الإسلاميون العراقيون وفقه التبعية والعمالة

من السهولة التأكد من خلال ما لا يمكن إحصاؤه من المواقف أن حزب لدعوة الإسلامية سواء بحساب السياسة أو بحساب القانون هو حزب عميل لإيران ولا يمكن له أن يجتمع ومفهوم الوطنية

توجه إهتمام غالبية المثقفين الوطنيين نحو تأكيد علي الأديب القيادي في حزب الدعوة على أن العلمانيين هم أصحاب فكر تابع لدوائر فقهية من خارج الحدود، أي بالمعنى السياسي هم عملاء بالعقل واللسان إن لم يكن باليد أيضا. هذا التأكيد كان قد فتح شهية الكتاب الذين لم يجدوا صعوبة تذكر وهم يعيدون الكرة إلى ملعب الأديب نفسه.

بعيدا عن الدخول إلى الميدان من خلال البوابة الفقهية التي تؤدي بطبيعة الحال مباشرة لمعرفة أن الفقه السياسي الإسلامي، سواء كان شيعيا أو سنيا، هو فقه أممي وعابر، ليس للوطنية وحدها، وإنما للإقليمية والقارية أيضا، فإن الدخول من خلال البوابة السياسية والميدانية سوف يضعنا مباشرة في مواجهة تجربة الإسلاميين في العراق وفي مقدمتهم حزب الدعوة خلال سنوات ما بعد الاحتلال، وهنا فإن من السهولة على المرء أن يتأكد من خلال ما لا يمكن إحصاؤه من المواقف أن هذا الحزب، سواء بحساب السياسة أو بحساب القانون، هو حزب عميل لإيران ولا يمكن له أن يجتمع ومفهوم الوطنية تحت سقف واحد.

إن كثيرا من العراقيين، عامتهم أو سياسيوهم، كانوا قد عانوا كثيرا في ظل نظام صدام حسين لأسباب متفرقة وفي مقدمتها دكتاتوريته وداء العظمة الذي اصابه، وسياسته القمعية التي لم تكن ترحم أحدا، إضافة إلى حالة الحروب التي أحاطت بهم والحصار الذي ادى لتحضير مجتمعهم لإنهيارات متعددة المشاهد، لكن كان من سوء حظ العراقيين أن البديل للنظام أتى سيئا بشكل يفوق الوصف.

وفي حين أن واحدا من الأخطاء الكبيرة التي إرتكبها صدام كان تجلى في محاولته منح العراق حجما يفوق حجمه الحقيقي نتيجة لطموحات زعامية شخصية، مما جعله في مواجهة إستراتيجيات ومصالح دولية إتفقت على إسقاطه، فإن الإثم الكبير الذي إرتكبه البدائل جاء على النقيض يوم عمل هؤلاء على تقزيم العراق إلى حد تصفير هويته الوطنية وجعله تبعا لدولة مجاورة هي إيران.

ولقد صار من سوء حظ العراق أن يعاني مرتين، واحدة من محاولة تضخيمه أكثر مما يجب، وواحدة من محاولة تقزيمه أكثر مما يجب، في وقت كانت المحافظة عليه كدولة وشعب تتطلب دهاء يفضي إلى منحه المساحة الزمينة الكافية لكي يتكون كدولة ولكي يتوحد كشعب. وفي حضور صدام حسين صرنا أمام فرد يحاول أن يتقمص شخصية ستالين في بلد غير بلده، وفي زمن غير زمنه .

على مستويات عدة لا يمكن عزل المأساة التي تكللت بالاحتلال بمعزل عن مراجعة فكر البعث نفسه وذلك في ما يتعلق بماهية وحاجات الدولة الوطنية. إن كثيرا من أخطاء صدام وآثامه كانت نتيجة لتضخم عقدة الذات، لكن عقدة الذات هنا لا يمكن عزلها عن عقدة الحزب نفسه وذلك على مستوى ترتيب العلاقة بين ما هو قومي وما هو وطني. لقد نشأ صدام في أحضان حزب كان يعتبر الوطنية معادلة للقطرية وكان يعتبر هذه الأخيرة سبة يلقيها في وجه المنشقين عليه.

