المثقف وطائفته: الانتلجنسيا وخطاب التدليس

تكريساً للطائفية عندما يُحسنب المثقف المحارب مجرد أنه ابن طائفته

في غفلة من تاريخنا الثقافي ظهر في دراسة بعنوان "الدولة والأمة في مخيال الانتليجنسيا الشيعية في العراق" قدمها الكاتب علي طاهر الى مؤسسة فريدريش ايبرت، مصطلح (الانتليجنسيا الشيعية) ويدرج مجموعة من الاسماء، كتاب فيسبوك وروائيين وشعراء وكتاب صحف تحت هذا المصطلح (أحمد سعداوي، أحمد عبد الحسين، سعدون محسن ضمد، علي وجيه، علي عباس خفيف، عبد الحسين الهنين، علي العنبوري، فارس حرام، لاهاي عبد الحسين، مازن الزيدي) ومن المفارقات العراقية ذات البعد الهزلي أن هولاء الاشخاص المصنفين بوصفهم (انتليجنسيا شيعية) لم نقرأ لهم رد أو توضيح، ماذا يعني هذا المصطلح بالنسبة لهم؟ والبعض أرسل رسائل خاصة يوضح طبيعة المكيد التي استدرجهم اليها الباحث. أنا أفسر أن عدم الرد على الكاتب من قبل المصنفين كـ انتليجنسيا شيعية يدل على اشتغال اللاوعي الطائفي والروابط العضوية الماقبل ثقافية التي تطيّفت داخل المجتمع العراقي وحازت وعياً ذاتياً داخل تلك الأوساط وفي شروط سياسية واجتماعية بعينها، فهم يعيشون ضمن مجموعات متمايزة دينيا ومذهبيا، وهذه التمايزات تصنع في سياق صراعات رهانها السلطة (سلطة تعريف الطائفة) والثروة والوجاهة والمناصب وهم ايضا لا يريدون خسارة جمهور الطائفة التي يعتاشون منه، وهو نمط من التدليس السياسي يمارسه هولاء للتمكين.

في البداية دعونا نطرح سلسلة مترابطة من الأسئلة هل يجوز أن نلصق بالمثقف أوصافاً دينية، طائفية أو مذهبية، لمجرّد أنه ينتمي بحكم الولادة والاسم والتنشئة والبيئة، أو في ضوء أحكام أخرى متفاوتة، كأن نقول (المثقف المسيحي)أو (المثقف المسلم) أو (المثقف الشيعي) او ( المثقف السنّي ) الخ. كما يقول وجيه كوثراني، هل هولاء يحملون المشروع الشيعي في العراق ؟ كيف وافق هولاء على تجريدهم من ذواتهم السياسية ؟ وكيف جرى تحويلهم الى انتليجنسيا شيعية بعملية تدليس كبرى ؟ هل هم مثقفون عضويون للطائفة الشيعية ؟

من المعروف لكل مجتمع (قبيلة، مدينة،دولة - أمة، امبراطورية، حضارة) هناك من يحترف فيه الفكر والثقافة والكتابة أي يحترف القول الثقافي والاسطوري والمقدس، وتقوم وظيفتهم على انتاج الخطابات الضامنة للهوية الجماعية والقيم المركزية السائدة، المثقف من يبدع ويمارس الثقافة في العالم الرمزي

هناك مثقفون عضويون للطائفة أي طائفة وأي جماعة سياسية تنتج مثقفين لها وبحكم احتلالهم موقعاً متميزاً داخل المجموعة الطائفية أو السياسية تكتسب ممارسات خاصة وعلى أساس مجموعة من العوامل تطوّر وعياً مشتركاً الى العالم أو تشكل ايديولوجية أو ميولاً معينة في العمل السياسي ولكن عندما ندقق في تلك الاسماء الواردة في الدراسة لا نجد انهم يمثلون نخبة شيعية سواء كان الأمر يتعلق بالمذهب الشيعي أو الجماعة السياسية الشيعية. فضلا عن ذلك لا ينطبق عليهم مفهوم الانتليجنسيا الذي يستخدمه الكاتب كما سنبيّن لاحقاً .

نقد فرضية الانتليجنسيا

بدون الدخول في الاشتقاقات اللغوية والمعجمية او الاستعمال التاريخي لمصطلح الانتليجنسيا التي استخدمها الكاتب، نكتشف إن هذا المصطلح لا ينطبق على هذه المجموع الانتلجنسيا، حيث إن أصل كلمة Intellectuals) المشتقة من Intellect والتي استخدمت بمعنى مرادف لـ Intelligence وتعني الفكر والذكاء، أو ملكة عقلية لاكتساب العلم والمعرفة، وعلى هذا الأساس فالكلمتان Intellectuals و Intelligentsia مرادفتان لمعنى واحد هو المفكرون أو المبدعون في مجال الذهن والنشاطات المتعلقة به. ونتيجة لما رافق من تطور في مضمون هذه الكلمة، شملت فئات اجتماعية أخرى.

