سوريا الديمقراطية تعزل الجهاديين بالكامل داخل الرقة

الخناق يضيق على المتطرفين في آخر معاقلهم

بيروت/الرقة (سوريا) - قطعت قوات سوريا الديمقراطية المؤلفة من فصائل كردية وعربية تدعمها واشنطن، الخميس المنفذ الأخير المتبقي لتنظيم الدولة الاسلامية من مدينة الرقة إلى بقية مناطق سيطرته في سوريا، وفق ما أكد المرصد السوري لحقوق الانسان.

وقال مدير المرصد رامي عبدالرحمن "سيطرت قوات سوريا الديمقراطية الخميس على المنطقة الواقعة جنوب نهر الفرات لتقطع بذلك آخر طريق كان يمكن لتنظيم داعش الانسحاب منه من مدينة الرقة باتجاه مناطق سيطرته في البادية السورية ومحافظة دير الزور" في شرق البلاد.

وبذلك تكون قد عزلت التنظيم المتطرف بالكامل واطبقت عليه الحصار داخل معقله الأخير بينما تواصل تقدمها وسط حقول ألغام زرعها المتطرفون لإبطاء زحفها. كما عمد مقاتلو الدولة الاسلامية في الايام الأخيرة إلى شن هجمات مضادة بالسيارات والدرجات النارية المفخخة وهي استراتيجية طالما اعتمدها كلما ضاق عليه الخناق واشتدت عليه الضغوط العسكرية.

ومن المتوقع أن يكثف التنظيم هجماته مستخدما كل الوسائل المتاحة للدفاع عن معقله الأخير بسوريا خاصة مع قطع قوات سوريا الديمقراطية طرق تمدده جغرافيا في عدد من المناطق السورية ومنها البادية التي تشهد أيضا تحرك قوات الجيش السوري النظامي وقوات معارضة تدعمها الولايات المتحدة.

وعلى الجانب الآخر من الحدود السورية العراقية تتمركز قوات الحشد الشعبي المشكلة من ميليشيات شيعية موالية لإيران كانت قد سيطرت مؤخرا على قرى وبلدات متأخمة للحدود السورية.

مسيحيون في ساحة المعركة

وداخل مدينة الرقة، يتنقل القيادي في قوات المجلس العسكري السرياني عبود سريان في شاحنة صغيرة يتدلى من مرآتها الأمامية صليب عاجي اللون يتأرجح كلما ضاعف السرعة متجها إلى خطوط الجبهة الأمامية ضد تنظيم الدولة الاسلامية.

وفي طريقه إلى حي الرومانية، تصدح موسيقى حماسية من سيارة البيك آب، فيما يشير عبود (23 عاما) عند اجتيازه بعض الشوارع إلى مواقع شارك مقاتلون مسيحيون سريان في قتال الجهاديين فيها وأخرى استهدفت فيها قواته وقوات سوريا الديمقراطية بعربات مفخخة أرسلها مقاتلو التنظيم.

وتخوض قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، منذ السادس من الشهر الحالي معارك شرسة داخل مدينة الرقة. ويقاتل إلى جانبها العشرات من المقاتلين السريان.

وتمكنت هذه القوات من استعادة أربعة أحياء على الأقل بينها الرومانية وتقاتل على أطراف أحياء أخرى.

ويشرح عبود القيادي قصير القامة وهو يضع قبعة عسكرية على رأسه ويعلق مسدسا على خصره مشاركة المسيحيين في قتال الدولة الاسلامية قائلا ان "مشاركتنا في تحرير الرقة من أجل شعبنا السرياني وكل الشعوب الموجودة في المنطقة"، مضيفا "ليس هناك فرق بين الشعب السرياني أو الكردي أو العربي. كلنا اخوة".

وأضاف "دمروا (الجهاديون) الكنائس في الرقة وفجروا كل شيء.. أجبروا المسيحيين الموجودين هنا على أن يعتنقوا الاسلام. لهذا شاركنا في معركة تحرير الرقة".

وكان الآلاف من المسيحيين السريان يعيشون في الرقة إلى جانب الأرمن والأكراد والسكان العرب السنّة، لكن كثيرين منهم فروا مع سيطرة الدولة الاسلامية على المدينة في العام 2014.

وأعلن التنظيم في 29 يونيو/حزيران من العام ذاته، إقامة "الخلافة" المزعومة على مناطق سيطرته في سوريا والعراق المجاور.

وخيّر حينها المسيحيين في مناطق سيطرته بين دفع الجزية أو اعتناق الاسلام أو المغادرة. وفضل الكثيرون منهم المغادرة.

