في الطريق لمشافي الأسئلة

حددت أبعادا لوجهها ولا أدري لماذا أخترت الممتلئ

كان الهَمُ محصوراً في قارة ما، ولكنه هذه المرة قفز نحو الساحة الأفريقية وبدأ الفعل فعله فكان لا بد علي أن أتهيأ للإستجواب المرتقب ويقينا قلت الأسئلة التي ستوجهها لي ستكون في الأدب عن نجيب محفوظ أو طه حسين وإن كانت لا تتذكر هؤلاء، ستسألني عن إحسان عبدالقدوس.

وفي الفن .. لا بد وأن تسألني عن أم كلثوم سيرتها وربما مَن كَتَبَ لها أغانيها، وأعدت الى ذاكرتي ما أستطعت وقلت من يقول ربما تسألني عن الجيل الذي تلى جيل السيدة، وقطعا ستسألني عن عبدالحليم حافظ وقلت لا حاجة أن أشحذ ذاكرتي بإتجاه العندليب الأسمر فقد حفظت أغانيه وكذلك أفلامه من "الخطايا" إلى "أبي فوق الشجرة"، ولكونها ليست فارغة وفي عقلها شيء ما، حتما ستسألني عن نابليون بونابرت ومحمد علي والقناطر الخيرية وستستعين بالتاريخ وتسألني متى تم الفتح الإسلامي لمصر وماذا عمل عمرو بن العاص في النوبة، ولا بد لها من شيء من الجغرافيا، الحدود مثلا وكذلك الأنهار ورياح الخماسين وسيناء والمقطم والسلسلة الجبلية التي تقع على البحر الأحمر ومن يدري ربما لديها ما يكفي من تاريخ مصر الحديث فتناقشني عن جمال عبدالناصر وأنور السادات وفاروق وزيجاته.

قلت لها في أول إتصال اليوم وغدا سأكون في البحر، إما أن ترسلي لي رقم جوالك كي أتصل أو نلتقي صباح السبت ضمن المربع الصغير على شاشة الكمبيوتر، ولم تكن هناك إلا دقائق للإنتظار والى هذه اللحظة وأنا أتابع الغبار، وتهيأ لي بأنه بدأ يلم حقائبهُ ليرحل، وبدا الأفق وكأنه يمسح بعطش الضوء والأشياء الغائبة تعاود كرتها للظهور ولم تنعكس رغبتي على سببية ما أو على علة من العلل حين أخبرتني أن لديها من الوقت ما يكفي لأنها بدأت بتفحص الأشياء الساكنة كي يكون لها قرارها.

ولاشك بأنها نأت عن المكان حين ابتعدت بإجابتها عن المشاتل، ولم تكمل أين موقع تلك البيوت من المشاتل رغم أنها كانت هناك وأن شهر سبتمبر/أيلول هو في الربع الأخير من السنة ولم تصدأ بعد مرآته، قلت أما أنا سأخبرك لاحقا عن خاصياتي وكنت أعني بها تلك الخاصيات التي تشكل الجوهر والذات وليست الخصوصيات المشاعة التي طالما تتدحرج طواعية على سلم المغايرة.

في (أورلي) ...

حددت أبعادا لوجهها ولا أدري لماذا أخترت الممتلئ

وحددت جسدها ولا أدري لم أخترت السيقان الطويلة

ولشفتيها ندى الماء فوق الورود الحمراء

وبقيت أرسم وأرسم وقلت:

الى أن يعلن المنادي الدخول الى الطائرة،

والى وفي هذا الوقت وكلما أختفى شيءٌ من الغبار تكشفت مساحة من البحر وفي ذهني تموء أفكاري كقطط جائعة.

ربما أنتظر اليوم والجمعة والسبت وسأجد إجابات ما بعد إجاباتي.

ولكني ماذا أنتظر بعد يونيو/حزيران غير أن أحملُها السلامَ لساحةِ بيروت وأظل هنا كل يوم أقرأ أسماء المراكب التي تدخل الميناء، والمراكب التي تدخل معجم الذكرى، والمراكب التي تحمل رسائلي إليها، الى أن تمتلئ مشافي الروح بالأسئلة.