احياء قايدالسبسي لجدل المساواة في الارث صدمة لذيذة للتونسيين

خطاب تاريخي في غياب الاخوان

تلقف التونسيون على عجل دعوة رئيسهم الباجي قائدالسبسي الأحد بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة النقاش حول موضوع حساس يتمثل في المساواة بين الرجال والنساء في الارث، لتتحول مواقع التواصل في لحظات قليلة لساحات نقاش تتباين فيها الآراء وتتنوع من المصطفين اصطفافا كاملا وراء المطلب الذي لطالما شكل هاجسا من هواجس الحركة النسوية التونسية، الى المتحفظين وصولا للمصدومين والرافضين رفضا مطلقا بكثير او قليل من الحدة.

ودعوة قائدالسبسي مثلت قبل كل شيء مفاجأة لذيذة لتونسيين وتونسيات لطالما طالبوا على احتشام احيانا وبصراحة احيانا اخرى بتطليق تطبيق احكام الشريعة في الفصل بين الورثاء، فخطاب الرئيس التونسي يعد الاول من رئيس عربي في منصبه والاكثر صراحة ومباشرة في المطالبة بقانون يكرس مساواة كاملة في الارث.

وتحتفل تونس بعيد المرأة في 13 اب/اغسطس من كل سنة احياء لذكرى تبني البلاد في 1956 أي في سنة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، مجلة أحوال شخصية سنة قوانين للأسرة تحوي تغيرات جوهرية من أهمها منع تعدد الزوجات وسحب القوامة من الرجل وجعل الطلاق بيد المحكمة عوضا عن الرجل.

ويقول انصار مضامين خطاب الرئيس الذي تضمن ايضا دعوة لالغاء منشور يمنع زواج التونسيات من غير المسلمين، ان الدعوة نتيحة طبيعية وبديهية فرضتها تحولات اقتصادية داخل المجتمع التونسي وفي تركيبة اليد العاملة في البلاد ترافقت مع تطور في التشريعات كان اخرها المصادقة على قانون أول من نوعه عربيا مناهض للعنف ضد النساء.

وتمثل المرأة التونسية ما يقارب ثلاثين بالمئة من نسبة الناشطين في سوق العمل، فيما تتفوق في نسب التخرج من الدراسات الجامعية على نظرائها من الذكور، ما يعني للمدافعين عن حقوق المرأة استغلالا اقتصاديا يستمر باستمرار حرمانها من حقها في التناصف في الميراث.

المدافعون عن مطلب المساواة في الارث يرون ايضا انه من غير المعقول وجود قوانين تنص على المساواة التامة بين الرجل والمرأة، في حين تغيب هذه القاعدة من ارض الواقع، ما يشبه حالة الانفصام.

وفضلا عن تنصيص الدستور التونسي على المساواة الكاملة بين الجنسين، رفعت البلاد في 2011 تحفظاتها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي تقر المساواة في الارث.

ويؤكد معسكر المدافعين عن التمكين القانوني للمرأة ان تعديل القانون يعد إنجازا يحسب للإسلام كدين عدل ومساواة وتكريسا لمبدأ صلاحيته لكل زمان ومكان.

من جانبهم يرى متحفظون على خطاب الباجي قائدالسبسي انه ورغم التطور الكبير المجتمعي فان فرض مكاسب مجتمعيّة جديدة فوقيا أمر إشكالي قد يؤدي الى تعقيدات.

الداعون للتريث يرون انه من الافضل أن تكون المساواة في الارث تتويجا لمسار نضال واقتناع جماهيري واسع.

جزء هام من التونسيين ايضا تلقف الدعوة بحذر معتبرا انها ملغومة، وان هدفها انتخابي مع قرب استحقاق الانتخابات البلدية.

ويرى هؤولاء على عدم معارضتهم للمضمون الدعوة الرئاسية، ان توقيتها يعني الانحراف بالسجال مجددا من بوصلته الاقتصادية الاجتماعيّة الى بوصلة "الهوية" و"نمط العيش"، وهو سياق لطالما استفاد منه حزب الرئيس بطرح نفسه حاميا لمكاسب الحداثة في وجه حركة النهضة الاخوانية.

