تحرير الموصل.. لحظة عابرة أم نقطة تحول؟

وقف السياسة الطائفية التي أدت إلى إقتدار داعش

يحق للعراق والعراقيين أن يحتفلوا بتحرير مدينة الموصل من قبضة التنظيم الإرهابي. لقد كانت ثلاث سنوات مرّة عاش خلالها سكان المدينة تحت حكم جهنمي، ودفع الآلاف حياتهم ثمنا لفشل السلطات العراقية في حمايتهم. ومثّل سقوط المدينة في يد "داعش" الوجه الآخر لسياسات الإقصاء والتمييز المذهبي التي مارستها حكومة نوري المالكي سيئة الصيت.

تحررت الموصل أخيرا، ورقص ضباط وأفراد الجيش فرحا، واحتفل من تبقى من سكانها في الشوارع، بعد أن تخلصوا من الكابوس الرهيب.

لكن الموصل تنتظرها أوقات صعبة؛ فالمدينة شبه مدمرة بالكامل، ومئات الآلاف من سكانها يعيشون في المخيمات، وسط ظروف إنسانية صعبة. وأبعد من ذلك هناك ما يشي بوجود خلافات حول مستقبلها السياسي.

حكومة حيدر العبادي التي اعتبرت تحرير الموصل تحديا وجوديا لها، تعلم ما تخبئ لها الأيام المقبلة من تحديات ومصاعب، ستقرر كيفية التعامل معها مستقبل الحكومة برمته.

متاعب سكان المدينة المهجرين مع قوات الحشد الشعبي باتت معروفة وموثقة، وإذا ما استمر سلوكها بعد التحرير على هذا النحو فإن المستقبل سيكون قاتما.

يستحق سكان الموصل الذين دفعوا أكلافا باهظة معاملة استثنائية وتفضيلية من الحكومة العراقية، ومنحهم دورا مباشرا وكاملا في إدارة شؤون مدينتهم المحطمة، وتعويضهم عما لحق بهم من خسائر مادية، وتخفيف معاناتهم الإنسانية بعد أن فقدوا أقرباء وأحباء على يد التنظيم الإرهابي أو جراء عمليات الجيش العراقي خلال معركة التحرير.

التحدي الأكبر يكمن في إدارة عملية إعادة البناء للبيوت المهدمة في زمن قياسي ليتسنى لإصحابها العودة السريعة للمدينة. وبالقدر نفسه إعادة تشغيل مؤسسات الخدمة العامة في المدينة من تعليم وطبابة ومياه وسواها من الأساسيات، وتحصينها من هجمات انتقامية لن يتوانى فلول الدواعش عن القيام بها لترويع السكان.

لقد تخلصت الموصل من الإرهابيين، لكن العراق ما يزال يعاني من شرورهم. عديد المناطق، خصوصا الغربية والوسطى يتواجد فيها تنظيم داعش ويتحرك بسهولة، وهو وإن استسلم في الموصل، فسيعمد لفتح جبهات جديدة وتعويض خسائره الجسيمة في مواقع أخرى.

ذلك يتطلب من العراقيين مقاربة جديدة شاملة لتنظيف العراق تماما من هذا السرطان، واجتثاث التنظيم من جذوره. ولعل تحرير الموصل هي اللحظة المثالية لإطلاق مشروع المصالحة الوطنية ونبذ الطائفية واستعادة الأمل ببقاء العراق بلدا عربيا موحدا، يضمن لجميع مكوناته حقوق المواطنة كاملة غير منقوصة.

ما تزال حدود العراق مع بعض دول الجوار تعاني من تردي أوضاعها الأمنية، ولايمكن تحقيق الاستقرار الداخلي فيما الحدود مع سورية عائمة وتخضع لنفوذ مليشيات لم تنجح في منع تنقل الإرهابيين بين البلدين.

وبموازاة ورشة الإصلاح الداخلي، يحتاج العراق لمراجعة علاقاته الخارجية، وضمان استقلالية القرار السيادي والحد من نفوذ القوى المرتبطة بالخارج.

على العراقيين أن يختاروا؛ فإما أن يكون تحرير الموصل نقطة تحول في مسار بلادهم، أو لحظة عابرة يعود بعدها لنفس الدوامة.

فهد الخيطان

نشر في الغد الأردنية