لذلك فأن استخدام كلمة المثقفين بدلاً من المفكرين في اللغة العربية، يجنبنا الكثير من الإشكالات التي قد تنجم من استخدام الكلمة الأخيرة، والتي يفهم منها أولئك الذين يعيشون في عالم الفكر دون الممارسة، في حين أن كلمة المثقفين أوسع مضموناً، فقد يشير إلى أولئك الذين يعملون في مجال الفكر والممارسة أيضاً، بالإضافة إلى العناصر الثورية الواعية لحركات التحرر السياسية.

تشيرالموسوعة المقارنة بخصوص الكلمتين Intellectuals و ntelligentsia إلى أن استخدامهما في اللغة الألمانيةIntelligenz وIntellektuale كانت تحمل، عادة، دلالات ايجابية مثل الإبداع أو الانتقاد، أما في اللغة الإنكليزية والفرنسية فأن الكلمات Intellectuals و Les intellectuels كانت تعكس وتدل على بعض القيم، بسبب كون هذه اللغات لم تستوعب بعد مفهوم الطبقة المحايدة، مثلما كان هذا المفهوم في اللغة الألمانية والروسية، فمثلاً أن كلمة المثقفين في اللغة الفرنسية، وأن استخدمت في بعض الأحيان، فأنها لم تكن تعني تعريفاً أو أشارة لطبقة معينة. أما كلمة Intelligentsia الروسية فكان أول من استخدمها هو الروائي، المغمور Boborykin عام 1860، وترى هذه الموسوعة، بأن هذه الكلمة ذات أصول لاتينية وليست فرنسية بسبب كون اللغة اللاتينية ذلك الوقت، لغة أجنبية تستخدم عادة من قبل اللاهوتين الروس. ويستفاد من هذه الكلمة، أيضاً في دراسة النخب في البلدان النامية وبمعنى سياسي أكثر مما كان عليه قبل الثورة الروسية.

فهذا التأكيد والإصرار على أصل الكلمة، لايرتبط برأينا، بالأصل اللغوي بقدر ما يرتبط بالأصل الاجتماعي والسياسي للكلمة، فشكل الكلمة ومضمونها في علاقة ترابط قوي يعكس أحدهما الآخر من خلال هذا الترابط والتفاعل . فأذا كانت كلمة Intelligentsia روسية الأصل أم لاتينية، فهي، في الحقيقة، تعكس بالأساس ظاهرة اجتماعية وسياسية ذات ملامح روسية بحتة .

إلاّ أن في مراحل تطور مضمون هذه الكلمة وانتقالها إلى البلدان الأخرى عكست ظواهر اجتماعية وسياسية أخرى ومختلفة ومقترنة بطبيعة التطورات السياسية والاجتماعية للمجتمعات المختلفة. فعندما تشير الموسوعة المقارنة إلى أن كلمة المثقفين، في اللغتين الفرنسية والأنكليزية لم يكن القصد منها، في السابق، الإشارة إلى طبقة أو فئة اجتماعية إنما في الحقيقة يرتبط (القصد)هذا بطبيعة تطور قوى الإنتاج وما ترتب عليها من نتائج في الترتيب الطبقي والفئوي عقب الثورة الصناعية الأولى، وعندما أضحت تباشير التطور الأداري والتنظيمي الكبير على عتبة الصناعات الضخمة، وعندما برزت فئات تختص بهذا العمل وبشكل أعمق وأوضح، عند ذاك ظهرت كلمة المثقف وبزيادة مطردة في اللغة الانكليزية والفرنسية.

