الاقتراب من الاسوار الهادئة للرئيس: في ذكرى انبثاق الحزب الديمقراطي الكردستاني

في ظل السخونة السياسية ولهيب شهر آب من عام 1946 وفي أعقاب جمهورية مهاباد الكردية ترأس مصطفى بارزاني مؤسس الحركة الكردية المعاصرة الحزب الديمقراطي الكردستاني باعتباره حزبا ثوري العقيدة، سياسي الاتجاه، قومي الاهداف بعيدا عن الجمود والانطواء السياسي خاصة في الوقت الحالي ورئاسة الحزب الان في عهدة السياسي المحنك وحامل راية تأسيس الدولة الكردية مسعود بارزاني باعتباره رئيسا للحزب في حين يتبوأ نيجيرفان بارزاني منصب نائب الرئيس باعتباره نجل ادريس البارزاني أحد المراجع البارزة للحزب. وقد خطا حزب بارزاني في العقود السبعة الماضية خطوات ثابتة وكبيرة كحزب تنظيمي وسياسي وفكري استطاع خلال الـ 71 سنة الماضية من عمر الحزب ومنذ تأسيس ميثاقه الوطني ان يرسخ وجوده السياسي والفكري في المجتمع الكردستاني وعلى الساحة العراقية بحيث استطاع ان يؤسس لقاعدة جماهيرية واسعة النطاق في كردستان ويتبنى مبادرات جريئة ومتقدمة مقارنة بالأحزاب السياسية الموجودة في الساحة الكردستانية والعراقية. فلم تكن أطروحات حزب الديمقراطي مجرد تنظيرات حزبية تتسم بالفوقية الفكرية والتعالي السياسي بل كانت تشريعات ومضامين واقعية ومطلبية تتسم بالعقلانية ومراعاة الواقع الحالي لأكراد العراق.

هذه الواقعية أمر مهم جدا في مسيرة الديمقراطي الكردستاني وفي مسيرة الاحزاب العصرية الحديثة. فكثير من الاحزاب ماتت وتلاشت حينما تبنت أفكار ومضامين نظرية غير واقعية أدت بها هذه الأفكار إلى التصادم بالمجتمع والتلاشي والانهيار الداخلي مثل التجربة الماركسية، علما أن مسيرة الحزب قد تعرض الي العديد من المؤامرات والانتكاسات التي كانت أسبابها صراعات ومؤامرات دولية ضد الشعب الكردي مثل معاهدة الجزائر، معاهدة الغدر والخيانة بين صدام حسين وشاه ايران على حساب القضية الكردية (تأريخنا كله محنة وأيامنا كلها كربلاء).

لكن التوافق والاستمرار في الميثاق الوطني للحزب بقيادة مؤسس الحزب الراحل مصطفى البرزاني الذي يعد نضاله بذرة العمل الوطني والسياسي والحزبي والذي أسس لاستمرار وانطلاق الاحداث في موعده مع القدر بخطوات كبيرة وثابتة بمعنى انه حزب أسس من أعلى الهرم الحزبي وصولا إلى القواعد الجماهيرية ليمارس العمل السياسي وينافس في البرلمان والمؤسسات الدستورية ويخطو نحو الاستقلال بخطوات جريئة ومدروسة كما يحدث اليوم. وهذا يعرف عند المهتمين بدراسة الاحزاب والمنظمات بالأحزاب الحديثة ذات النشأة البرلمانية.

لم يكن الحزب الديمقراطي منذ الوهلة الاولى لوميض انبثاقه وتأسيسه في أعقاب قيام جمهورية مهاباد الكردية في كردستان ايران بقيادة الراحل قاضي محمد عام 1946 ذا نشأة غير برلمانية مثل الاحزاب الدينية المتطرفة والبعثية ولم يكن ذا نشأة مرتبطة بتنظير حزبي ضيق أو ارتباط سياسي وفكري ومحيط آخر. فكان تأسيسه على يد مصطفى بارزاني مطابقا لواقع كردستاني مجسد لاحداث تلك الفترة من حياة الشعب.

أما الواقع الحالي للحزب فيكمن في انجذاب الاجيال وشموله سائر المدن الكردية بسبب وحدة الفكر والتنظيم وخطط النضال. وكان لاختيار نيجيرفان بارزاني نائبا للرئيس بارزاني ورئيسا لحكومة كردستان والذي عرف بحنكته السياسية وتعمقه في الشؤون الادارية والحزبية بحيث قضى نيجيرفان معظم حياته السياسية وبالذات الجانب الرسمي منها في مساع مضيئة لبناء علاقات سياسية واقتصادية وثقافية متميزة مع العديد من دول العالم. وقد نجح في مسعاه هذا خلال السنوات الماضية من عمر حكومة كردستان التي رأسها نيجيرفان بارزاني بحيث تجاوز خلال السنوات الأخيرة وبخبرة جيدة في العلاقات الدولية الكثير من حالات التوتر التي عصفت بالعلاقات الثنائية لحكومة اقليم كردستان. لذا عرفت حكومة كردستان في تلك الفترة بانها حكومة التنمية والتطوير. ومن المرجح ان يتمكن الرئيس مسعود بارزاني من معالجة العديد من الملاحظات التي ولّدت وتحملها الجماهير الكردية في اداء الحزب والحكومة في المرحلة القادمة بمعنى أنه يواجه مناخا اكثر صرامة يتطلب معالجة الهفوات السابقة في تقوية نشاط الحزب والحكومة خاصة في مناطق السليمانية وكرميان وفسح المجال اكثر لاصلاحات جديدة في طريقها الى النور.