ومع ارتفاع حدة المعارك ضد الجهاديين في شمال وشمال شرق سوريا، انضم المجلس العسكري السرياني الذي تأسس في العام 2013، إلى صفوف قوات سوريا الديمقراطية التي تضم مقاتلين اكرادا وعربا وتحظى بدعم واشنطن.

وتشهد الخطوط الأمامية في الرقة معارك عنيفة بين قوات سوريا الديمقراطية والجهاديين، تزامنا مع غارات كثيفة ينفذها التحالف الدولي.

ويتمركز المقاتلون السريان عند أحد خطوط القتال المحاذية لحي الرومانية حيث تبدو آثار المعارك والشظايا واضحة على الأبنية المدمرة جزئيا أو كليا.

"طلقة في رأسه"

ويتجول مقاتلون سريان مدججين بسلاحهم عند أطراف حي الرومانية، ووضع عدد منهم وشوما دينية على سواعدهم كالمسبحة والصليب وكتب أحدهم كلمة يسوع بالأحرف اللاتينية على يده. كما علق آخرون على بزاتهم صور أحد رفاقهم الذي قتل خلال المعارك.

وقال عبود "هنا حاصر رفاقنا من قوات سوريا الديمقراطية داعش وشن الطيران غارات عنيفة حتى تم فك الحصار عنهم بعد وصول المؤازرة"، مضيفا " لهذا يوجد الكثير من الدمار في هذا الحي".

في مبنى من عدة طوابق كان تنظيم الدولة الاسلامية يستخدمه مقرا لتدريب عناصره وفق ما يبدو من خلال المواد المتروكة من رشاشات خشبية وتعليمات معلقة على جدران احدى الغرف وأكياس من مادة السيفور وكفوف، يفترش مقاتلون سريان الأرض. يتبادلون الحديث، يدخنون السجائر ويحتسون الشاي. ويعمل عدد منهم على تجهيز سلاحه.

ويؤكد المقاتل اليكسان شمو (28 عاما) أنه ورفاقه ينسقون بشكل وثيق مع فصائل قوات سوريا الديمقراطية في قتال تنظيم الدولة الاسلامية خصوصا على الخطوط الأمامية، موضحا أنه يشارك في معركة الرقة "ثأرا" لكل الممارسات التي ارتكبها الجهاديون بحق الأهالي والأقليات.

وقال "داعش عدو لكل القوميات ولكل الطوائف ونحن مستاؤون لما فعله بالمسيحيين ولذلك نتواجد هنا" على الجبهة.

وفي مواجهة المعاناة والقتال والحرب، ينسى المقاتلون الكثير من التعاليم المسيحية.

وقال شمو بحزم "أنا أثأر على كل الأفعال التي قام بها داعش بحق شعبنا وطوائفنا والكنائس التي فجرها وغيرها من الأمور"، مضيفا "سيدنا المسيح قال من صفعك على خدك الأيمن أدر له الأيسر، لكن بالنسبة لي من يصفعني على خدي الأيمن سوف أضع الطلقة في رأسه".

لكنه قال أيضا "أنا أضحي بنفسي من أجل هذا الشيء ومن أجل أن يعيش غيري في سلام".

"لا شيء يوقفني"

ولا تتجاوز أعمار غالبية المقاتلين السريان العشرينات وبينهم القائد الميداني فادي (23 عاما) الذي يشرف على مجموعة من المقاتلين.

وقال فادي "نشارك في القتال على الخطوط الأمامية" في بعض الأحياء، مضيفا "تلقينا تدريبات عسكرية ولبسنا هذه البزة من أجل هدف محدد وهو أن نحرر شعبنا وشعوب المنطقة. نحن هنا لقتال داعش".

وداخل غرفة في مبنى يطل على مناطق تمركز الجهاديين ويستريح فيها المقاتلون السريان، يقف قناص أميركي يناديه رفاقه بحورو كريستيان أي الرفيق كريستيان، وهو أحد المقاتلين الاجانب المنضوين في صفوف قوات المجلس العسكري السرياني إلى جانب مقاتل بريطاني يراقب بمنظاره المنطقة الممتدة أمامه.

ويجهز كريستيان ذو العينين الزرقاوين سلاحه بعد أن يثبته على نافذة بيديه اللتين تكسوهما الوشوم، ثم يطلق النار على أحد الأهداف.

وفوق حاجبه الأيمن، وضع المقاتل الاشقر وشما كتب فيه "لا شيء يوقفني"، وهو شعار الفيلق الأجنبي الفرنسي، وحدة عسكرية من قوات النخبة في الجيش الفرنسي.

وسرعان ما ترتسم علامات الفخر على وجه كريستيان بعدما أخافت طلقته أحد الجهاديين. ويصرخ خلفه مقاتل سرياني باللغة الانكليزية مبتهجا: غو غود (جيد.. جيد بالعربية).