من جانبها ترى الاكاديمية الفة يوسف، ان تنصيص الرئيس على ضرورة الاجتهاد الديني والقانوني لايجاد مخارج لا تصدم مشاعر التونسيين، يحمل تناقضا وقصورا كبيرا.

وتقول الفية يوسف "الاجتهاد في هذه المسألة عمل فكريّ روحانيّ نفسيّ... لكنّه لا يصلح منطلقا نهائيّا للتّشريع لأنّ كلّ اجتهاد له اجتهاد ممكن يقابله ويناقضه".

وانتقدت يوسف "التّلفيق الذي يقوم عليه التشريع التونسي وكثير من تشريعات البلدان الأخرى بين القانون والتّشريع الدّينيّ" معتبرة الظاهرة "أساس الانفصام النفسي في المجتمع".

لكن الباحثة النسوية التونسية تؤكد في ذات الوقت على ان "إشارته (الرئيس) إلى المساواة في الإرث ذات رمزية هامّة سيذكرها التاريخ قولا في انتظار من سينفّذها فعلا".

ويقاسم الفة يوسف اخرون توجسها من بقاء دعوة الرئيس في حدود الحوار وعدم انعكاسها على النصوص القانونية.

من جهتهم يتساءل اخرون عن "معنى المساواة في الميراث من ليس لهن ما يرثن أو من ليس لهم ما يُورِثون"، في اشارة الى شكلية المسألة في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة.

ردود الفعل لم تخلوا ايضا من السخرية، اذ اكد شباب على مواقع التواصل ان كل ما يهمهم من المساوة تفعيلها اثناء تسديدهم لتكاليف السهرات والزواج وغيرها من المصاريف اليومية.

ويذهب اخرون اكثر جدية الى المطالبة بإلغاء واجب النفقة المحمول على الزوج، وإلغاء تخصيص الزوج لوحده بواجب الإسكان وغيرها من التشاريع التفاضلية التي اقرها المشرع التونسي من باب التمييز الايجابي في حق المرأة.

الرافضين بشكل صريح لرؤية الرئيس التونسي استندوا بشكل اساسي في التعبير عن مواقفهم في شبكات التواصل الى النصوص الدينية التي يرونها واضحة وغير ملتبسة في تنظيم مسألة الميراث وغيرها من المسائل.

ويرى هؤلاء ان منطلقات الداعين للمساواة لا علاقة بالرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي للمرأة بقدر ما هي "عداء للدين" وسيعي لاجتثاث "لفواصل المبثوثة في النص القانوني" والتي له علاقة بالشريعة أو القرآن.

واللافت للنظر ان خطاب الرئيس التونسي كان دون أي حضور رسمي لحركة النهضة الممثل الاهم للمحافظين والتي دأب رئيسها راشد الغنوشي على المواظبة على كل المناسبات الرسمية، كما ان ردود قيادات الحركة الاخوانية ابان خطاب الرئيس انقسمت الى الان وفي غياب موقف رسمي بين تأييد كامل ورفض قطعي ودعوة للتريث.

والاحد قال السبسي في خطاب أمام أعضاء الحكومة "لدينا دستور لدولة مدنية، لكن المعروف أن شعبنا شعب مسلم ولن نسير في اصلاحات تصدم مشاعر الشعب التونسي".

وأعلن أنه شكل لجنة كلفت بالنظر في مسألة الحريات الفردية وأيضا النظر في المساواة في جميع الميادين، على أن ترفع إليه تقريرا في موعد لم يحدد.

وأضاف "عندي ثقة بذكاء التونسيين وبرجال القانون. سوف نجد الصياغة التي لا نصدم بها مشاعر عدد من المواطنين والمواطنات" وتضمن عدم وجود "حيف في حقوق المرأة".