هنا يجب الحديث وبكل جرأة وامعان لاننا لا نطرح أقوالا مرسلة أو شعارات ولكنها ملاحظات واقعية يجب ان تتحول لبرامج عمل داخل الحزب الديمقراطي والحكومة الكردية ونيجيرفان يتبوأ الان منصب رئيس الحكومة. ان الاداء الحكومي والحزبي في كردستان العراق لا يخلو من فجوات متباينة بين الحزب والمؤسسات الحاكمة وان بعض هذه المؤسسات لا تستجيب لكثير من مقررات وأهداف وأفكار الحزب والحكومة، وعلى مقررات الكابنة الثامنة للحكومة أن تخطو خطوات كبيرة بحيث يكون مطبخا نافعا لكل السياسات الحكومية ويكون الصانع الأول في مشاريعها ويكون عنصرا للتقارب اكثر بين القيادة والجماهير الكردستانية. فإذا عدنا على سبيل المثال إلى توصيات المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني سنجد الجماهير تطالب الحكومة والسلطة بالكثير من الإصلاحات التي يجب اعتمادها والتي لم ينفذ بعضها إلى الآن اضافة الى اعتبار التدريب والتأهيل الحزبي والحكومي أمر مهم جدا في استراتيجية الحزب والحكومة. فتكديس الأعضاء وكثرتهم لا يفيد الحزب ما لم يتلق هؤلاء الأعضاء والأشخاص والكوادر التأهيل والتدريب المنتظم لتعزيز مهاراتهم ورفع معلوماتهم وكفاءتهم الحزبية والادارية والسياسية ليصبحوا قادرين على التعامل مع المعطيات والمتغيرات المستجدة التي يشهدها العالم والعراق والمجتمع الكردستاني. فإذا تتبعنا الصحف الحزبية في كردستان سنجد القليل من الكوادر الحزبية ممن يوصلون هموم الجماهير الى القيادة، فضلاً عما تتسبب به إفرازات بعض السلوكيات الخاطئة لبعض المسؤولين في الحزب والحكومة من ردة فعل في صفوف الشعب وقيادة الحزب بريئة من تصرفاتهم لان هؤلاء يغتصبون شمس الوطن وليس من السهل علينا تجاوزهم فنحن نبكي ونضحك لا خوفا بل حزنا من هذه الانتهاكات غير المبررة. وقد تكون بعض هذه التجاوزات ناتجة عن رواسب الماضي البغيض وقصور في الوعي المجتمعي.

وبناء على استشعار المسؤولية الوطنية واستنادا على ما سبق يبقى التأكيد على حقيقة جوهرية هي أننا نواجه تحديات سياسية واقتصادية وتنموية وأمنية وتحديات ثقافية واجتماعية تتمثل أخطرها في عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ومحاولة وضع حل جذري لمشكلة نقص الخدمات وتحسين الوضع المعاشي اكثر ورفع الدخل الفردي للمواطن ومعالجة معضلة البطالة والبطالة المقنعة عن طريق وضع اسس صائبة لتامين فرص العمل واعطاء كل ذي حق حقه بناء على مؤهلاته وخبراته الحقيقية لا لكونه "ابن عم خياط بدلة الوزير". على أن مواجهة هذه التحديات التي مر ذكرها مجتمعة لا شك أنها تقتضي تكاتف كل أبناء الوطن أحزاباً ومنظمات، سلطة ومعارضة، باعتبار أن هذه التحديات تلحق الضرر بالجميع وتمس بمصالحهم، ودون استثناء لأحد

يجب علينا التمسك بالحوار اكثر لحل القضايا الوطنية والخلافية وتحت سقف المؤسسات والممارسة السلمية والديمقراطية الموجودة في اقليم كردستان وأي تساهل أو تجاوز لهذه الثوابت سوف يجعلنا نظهر أمام الجميع كجزر متقاطعة.

عذرا سيدي الرئيس مسعود بارزاني لاني اقتربت من اسوارك الهادئة وكان خطابي كله أشجانا لكنه خطاب عاجل الى سيادتكم الى سيادة المعلم الكبير.