مَعَالِم.. في طريِق التَّصوف

على نقيض من السلفية والإسلام السياسي

يظل التصوف الإسلامي أبرز مظاهر التاريخ الإسلامي بعد ظاهرة تحول الخلافة الإسلامية الراشدية إلى ملك عضوض، وهذه الظاهرة التاريخية لا يمكن إنكارها أو بالأحرى تجاهلها لاسيما في ظل ثورة النصوص والسير التي وردت عن هؤلاء الصوفية أو أقطاب التصوف وما تزامن معها من أحداث سياسية مضطرمة. ليس فقط بل إن ثراء النصوص الصوفية نفسها هو ما أكسبها مزيتين مهمتين؛ الأولى الانتشار التاريخي لسير أصحاب هذه النصوص وذيوع أخبارهم، والثانية مزية البقاء وشيوعية التداول لها بحيث صارت متداولة على ألسنة العامة قبل المتخصصين والمريدين والأقطاب أيضا.

وما من مؤرخ أو مستشرق يقترب من تاريخ الإسلام إلا ويجد نفسه مضطرا لتناول ظاهرة التصوف الإسلامي بوصفها الظاهرة الأكثر انتشارا وبقاء من ناحية، وبأنها الملمح الإسلامي الذي لم يندثر بخلاف ظاهرتي الخلافة والملك اللتين وجدتا عقب وفاة الرسول وبقيتا بصورة لا تتناسب مع أعداد الأقطار الإسلامية والعربية .

التَّصوف ظاهرَة عالميَّة :

اتخذ التصوف الإسلامي ملامح جديدة ومغايرة للقرون السابقة، فأصبح للتصوف بُعدٌ نظري واضح وعميق عما كان عليه من قبل، وفي هذا يشير مؤرخو التصوف أنه انفتح ـ التصوف الإسلامي ـ على تجارب ثقافية ومعرفية متميزة ومتباينة أيضاً، فتأثر بكثير من التيارات الفكرية والدينية المنتشرة في ذلك الزمان، ولقد تأثر التصوف الإسلامي جد التأثر في هذا القرن بالتيارات الإيرانية الدينية لاسيما التي عرفت بحكمة الإشراق . ولا شك أن هذه التيارات المختلفة استطاعت أن تكسب التجربة الصوفية المعرفية أنماطاً معرفية جديدة وعمقاً وسعة وشمولية في التفكير لم يعرفها من قبل على حد توصيف المستشرقين بذلك. وفي هذا القرن وجدنا التصوف الإسلامي يطلق العنان لتجاربه والتي تجسدت في ميادين أخرى غير التأليف النثري وبيان الأحوال والمقامات.

ولذلك يؤكد المستشرق المتميز جوزيبي سكاتولين أن التصوف الإسلامي لا يأتي يتيما في تاريخ البشر، إنما يأتي في انسجام واسع وتناغم عجيب مع التيارات الروحية الدينية الأخرى . ولعل ما جعل التصوف الإسلامي ظاهرة متفردة أنه جاء مقترنا بالتساؤل وثقافة الأسئلة، كون السؤال بوابة رئيسة للمعرفة وأن أسرار الكون لا يمكن سبرها إلا عن طريق سؤال واعٍ يحتاج إلى إجابات متعددة تقبل التأويل.

ولعل أسرع طريقة لتحقيق غاية العلم وهي المعرفة طرح الأسئلة المباغتة التي تظل قابعة في الذهن بغير حراك لكن المرء على غوايته القديمة يأبى طوعاً تارة وكرهاً تارة أخرى في الدفع بها إلى الشهود والحضور، لذا فمن الأحرى مباغتتك أنت بأسئلة الدهشة. ماذا ستسطر في صفحتك الشخصية بكتاب التاريخ عن واقعك الإنساني الذي عاصرته؟ وكيف ستوصِّف ملامح الجيل الزمني الذي تنتمي إليه؟ وأخيراً هل أتاك حديث الحكمة؟

وبكثرة الأسئلة تستطيع أن تصل إلى يقين المعرفة، فحينما سئل عبد الله بن عباس : بأنى أصبت هذا العلم ؟ قال: "بلسان سئول وقلب عقول"، وقد لا يعي كثيرون أن هناك ما يسمى بمقام اليقين، وهو مقام العابد الذي يفكر بعقل سديد مستنير خالٍ من هوس فتنة الدنيا، وبطش شواغلها الفانية، وهذا اليقين هو المقام الذي ينتقل بك سريعاً من حال الشك المتولد من طرق الأسئلة إلى برهان المعرفة الذي يتحقق عن طريق الثقة في الله وبالله التي لا يعتريها شك أو ظن سلبي، ثقة مفادها اطمئنان القلب مع الله، وهكذا كان حال الأنبياء والرسل مع الله تبارك وتعالى .

الجدير بالذكر الإشارة إلى ملمح استثنائي في تجربة التصوف الإسلامي، هذا الملمح هو التوازي الفريد بين الفكرة والوجدان، وقلما نجد حركات دينية تجمع بين الأمرين دون أن يطغى جانب على آخر، إلا أننا نجد التصوف يستطيع أن يقيم علاقة مستقرة بين حالات الوجدان التي غالباً لا تتسم بالاستقرار وبين الفكرة التي عادة ما تتحول إلى رؤى وأيديولوجية، ولعل هذا التوافق يتحقق جلياً حينما ينبذ المرء الجدل ولا يقرع أبوابه مكتفياً فقط بباب العمل والاجتهاد والتدبر، والصوفي العراقي معروف الكرخي أشار إلى هذا بقوله: "إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شراً أغلق عنه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل". وهذا القول يمثل بلا شك رفض الصوفية لنزعات الكلام واللغو واللغط و فوضى الجدال.

التَّصَوُّفُ الإسْلامِيُّ .. كُنْهُ الحَقِيْقَةِ :

والتصوف في مجمله تجربة ذاتية استثنائية لا تتكرر أو تتشابه، وهذه التجربة تعتمد على القلب والبصيرة النافذة أو الحدس باختصار، وها هو أبو حامد الغزالي يعطي للقلب والحدس أهمية كبيرة في تحقيق المعرفة الصوفية، وشبه الغزالي المعرفة الصوفية بالحوض، وهذا الحوض يمكن أن يأتيه الماء من على سطحه بواسطة الأنهار والأمطار وفي هذه الحالة لا يكون نقيا، وقد نسعى إلى حفر أعماق هذا الحوض (البئر) حتى نصل إلى الماء الصافي الموجود في عمق هذا البئر، عندئذ يكون الماء صافياً نقياً.

فالحال باختصار شديد هو معنى يرد على القلب من غير تعمد من الصوفية ولا اجتلاب ولا اكتساب لهم، من طرب وحزن أو قبض أو شوق أو انزعاج، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال كما يشير فيصل عون تأتي من عين الوجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود، وصاحب المقام ممكن في مقامه وصاحب الحال مترق عن حاله. والقاشاني يقول عن الأحوال: "إن الأحوال هي المواهب الفائضة على العبد من ربه، إما واردة عليه ميراثاً للعمل الصالح المزكي للنفس، المصفى للقلب، وإما نازلة من الحق امتناناً محضاً، وإنما سميت أحوالاً لتحول العبد بها من الرسوم الخلقية ودركات البعد إلى الصفات الحقِّيَّةِ ودرجات القرب.

والصوفية كما يرى أبو حامد الغزالي هم السالكون لطريق الله خاصة، ويحدد أبو حامد الغزالي معالم طريق الصوفية بقوله: "أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله.

بيلغ حمدي إسماعيل

كاتب وأكاديمي مصري