وهذا ما يؤكده بعض الكتاب بأن اسم المثقف، لم يظهر في اللغة الفرنسية مثلاً، إلاّ في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، هذه الظاهرة مرتبطة أساساً ببنية قوى الأنتاج التي تتميز في نمط الأنتاج الرأسمالي بسمة جوهرية هي تعميق انقسام العمل إلى يدوي وفكري، بنقل حركة مزدوجة تقوم بتبضيع العمل الحرفي وبتشديد التخصص فيه تشديداً يستحيل فيه العمل إلى درجة عالية من الرتابة. وعلى العكس من ذلك، بالنسبة للغتين الألمانية والروسية. فبالنسبة للأولى يرجع ارتباط كلمةIntellektuale بالإبداع والانتقاد، أساساً إلى غزارة الإنتاج الفكري والفلسفي في ألمانيا من جهة، وإلى سيادة فلسفة النقد الهيغلي - الماركسي في الفكر الألماني من جهة أخرى، والذي لم يكن هذا الفكر بأي شكل من الأشكال بعيداً عن مجمل العوامل الموضوعية السائدة آنذاك. أما بالنسبة للغة الروسية، فأنه لايهمنا كون كلمة Intelligentsia لغوياً، روسية الأصل أم لاتينية بقدر مايهمنا، وبالدرجة الأولى، كون جملة عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية أفرزت ظاهرة متميزة فريدة من نوعها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ففي محيط متخلف تأثر قسم من الطبقة الوسطى الروسية، وبعض النبلاء، بل وحتى أبناء الفلاحين، بالأفكار الاجتماعية والسياسية السائدة في الغرب من جهة، كما وأن إثباط عزيمتها وخيبة آمالها وإلجام حريتها في التعبير الفكري من قبل الأوتوقراطية الروسية وخضوعها لنظام مراقبة سياسية صارمة من جهة أخرى، أدت هذه العوامل مجتمعة إلى ظهور النواة الأولى للأنتلجنسيا الروسية في صفوف محترفي القانون والطب والهندسة والتدريس، كما شملت فئات أخرى من البيروقراطين وملاكي الأراضي وضباط الجيش. ويفرق برديائيف مؤلف، منابع الشيوعية الروسية ومعناها بين الأنتلجنسيا الروسية التي تمخضت عن هذه الظروف وبين ظاهرة المثقفين في المجتمعات الأخرى، بقوله بأن المثقفين هم الذين يقع عليهم الجهد والأبداع الثقافيين من علماء وكتاب وأساتذة، بينما تمثل الأنتلجنسيا الروسية تكويناً مختلفاً تمام الاختلاف، فيستطيع الانتماء إليه رجال قد لاتكون اهتماماتهم من النوع الثقافي، وممن لايكونون أعضاء في صفوفها فلها مفهومها عن العالم، لايستطيع أحدها التخلي عنه، ولها طباعها وعاداتها الخاصة، بل لها مظهرها الطبيعي الخاص بها، فكانت الأنتلجنسيا، إذن جماعة من الناس ضمتها أيديولوجيا واحدة لاتربط أفرادها رابطة مهنية أو اقتصادية وإنما جاء أعضاؤها من مختلف الطبقات الاجتماعية.

أما بالنسبة لـ بوتومور مؤلف "الصفوة والمجتمع" فأنه ميّز الأنتلجنسيا عن المثقفين باعتبار أن الـ Intelligentsia استخدمت أول مااستخدمت في روسيا خلال القرن التاسع عشر للأشارة إلى الذين تلقوا تعليماً جامعياً يؤهلهم للاشتغال بالمهن الفنية العليا، ثم اتسع مدلولها بعد ذلك حينما استخدمها عدد من الكتاب لكي يشمل كل أولئك الذين ينخرطون في مهن غير يدوية. غير أنه من الملاحظ، أن هذا التفريق والتمييز بين الأنتلجنسيا والمثقفين كان وارداً وصحيحاً، إلاّ أن الروابط المشتركة الرئيسة التي كانت تجمع الأنتلجنسيا الروسية، لم تكن، كما حددها برديائيف، في طباعها وعاداتها الخاصة أو مظهرها الطبيعي أو الآيديولوجي، ولم يكن التعليم الجامعي ومايخص المهن غير اليدوية، كما هو عند بوتومور، ذلك لأنه كان هناك الكثير ممن حصلوا على ثقافة عالية وتعليم جامعي يعملون في خدمة النظام القيصري ولم يكونوا، بالتعريف في الأنتلجنسيا الروسية، كما كان هناك الكثير ممن ليس لهم اهتمامات ثقافية، هم أعضاء في هذه الجماعة.

فالفجوة الكبيرة بين الجماعة التي أنعمت بالثقافة الجديدة والتعليم العالي. بأن كلمة Intelligentsia ظهرت في الواقع الموضوعي قبل ظهورها لغوياً وتبلورها بالشكل الحالي .

فالعوامل التي أفرزت ظاهرة المثقفين في روسيا القيصرية هي التي أدت إلى أن تكون الكلمة شكلاً ومضموناً، لغوياً وسياسياً، روسية الأصل. فعندما يشير الملحق الأدبي لمجلة Times الصادرة في 12»آب»1960 بأن المعنى الحديث لكلمة Intellectual لم يكن شائع الاستعمال قبل سنة 1900 ثم أخذت تحل في الاستعمال محل الكلمة الروسية Intelligensia، إنما في الحقيقة يؤكد دخول هذه الكلمة شكلاً ومضموناً طوراً جديداً مرتبطاً بطبيعة النظم السياسية والاجتماعية المختلفة ومتطبّعةً بخصائصها المتميزة عن تلك التي كانت سائدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أبّان النظام القيصري في روسيا.

إلاّ أن انتقال ظاهرة المثقفين من موطنها الأصلي روسيا حملت، في بعض جوانبها، مفهوم رفض النظام السياسي والاجتماعي، وبدرجة متفاوتة من نظام إلى آخر، وهذا ما نجده عند الكثير من الكتاب.

يوسف محسن

كاتب عراقي