مصر.. تطور المنظمات الجهادية من السبعينيات

تداخل الجهاديين والإخوانيين والصلة سيد قطب

لم يمر عامين على الضربة التى تلقتها جماعة الإخوان المسلمين وإعدام ثلاثة من قياداتها فى 1965 الاّ وحدثت هزيمة 1967 والتى تعتبر أكبر هزيمة يمنى بها الجيش المصرى منذ إنكسار جيش عرابى وإحتلال مصر فى 1882، تلك الهزيمة المزلزلة فى 67 والتى إعتبرها الإخوان إنتقام إلهى مما أحاق بهم من النظام الناصرى، لكن تلك الهزيمة فى المجمل وضعت خط النهاية للمشروع القومى الناصرى ودفعت الكثير من الأجيال الشابة للبحث عن أيديوليجيات بديلة للفكر القومى متمثلا فى إحياء أفكارا وتنظيمات شيوعية وإسلامية ذات طابع راديكالى، وفى تلك الأثناء كان النظام مشغولا بما عرّفه بإزالة آثار العدوان والصراعات على السلطة بين عبد الناصر وعبد الحكيم وتصفية حرب اليمن، وفى خضم ذلك جاء رحيل عبد الناصر فى 1970 قبل أن يكمل مشروعه لتحرير سيناء وإستعادة كرامته وكرامة الوطن، وتم التوافق سريعا بين أقطااب النظام الناصرى على إختيار أنور السادات رئيسا طمعا منهم فى ما بدا من مظاهر ضعف عليه تمكنهم من القيادة والسيطرة على مقاليد الوطن، لكن خاب فألهم وإستطاع ذلك الثعلب أن يقضى عليهم ويقدمهم جميعا لمحاكمات عسكرية ويزج بهم فى السجون.

فى تلك المرحلة المضطربة من تاريخ مصر حيث إنتفض الشعب المصرى بطلائعه فى الجامعات المصرية مطالبا بالحرب الشعبية وتحرير الأرض، تم ذلك بقيادة اليسار بشقيه الناصرى والماركسى ما دفع أنور السادات وقتها للإفراج عن الإخوان المسلمين من السجون وتمكينهم وبقية قوى الإسلام السياسى من حرية العمل بالجامعات لمواجهة قوى اليسار، كذلك مساعدتهم للسيطرة على منابر المساجد فى مختلف المحافظات فوجدنا محمود عيد بمسجد السلام بالهداية بالأسكندرية ومسجد القائد إبراهيم يعتلى منبره الشيخ أحمد المحلاوى وياسين رشدى فى مسجد المواساة وفى طنطا لاشين أبو شنب والقاهرة عبد الحميد كشك وعشرات غيرهم، ونشطت حلقات الدرس بالمساجد والندوات الدينية بالجامعات كبؤر جاهزة لتجنيد الشباب للجماعات الدينية وبرز من بين قادة الجماعة الإسلامية عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وحلمى الجزار وغيرهم، من هنا بدأت تنظيمات الإسلام السياسى فى التغلغل والإذهار وفى القلب منها جماعة الإخوان المسلمين "الإحياء الثانى" حيث كان مرجعهم الأساسى كتابات سيد قطب، ومن خلال مجموعة شباب محمد بالجامعة إنبثقت الجماعة الإسلامية بقوة لتسيطر على الحركة الطلابية بالجامعات ولكنها إنقسمت فيما بعد الى جماعتين، الشق الأول بقيادة أبو الفتوح أعلنت إنضمامها للإخوان المسلمين بقيادة مرشدهم الثالث عمر التلمسانى بينما المجموعة الأخرى والتى سميت بمجموعة الصعيد قررت الإنحياز للسلفية الجهادية بقيادة كرم زهدى وناجح إبراهيم وغيرهما.

فى تلك السنوات (71 – 1977) إنفتحت ماسورة التنظيمات الدينية لتتكاثر وتتوالد من بينها تنظيم أسسه وقادة الجهادى الفلسطينى د.صالح سرية والذى بايع مرشد الإخوان حينها المستشار حسن الهضيبى وكانت واسطته فى ذلك زينب الغزالى، وقام تنظيمه بمحاولة إنقلاب فاشلة عرفت باسم عملية الفنية العسكرية التى تم وأدها وإعدام كل من صالح سرية وكارم الأناضولى بينما خفف حكم الإعدام على طلال الإنصارى الى المؤبد، بعدها أسس شكرى مصطفى "القطبى المعتقد والهوية" تنظيمه "جماعة المسلمين" الذى إشتهر باسم التكفير والهجرة ودخل به فى صدام متكرر مع السلطة ولكن مغامرته الكبرى كانت فى خطف وقتل الشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف المصري السابق ليتم دهم أوكار الجماعة والزج بكوادرهم فى السجون لينتهى الأمر بإعدام خمسة من قيلدتهم على رأسهم شكرى مصطفى، وكان التكفير هو العـنصر الأساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعة. فهم يكفرون كل من ارتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها، وكذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم. أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد ودمه حلال ومستباح، وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين، وكل من أخذ بأقوال الأئمة أو بالإجماع ـ حتى ولو كان إجماع الصحابة ـ أو بالقياس أو بالمصلحة المرسلة أو بالاستحسان ونحوها فهو في نظرهم مشرك كافر.

