مخرجة موريتانية شابة: مغامرتي السينمائية جعلتني أكثر وعيًا بطبائع البشر وأفكارهم

الحرية هي معنى الوجود والحياة

سابحة بزورق الطموحات في بحرٍ من الأحلام العظيمة نحو مستقبل لا يعرف للنجاح حدودًا، إيمانها بأن الفنان الجيد هو خير سفير لبلده يجعلها تحمل راية الاعتزاز بجذورها الموريتانية رغم ثقافتها الشمولية الممتدة بامتداد العالم، في ثقتها بنفسها عنفوان وجاذبية تستحقان سبر أغوارهما وكشف أسرارهما، وعلى أمل أن تفتح لنا المخرجة الموريتانية الشابة مي مصطفى نوافذ تلك الأسرار حاورناها متسللين بأسئلتنا إلى عوالمها الفنية فأجابت بكل سخاء قائلة:

يقولون: "رب صُدفة خير من ألف ميعاد"، وحكايتي مع عشق السينما بدأت بصدفة عندما كنت في الثامنة من عمري، إذ حدث خطأ في البث العام التلفزيوني عندما كنا نعيش تلك الفترة في ليبيا، وكأن البث موحدًا، المهم حدث خطأ وتم بث فيلم سينمائي أجنبي اسمه G.I. Jane من بطولة ديمي مور وإخراج ريدلي سكوت. انبهاري بالفيلم قادني نحو رحلة البحث عن الأفلام ومشاهدتها، وتمخض عن حلم أن أصبح يوما جزءا من فيلم.

وتأتي الأيام وتذهب وأكتشف حبي للتصوير الفوتوغرافي، ومن هنا كانت علاقتي مع الصورة وعالم الصورة. استمر حلم السينما بمغازلة طموحاتي حتى عام 2012 عندما قررت أن أخطو أول خطوة سينمائية عملية، وأخرجت فيلما قصيرًا تحت عنوان "نوستالجيا"، وفيلما آخر في نفس العام اسمه "موعد انتظار"، ورغم أنني اعتبرتهما مجرد تجربتين مبتدئتين؛ إلا أنهما شاركا في المهرجان الوطني في موريتانيا، ونالتا إعجاب وتشجيع البعض، عندها قررت غياب فترة عن ساحة العمل السينمائي حتى أطوّر من أعمالي وأقدم مُنجزًا سينمائيًا أجمل،

وتضيف: بالفعل قضيت عامًا من تعليم وتدريب الذات من خلال الورشات السينمائية والقراءة المتعمقة في مجال الإخراج، وفي عام 2014 صنعت فيلمي "النهاية" بغرض عرضه عبر "يوتيوب" لا أكثر، لكن تشجيع أصدقائي دفعني لإرساله إلى بعض المهرجانات السينمائية، فنال حظ المُشاركة في أكثر من 33 مهرجانا دوليا في باريس، ستوكهولم، بغداد، الجزائر، بريطانيا، والمغرب.

وفي عام 2015 أخرجت فيلما آخر تحت عنوان "عشتار وايزيس"؛ وقد نجح الفيلم بحصده جائزة لجنة التحكيم في المهرجان الدولي للفيلم في موريتانيا، وفي عام 2016 نال تنويه لجنة التحكيم في مهرجان قابس للفيلم العربي في تونس. وبعد هذا النجاح بفترة قصيرة أصبحت أكثر ثقة بأنني اخترت الطريق الصحيح، لأن نجاحي كان ثمرة جهد ومثابرة شخصية، والأفلام التي كنت أصنعها كانت تصويري وإنتاجي ومونتاجي وإخراجي، لم يساعدني مخلوق سوى شغفي بالسينما.

في نهاية عام 2016 أخرجت فيلما تحت عنوان "الصندوق الاول"، وفي نفس الفترة التي كنت أعكف خلالها على إخراج الفيلم حصلت على منحة لدراسة الاخراج السينمائي على مقاعد المعهد العالي للسينما في مصر.

وتشعر المخرجة الموريتانية الشابة مي مصطفى أن ما حدث معها هو شبيه إلى حد كبير بفيلم سينمائي مشوّق، وهو ما عزز ثقتها بأن روح الإنسان عندما تمتلئ شغفا بحلم ما فسيسانده القدر لتحقيقه.

وتؤكد مي مصطفى أن علاقتها بالفن ليست مقتصرة على السينما فقط؛ وتقول: أنا أصور وأرسم وأعزف، ولكن السينما هي أقرب هذه الأدوات الفنية لقلبي. ومن خلال مغامرتي السينمائية المتواضعة اكتشفت نفسي والعالم وجوهر الحياة الوجودي، وفي كل فيلم أشاهده أو أخرجه أكتشف سرًا جديدا ومعنى للوجود. السينما جعلتني أكثر ثقة في نفسي أكثر قوة أكثر هدوء في مواجهة الحياة والصعاب وأكثر وعيًا بطبيعة البشر وأفكارهم.

وتعتقد المخرجة الشابة أن من واجب الفنان أن يرتقي بالجمهور إلى أعلى مستوى ممكن فكريا وفنيا، هذا هو الفن وهذا هو جوهر الفن وهدفه. وتقول: أنا أحب اللعب بين السطور، وأظن أن من دلائل نجاحي كمخرجة إثارة الفضول في نفس المُشاهد لاكتشاف فكرة العمل؛ لا أن أقدم له الفكرة بكل سهولة وسطحية.

وعن العقبات التي قابلتها توضح مي مصطفى: أنا امرأة ومن مجتمع عربي شرقي، العقبات في وجهي أكبر وأصعب من الرجل وخاصة في هذا المجال، منها نظرة المجتمع غير المُريحة لكل امرأة تعمل في مجال السينما. وعلى صعيد شخصي يمكنني اختصار العقبات والمشكلات في زاويتين؛ الأولى صعوبة إيجاد شريك حياة يمتلك قوة شخصية وثقة كافية بالنفس للارتباط بمخرجة، والثانية أنا شخصيا على قطيعة مع بعض أقاربي بسبب اختياري لهذا المجال الذي يعتبرونه عيبا وعارا للمرأة، لكنني مؤمنة أن الصعاب هي التي تصنعنا.

وعلى اعتبار أن كل الكائنات الحية نالت حقوقها كاملة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ فإن مي مصطفى سوف تجلس لاحتساء قهوتها بهدوء، وتتصفح كتابا، وتستمتع بالحياة سعيدة بكون الجميع يعيش بحرية لأن الحرية هي معنى الوجود والحياة.