهم القامات، يؤذن المؤذن أن قد نصرنا الله فاثبتوا، والشهادة أعظم. تبكي جنينها، قد صار رجلا، سالت دماه على النهر جريا، احتضنه أخوه يحميه صبرا، يسقط شهيد الذل فرحا، يكتب بدمه الله أكبر".

وهكذا وهكذا الأمثلة كثيرة.

ولا أبرح هذا التقديم قيل أن أؤكد للقاصة غادة هيكل أنها على الدرب تسير، وفي اتجاه الشمس تحث الخطى، تنحت في الصخر أحيانًا، وتعاني، ومن المعاناة يتولد العمل العظيم والإبداع الصقيل.

سبق لكاتبتنا غادة هيكل أن أصدرت مجموعة قصصية بعنوان "لهن أحكي" عن مركز عماد قطري، ومجموعة "محاولة فاشلة" نشرًا إلكترونيا، كما وإن لها أقاصيص ظهرت في عدة كتب مجمعة أخرى فضلا عن العمل في الصحافة.

غادة هيكل لها أسلوبها، ولها زاوية رؤية خاصة بها، لا تكل ولا تمل رغبة منها في تقديم أدبها للقارئ على أكمل وجه تستطيعه، أحييها على جهدها وأبارك صدور مجموعتها هذه.