صور غريبة وشعارات مريبة في قلب تكريت

صور خميني في كل مكان

تكريت (العراق) - وسط مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين معقل الرئيس الراحل صدام حسين تذاع عبر مكبرات الصوت الأناشيد الدينية التي تقول "دخلناها بفخر تكريت والعوجة، وشمرة عصى نوصل الفلوجة" وسط ذهول البعض.

تطوف العجلات التابعة للحشد الشعبي في شوارع مدينة تكريت التي تقطنها غالبية سنية وهي تذيع أغاني حماسية لافتة للانتباه كما انتشرت في بعض شوارع المحافظة مئات الرايات الحسينية الخضراء والسوداء.

التغيير الديموغرافي في مركز مدينة تكريت بدا واضحا بعد سيطرة عدة مجاميع مسلحة تنتمي للحشد الشعبي على مجمعات القصور الرئاسية وسط المدينة التي كانت مواقع حكومية رسمية بعد 2003، كما انتشرت على جدران الشوارع العامة عبارات تذكارية لعناصر في الحشد الشعبي الذين دخلوا المدينة منها عبارة "أبو جبل كان هنا" التي خطت على احد الجدران عند مدخل شارع اربعين والشخص المذكور هو احد قادة الحشد الشعبي.

صور خميني وخامئني والمراجع الشيعية انتشرت هي الأخرى في تقاطع الطرق ومداخل المدينة مثلما انتشرت الشعارات المكتوبة على جدران البيوت والبنايات الرسمية من قبل عناصر من خارج المدينة مثل "لبيك يا حسين، حشد الحسين" و"مدد يا زهراء لواء علي الأكبر كان هنا" و"عصائب حتى ظهور الغائب"، في اشارة الى الامام الثاني عشر لدى الشيعة الذي يؤمنون بأنه سيأتي في آخر الزمان.

بعد تحرير مدينة تكريت من سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية في ابريل/نيسان 2015 افتتح أكثر من 13 مقرا للأحزاب والحركات السياسية الشيعية كحزب الدعوة الإسلامي والمجلس الإسلامي الاعلى وعصائب اهل الحق ومنظمة بدر وغيرها في مدينة تكريت وتم توظيف عناصر من اهل المدينة لإدارتها.

وقريباً من قرية العوجة مسقط رأس صدام حسين (10 كلم جنوب تكريت) تم تغيير اسم مستشفى دجلة للتأهيل الطبي الى مستشفى "الإمام المهدي" لاحقا ولا زالت تحمل الاسم ذاته.

مظاهر التغيير لم تطل المناطق فحسب، بل زحفت الى التقاليد ففي شهر محرم الماضي الذي يعد من الأشهر الحزينة لدى الشيعة لارتباطه بذكرى وفاة الإمام الحسين تحولت ساحة الاحتفالات التي كانت تقام بها المناسبات الخاصة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الى منطقة للمواكب الحسينية وشاركت بعض العشائر السنية في مراسيم تلك المواكب التي رفعت اعلاما باللونين الأخضر والأسود.

وغالبا ما يتجنب الشيعة إقامة الأعراس والمناسبات السعيدة في شهر محرم وينشغلون بالعزاء وإقامة الولائم في مناطق العراق المختلفة، أما في مدينة تكريت فإقامة تلك المناسبات كان أمراً شائعا لكن عناصر الحشد الشعبي تدخلوا في محرم الماضي لإيقاف حفل زفاف في قرية جنوب المدينة تسمى عوينات، وتحطيم الآلات الموسيقية بحجة عدم ملائمة الفرح مع شهر محرم.

الحشد الشعبي ابلغ أصحاب صالات الأعراس في المدينة آنذاك بعدم تنظيم الاحتفالات الى نهاية مراسيم العزاء في شهري محرم وصفر ويقول عثمان صالح الذي يملك قاعة أفراح في مدينة تكريت "تم تبليغنا من قبل مفرزة من الحشد الشعبي بعدم إقامة الأفراح خلال شهر محرم وقالوا حينها ان من يخالف ذلك سيتعرض الى المحاسبة الشديدة".

من جهته، ألغى احمد الدليمي (22 عاما) العرس الذي كان ينوي إقامته آنذاك في إحدى القاعات خشية الاستهداف وقال "سمعنا أن الاعراس في محرم قد يتم استهدافها او منعها لهذا قررت ان اقيم عرسي في منزلي واقتصره على عدد محدود من الأقارب والأصدقاء".

وشهدت مدينة تكريت لأول مرة في تاريخها إنشاء اول حسينية شيعية في مجمع فاطمة الزهراء في مركز تكريت واخرى في ناحية العلم شرق المدينة.

اهالي تكريت نادرا ما يتواجدون او يؤيدون تلك التجمعات والمواكب والمظاهر الجديدة التي بدت خالية من الناس رغم مكبرات الصوت والأناشيد وما يقدمه القائمون عليها من طعام وشراب في محاولة لكسب ود أهالي المدينة وخاصة الأطفال واليافعين بينما لا يتواجد فيها كبار السن الا نادرا.

حسين محمد حسين (46 سنة) موظف من اهالي تكريت يصف الوضع بالمريب قائلا "أنا أشعر بالغربة في المدينة من كثرة الغرباء المسلحين وعجلاتهم وشعاراتهم تشعرك بالريبة والقلق من المستقبل. بصراحة هناك العديد من حالات الخطف والقتل في المدينة مجهولة الجهة التي تقف وراءها".

الباحث في تاريخ مدينة تكريت إبراهيم مصطفى التكريتي يقلل من تلك المخاوف ويقول ان مدينة تكريت على مر تاريخها تعد عروبية القومية سنية المذهب وسكنتها في الوقت ذاته العشرات من العائلات الشيعية والكردية خلال العقود الاربعة الماضية بحكم الأعمال الوظيفية وخاصة العسكرية إلا أنها سرعان ما عادت الى أماكنها الاصلية مع موجات العنف الطائفي في عام 2006 والمدينة بطبيعتها مغلقة ومتماسكة ومحاولات التغيير في طبيعتها تصيبها الفشل".

التغيير الديموغرافي يبدو واضحا وجليا أكثر في مناطق جنوب المحافظة كناحية يثرب وعزيز بلد والسلام والأحباب (120 كلم جنوب تكريت) إثر الخلاف بين العشائر طائفيا هناك والمشكلات التي وقعت حينما عمل أبناء بعض العشائر مع تنظيم الدولة الاسلامية، اذ تمت مصادرة أملاك تلك العائلات ولم يسمح لهم بالعودة بعد وضع وثيقة بين الطرفين اشرف عليها محافظ تكريت بنفسه لفض النزاع بين العشائر من الطائفتين.

في شارع الأطباء وسط تكريت حيث المكان الأكثر زحاما وتجمعا للمتبضعين في تكريت تصدح مكبرات الصوت بالأناشيد الدينية الحسينية من قبل مكاتب الصوتيات التي يبث أصحابها تلك الأناشيد من الصباح وحتى المساء في ظاهرة جديدة على المدينة ربما ستستمر الى مواسم عديدة من محرم في السنوات المقبلة. (نقاش)