وفي كل الأحوال فإن التعويم البعثي للحالة الوطنية، التي كانت السبب الاساسي وراء إنفجار الصراعات العراقية في المرحلة القاسمية الوطنية، لا يمكن ترتيبه في خانة التبعية، لأن العقيدة البعثية التي تقوم على مبدأ الأمة العربية الواحدة لا تؤدي بالنتيجة إلى إلحاق العراق بدولة أجنبية، بل أراه على العكس من ذلك ينهج بالمنحى المعاكس. ويظل الخطأ هنا كما أسلفت هو تعويم ما هو وطني لصالح ما هو قومي بالشكل الذي ادى لتأسيس حالة الصدامات والإنفجارات السياسية الداخلية التي حصلت في كل من العراق وسوريا، ومع هذه الأخيرة كانت تجربة إنفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة كفيلة بتأشير هذا الخلل المركزي الذي كان يجب الوقوف أمامه لإعادة النظر بمثالية العقيدة البعثية التي لا تخلو من إسقاطات تجريدية لما هو تاريخي على ما هو موضوعي وإلغاء واقعية البراغماتية لصالح مثالية الأدلجة.

على الجهة المقابلة الفكر الإسلامي السياسي على المستوى العقائدي هو حالة إلغاء لما هو وطني لصالح ما هو إسلامي إقليمي وأممي. والإسلام على العموم هو ديانة عالمية متى تسيست فإن حالته الأممية والإقليمة تتقاطع بحدة مع الهويات الوطنية. وأمامنا في هذا المشهد ثلاثة تجارب كبيرة، الأولى بطلها الأخوان المسلمون في مصر،أما الثانية فبطلها الإسلام السياسي في العراق، وأما الثالثة فبطلها الإسلام التكفيري الوهابي ممثلا بالقاعدة وداعش وما بينهما من الحركات التي تريد العودة إلى الماضي من خلال أسلمة العالم بالقوة والإكراه.

في مصر، لم تفت غير سنة واحدة من عمر نظام الإخوان حتى بان تقاطعه وتضاده مع الهوية الوطنية المصرية التي تقتضي ثنائيتها الدينية على الأقل نظاما سياسيا علمانيا هو الوحيد الصالح كبوابة اساسية ووحيدة لمنع التشضي الإجتماعي والحيلولة دون دخول مصر في مأزق الحروب الإهلية أو هيمنة نظام ديني متخلف وقاهر يتقاطع مع بنيتها الإجتماعية وتاريخها الحضاري الذي يمتد إلى عمق الحضارة الفرعونية.

على الصعيد العراقي فإن الوحدة الاجتماعية، لا بل وبقاء دولة العراق الوطنية يشترط وجود نظام علماني من شأنه أن يقضي على فرص الصراعات الطائفية التي لا طريق أمامها غير طريق الإستقواء بالدول المجاورة.

واليوم فإن الحديث عن وجود دولة وطنية عراقية ذات سيادة في ظل الإسلام السياسي العراقي أصبح حديثا نشازا، وحتى مضحكا. والأمر لا يقبل التفسير السياسي فقط وإنما هو يتأسس على طبيعة البنية الطائفية لهذا الإسلام، بشقية الشيعي والسني، والذي لا طريق أمامه سوى التاسيس للتبعية والتقاطع مع حالة الدولة الوطنية العراقية التي تشترط على خط شروعها توفر عامل السيادة وعامل الوحدة الإجتماعية، الذي لا يتمكن الإسلام السياسي العراقي على توفيرهما، ليس لعجز وقلة حيلة، وإنما لتقاطعات وتضادات ذات طابع بنيوي وفقهي يجعله في موقع الخصم اللدود لهما وليس موقع الصديق العاجز.

جعفر المظفر

كاتب وطبيب عراقي

ملخص مقال: علي الأديب.. ووقفة التبعية والعمالة