قصة هروب بن لادن ونهايته

مليارات الدولارات صُرفت لهذه الليلة

قبل وقت طويل من «الحرب على الإرهاب» التي أطلقها الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو. بوش غداة هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، كان بن لادن على رأس قائمة أكثر المطلوبين لدى «مكتب التحقيقات الفيدرالي» الأميركي والشرطة الدولية «الإنتربول»، حيث كان مبحوثاً عنه لعلاقته بست هجمات على الأقل ولتأسيسه تنظيم «القاعدة» المصنف إرهابياً. ورصدت السلطات الأميركية مكافأة سخية لكل من يدلي بمعلومات تساعد على الوصول إلى بن لادن، ثم ازدادت عملية مطاردته وتكثفت بعد الحادي عشر من سبتمبر.

غير أنه خلافاً لهاربين آخرين، استمر المطلوبُ الأول في العالم في موقعه كزعيم لتنظيم «القاعدة»، وهو ما فرض عليه توخي قدر أكبر من الحيطة والحذر، وتغيير مكان اختبائه في مرات كثيرة، ثم ضاعف الاحتياجات اللوجستية اللازمة لهروبه إذا ما تطلب الأمر في أية لحظة. قصة ذلك الهرب الطويل من العدالة، إضافة إلى تفاصيل العملية العسكرية التي أفضت إلى مقتل زعيم «القاعدة»، هي ما يرويه كتاب «المنفى.. القصة المذهلة لهرب أسامة بن لادن والقاعدة»، لمؤلفيه الصحفيين البريطانيين كاثي سكوت كلارك وأدريان ليفي، والذي يُعتبر عملاً صحفياً متقناً يحكيان فيه الحياة اليومية لابن لادن خلال تلك السنوات.

لئن كانت جل الكتب المنشورة في الغرب حول موضوع الإرهاب، تُكتب عادة من وجهة نظر الغرب وضحاياه، فإن ما يميز كتاب كلارك وليفي هو كونه يحكي قصة هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية والأحداث التي تلتها من وجهة نظر الطرف الآخر. ولهذا الغرض، سافر المؤلفان كثيراً عبر المنطقة، واستقيا شهادات الشهود، وقراءة التقارير والوثائق الحكومية التي تم الإفراج عنها حديثاً، فكانت النتيجة كتاباً قد لا نبالغ إن قلنا إنه نموذج في الصحافة الاستقصائية.

الكتاب يبدأ بتذكير سريع حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي كان عقلها المدبر هو خالد شيخ محمد، الملقب بـ«مختار»، والذي مثّل دخولُه إلى الدائرة الداخلية لابن لادن «جرعة أكسجين بالنسبة لزعيم جهادي ذي رؤية، لكنه يفتقر للتنظيم، وقد أمضى أيامه محاطاً بيمنيين أميين مسلحين بخناجر حضرمية». ولكن القصة في الواقع إنما تبدأ مع هروب بن لادن من معركة تورا بورا في أفغانستان أواخر عام 2001، عندما أفلت من بين يدي قوات الولايات المتحدة والقوات الحليفة، لتبدأ بعد ذلك عملية مطاردة طويلة استمرت عقداً من الزمن وكلّفت مليارات الدولارات.

خلال تلك المطاردة الطويلة، كان تركيز بن لادن وأتباعه مقسّماً بين تجنب التوقيف أو الوقوع في الأسر، وبين العمل على ارتكاب فظاعات جديدة كوسيلة للحفاظ على نهجهم وإثبات وجودهم. وفي كتاب «المنفى»، يقوم كلارك وليفي بتشريح كلا طرفي قتال «القاعدة» أثناء فترة الفرار والملاحقة، مسلطين الضوء على مخططات غير معروفة وأخرى معروفة تناولتها وسائل الإعلام، من اختطاف وقتل الكاتب في صحيفة «وول ستريت جورنال»، دانييل برل، في عام 2002، إلى محاولة الهجوم الفاشلة التي كان وراءها «صاحب الحذاء المتفجر» ريتشارد ريد.

لكن فيما وراء عناوين الأخبار والمعلومات المعروفة للجميع، يقدم كتاب «المنفى» تفاصيل نادرة حول حياة الهرب والتخفي والعيش تحت المطاردة، والاضطرار للتنقل الدائم من مكان إلى آخر، وتغيير المخبأ باستمرار. وفي هذا الأثناء، كان بن لادن يسعى دائماً للاطلاع على أخبار العالم الذي لم يعد قادراً على العودة إليه، من خلال من يزورونه من الموالين له، بينما تقوم زوجاته بتربية الدجاج في فناء المنزل، وأطفاله يلعبون ألعاب فيديو قديمة أو يحاولون استراق لحظات يستمعن فيها إلى الموسيقا على المذياع.

على أن جميع القراء يعرفون النهاية التي انتهت بها القصة. فقد كانت «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية قد اكتشفت منزل بن لادن في عام 2010، لكنها فوجئت بأن المجمع الذي يقيم فيه لم يكن يتوفر على ربط هاتفي أو اتصال بشبكة الإنترنت. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما حذراً ومتشككاً حيال المعلومات المحالة إليه في هذا الموضوع، لكن حبل الغسيل هو الذي ساعد على تأكيد هوية سكان المنزل.

ناقشت واشنطن الخيارات المتاحة: هل يجدر بقوات العمليات الخاصة الأميركية حفر نفق لدخول المجمع، أو تدمير المكان برمته، أو تنفيذ «عملية جراحية»؟

المسؤولون الأميركيون كانوا في حاجة للتأكد من أنهم يستهدفون بالفعل الرجل الذي يبحثون عنه جادين منذ أعوام، كما كانوا حريصين على تجنب وقوع إصابات في صفوف المدنيين حال القيام باقتحام المجمع.

لهذا الغرض، تدرّب الفريق الذي أوكلت إليه مهمة تنفيذ العملية في ولاية نيفادا الصحراوية، التي يشبه طقسها الحار طقس آبوت آباد، وتمرنوا على عمليات هجوم ومداهمة على مجمع يشبه مجمع آبوت آباد في كل التفاصيل. وفي الثاني من مايو 2011، دقت ساعة الصفر وقام فريق قوات العمليات الخاصة بعملية إنزال تحت جنح الظلام في مجمع في آبوت آباد الباكستانية، حيث يعيش بن لادن. و«بعد ست سنوات من العزلة التامة، حيث كان يوبَّخ الأطفال باستمرار عندما يحدثون أقل صخب، أدركت أمل (زوجة بن لادن) المرعوبة أن الأميركيين يداهمون منزلهم مستعدين لقتلهم جميعاً، ولكن لم يكن ثمة من مخرج لحالات الطوارئ»، كما تكتب كلارك وليفي، «لقد بات منزلهما الآمن فخاً مميتاً!». وثمة روايات متضاربة حول الظروف الدقيقة لموت بن لادن، إلا أنه، ومثلما قال الضابط في فريق العمليات الخاصة الأميركية الذي شارك في عملية المداهمة الليلية روبرت أونيل، فإن زعيم «القاعدة» «مات خائفاً، وكان يعلم أننا هناك لقتله. وتلك كانت النهاية!».

محمد وقيف

الكتاب: المنفى.. القصة المذهلة لهرب بن لادن و«القاعدة»

المؤلفان: كاثي سكوت كلارك وإدريان ليفي