خروقات للدستور أرغمت الأكراد على اللجوء الى الاستقلال

لجوء حكومة إقليم كردستان، برئاسة السيد نجيرفان بارزاني، قبل أعوام الى إستخراج النفط وتصديره وبيعه، كان يعني الحصول على بعض المكاسب المحدودة التي لا تقارن بالخسائر التي لحقت بالكردستانيين طوال عقود عديدة من إستخراج نفط كركوك الكردستانية وبيعه من قبل الحكومات العراقية المتتالية، واستغلال عائداته في شراء الأسلحة والطائرات التي كانت تستعمل لإبادة الشعب الكردي والنيل من طموحاته المشروعة.

الكردستانيون والعراقيين المختلفين في الكثير من الأمور، يتفقون على قناعات مفادها ان السياسات الخاطئة للحكومات العراقية، أغرقت المجتمع في مشكلات لا آخر لها، وأن العواصف التي هبت على البلاد والعباد، كانت بسبب الحلول العرجاء التي طرحت للمشكلات والأزمات، وإن تلك الحكومات لم تحاول تنسيق رؤاها وخبراتها وبرامجها في إطار مشترك، بين أربيل وبغداد، بدعوى الخصوصية وتباين الاحتياجات المذهبية والقومية، لذلك كانت على الدوام منكفئة على ذاتها ومنغمسة في همومها ومشكلاتها الداخلية والخارجية معاً، ونسجت على منوال تلك الإحتياجات وخصوصيات البعض، سياساتها التي كانت لا تتوافق مع نظرة ومصلحة الآخرين، وخاصة الأكراد، وكانت تتناقض مع خصوصيات الواقع العراقي ومتطلباته، وعاشت غالباً في حالات منعزلة في الرؤية والقرار، دون أن تعرف أن مقتضيات الحكمة السياسية والمصلحة العامة تكمن في توحيد الأهداف في عموم البلاد، رغم إختلاف الظروف في التفاصيل والمعطيات.

أي إستقراء لملامح وتجليات السلوك السياسي لتلك الحكومات، يؤشر إلى حال الفزع والهواجس والقلق الذي ترك الآثار السلبية على طبيعة محاولة معالجاتها السياسية لتقلبات الأزمات، ويؤشر عمق اللاوعي السياسي واللانضج الفكري الذي حاول أن يحافظ على مصلحة مكون معين على حساب مصالح المكونات الأخرى. والقرار الخاطىء لنوري المالكي بقطع رواتب موظفي الاقليم، الذي لا يختلف كثيراً عن حملات الأنفال التي مارسها البعث الفاشي ضد البارزانيين والفيليين وحلبجه والمدنيين الآمنين، والذي جاء في ذروة التصعيد الانتخابي سنة 2014، وزيادة شروطه التعجيزية أثناء الجولات التفاوضية بين الأكراد وحكومته، دفعت رئاسة وحكومة الاقليم الى اللجوء للتصرف بورقة النفط، وإستغلال الثروات الطبيعية لسد النقص الحاصل في الموازنة، وبذلك بدأت بتصدير النفط الكردستاني عبر ميناء جيهان التركي، كرد فعل اضطراري.

بعد إعلان إقليم كردستان بيع النفط المستخرج من أراضيه في الأسواق العالمية والتصرف بموارده لسد حاجات المواطنين وفق الدستور، أي بعد نجاح الملف النفطي الكردستاني، لاحظ المراقبون تصعيداً هستيرياً من قبل ساسة بغداد تجاه ذلك الموضوع، وبالذات عندما تأكدوا من عدم تمكنهم بلورة رؤية مشتركة تجاه الواقع الخطير الذي يعيشونه، وإنسداد الأفق أمامهم على المستويات كافة، وسقوط ثلث أراضي العراق لسيطرة داعش، وإنكشاف مراهناتهم وحساباتهم المقلوبة التي طبقت الخناق على التفاصيل الأساسية لحياة المواطنين، وتأكدهم المطلق من فشلهم الشنيع في إدارة الملف النفطي العراقي وجميع الأزمات السياسية والأمنية والإقتصادية الطاحنة، ووضع أنفسهم وأحزابهم ومكونهم على أعتاب مرحلة جديدة مليئة بالمآزق الإستراتيجية والتاريخية.

ووسط تفهم الأغلبية الساحقة من الشعب الكردستاني بأنهم أصبحوا شركاء غير حقيقيين في العراق، بل غير مقبولين، بدأ التفكير يضغط على أعصاب المواطنين الكردستانيين ودوائر صنع القرار معاً، بخصوص مستقبل علاقاتهم مع حكومة بغداد، وإمكانية وضع نهاية لها، والبحث عن الإتجاه الأنجح لتحقيق المرجو والخيار الأنجع وبأقل كلفة، والسير عليه لتحقيق الأهداف المرجوة، لذلك إتفقوا في إجتماع موسع برئاسة الرئيس مسعود بارزاني على تحديد يوم 25 من شهر أيلول المقبل موعدا لإجراء الإستفتاء على الإستقلال وإعلان حق تقرير المصير وفق القوانين الدولية.

بعد ذلك الإجتماع، عاد التحرض ضد الأكراد، كما كان، تجارة رابحة ومصدراً لكسب الأصوات الإنتخابية، وتعرضنا مرة أخرى، ومازلنا نتعرض لمسلسل من التصريحات التي تعكس خطاب الكراهية والأحقاد والثقافة الشوفينية.