جماعة الجهاد

والتى تعتبر إمتدادا لتنظيم الفنية العسكرية حيث أن معظم قياداتها كانت على صلة بهذا التنظيم، وتم حلها أكثر من مرّة وإعادة دمجها مع تنظيمات أخرى الى أن إستطاع مهندس ومفكّر جهادى وقيادة تنظيمية متميزة هو محمد عبد السلام فرج صاحب كتاب الفريضة الغائبة أن يعيد بلورة التنظيم فى نهاية السبعينات وأن يستقطب عناصر مهمة كطارق وعبود الزمر ونبيل المغربى وإستطاع ضم قيادات الجماعة الإسلامية بالصعيد معه لإنجاز عملية إغتيال السادات، وبعد إعدام عبد السلام فرج وخالد الإسلامبولى بسبب عملية اغتيال السادات والقبض على معظم كوادرهم وقيادتهم وتشديد الأحكام عليهم، وكعادة جماعة الجهاد فقد تشظت مرّة أخرى الى شظايا متعددة حول قضايا مختلفة منها ما أثير حول عدم جواز ولاية الضرير " المقصود الشيخ عمر عبد الرحمن" أو ولاية الأسير "وهو المقدم عبود الزمر" وخلافات أخرى كثيرة مع إتهامات بالخيانة والعمالة لأجهزة الأمن الأمر الذى تضاءل كثيرا بعد بالهرب من البلاد بسبب الحملة الأمنية ضدهم، حيث كانت أفغانستان الملاذ الأكثر أمنا، والتي بدأت تتحول إلى "ساحة جهادية" وشجعت الولايات المتحدة، ودول الخليج العربي سفر الشبان المسلمين للقتال ضد الاتحاد السوفيتي، وضد الحكومة الشيوعية في كابول ذلك الرحيل الجماعى لأفغانستان للجهاد ضد الإتحاد السوفييتى الكافر، هناك فى بيشاور حيث ترك سيد إمام الشريف إمارة الجماعة، وأصبحت خيوطها في يد الظواهري الذى تحالف مع أسامة بن لادن لإنشاء تنظيم القاعدة ومبايعة الملا عمر أميرا للمسلمين، وأراد آخرون ممن عادوا من أفغانستان إعادة التجربة في أماكن أخرى، فشاركوا في القتال في البوسنة، وطاجيكستان، والشيشان، وشكل مقتل بن لادن تحدياً للقاعدة، وللحركات الجهادية، لكن التحدي الأكبر كان الربيع العربي فتكتيكات التظاهر وحدها أسقطت أنظمة قوية في المنطقة كتونس، ومصر، واليمن وهمشت الإيديولوجية الجهادية، لكن تصاعد العنف في أكثر من مكان في العالم العربي، فى سيناء واليمن وسوريا، أعاد الزخم لتلك الحركات، وتحولت سوريا إلى منطقة جاذبة للجهاديين من كل أنحاء العالم، وتعددت الحركات الجهادية المسلحة فيها.

بدأ تاريخ الجماعات التكفيرية والجهادية فى سيناء مع نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات، بعد أن ظهرت 3 جماعات هى السلفية الجهادية وتنظيم الجهاد وجماعة "التكفير والهجرة"، وبعد الإطاحة بجماعة الإخوان ونظام مرسى فقد وصل عددها إلى 8 جماعات، من بينها جماعة «أصحاب الرايات السوداء» وهى التى أعلنت عقب ثورة يناير عن تحويل سيناء لإمارة إسلامية، والتى انضم إليها جماعة «جند الإسلام» وتحمل تلك الجماعة الأفكار التكفيرية المتشددة،، عدد كبير من أعضائها تلقى تدريبات عسكرية على أيدى الجماعات الجهادية فى غزة، وبجبل الحلال،

ثم تأتى جماعة "التكفير والهجرة" وهى قريبة الشبه فى معتقداتها من جماعة "أصحاب الرايات السوداء"، وتعتقد تلك الجماعة أن الحاكم والجيش المصرى يساندان اليهود، لذلك فدماؤهم مهدرة، لقد أصبحت سيناء حاضنة للتنظيمات الإسلامية برغم طابعها القبلى وانتشار السلفية "العلمية" والصوفية فى خمسينيات القرن الماضى، لكنّ تطرفها الجغرافى وعدم إهتمام المركز بها وقربها من إسرائيل ساعد على نشأة التيارات الجهادية التى وجدت الجبال بيئة خصبة للتدريب العسكرى، وساعد فى ذلك وجود نقاط تماس مع المدن الفلسطينية، حتى إنّ الكثير من هذه التيارات ارتبط فكرياً وتنظيماً بتنظيمات جهادية أخرى فى غزة، وأصبح هناك دعم لوجيستى متبادل بين الطرفين: سيناء مكان للتدريب، وغزة مكان لتصدير السلاح، وقد يحدث العكس، وفى الحالين فقد لعبت الأنفاق دوراً مهماً فى الربط الجغرافى والفكرى بين هذه التنظيمات.

رياض حسن محرم

كاتب مصري