عندما ترتدّ لعبة تصدير الإرهاب على ايران

لا يمكن الّا ادانة أي عمل إرهابي بغض النظر عن الطرف الذي تعرّض لمثل هذا العمل. الإرهاب اسمه الإرهاب ولا شيء آخر غير ذلك. الاهمّ من ذلك كلّه، انّه لا يمكن إيجاد أي تبرير للارهاب حتّى عندما يضرب في طهران وحتّى عندما تكون ايران، بمشاركة النظام السوري، لعبت دورا في قيام "داعش"، وهو التنظيم المشكو منه والذي يبدو انّه وراء الهجومين على مجلس الشورى الايراني الايراني (البرلمان) وعلى مرقد آية الله الخميني مؤسس "الجمهورية الإسلامية" في ايران.

قتل ما لا يقلّ عن اثني عشر شخصا في الهجومين الإرهابيين واعلن "داعش" مسؤوليته عنهما. هل هذا صحيح ام لا؟ لماذا اختار "داعش" أخيرا مهاجمة هدفين في طهران؟ هل توقيت الهجومين بريء؟ الأكيد ان الهجومين، في حال كانا حقيقيين، يمثلان تحديا لا سابق له للنظام الايراني الذي اعتقد انّه يتحكّم بالإرهاب في المنطقة، اكان هذا الإرهاب سنّيا او شيعيا.

هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها، ولكن لنفترض حسن النيّة وان ايران ضحية عملين إرهابيين يقف وراءهما "داعش". هذا يعني بكلّ بساطة انّه بات على ايران إعادة النظر في كلّ سياساتها في المنطقة نظرا الى انّ هذه السياسة تقوم على الاستثمار في اثارة الغرائز المذهبية من جهة وعلى الإرهاب الذي تمارسه الميليشيات المذهبية التابعة لها اكان ذلك في العراق او سوريا او لبنان او اليمن... او البحرين من جهة اخرى. هذه اللائحة، لائحة الميليشيات المذهبية الايرانية التي تمارس الإرهاب يمكن ان تطول وتشمل عددا اكبر من البلدان في ضوء النشاط الكبير الذي تقوم به ايران. تعمل ايران في غير منطقة من العالم، بما في ذلك افريقيا. تعمل أيضا في أوروبا وأميركا، خصوصا في اميركا الوسطى والجنوبية، علما ان افريقيا لا تزال من الاماكن المفضلة لديها مع تركيز خاص على شمال القارة حيث الوجود العربي وصولا الى بلدان مثل نيجيريا او غامبيا.

منذ قيام النظام الايراني الحالي، نجد لديه رغبة واضحة في زعزعة الاستقرار في المنطقة. لم تستطع ايران السيطرة على المنطقة سلما في يوم من الايّام، لذلك عملت على اختراقها معتمدة على كلّ من شأنه اثارة الغرائز بكلّ أنواعها فضلا بالطبع عن المتاجرة بالقضية الفلسطينية من اجل احراج العرب والمزايدة عليهم. هناك دليل على ذلك هو "يوم القدس" في يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان. تنظم ايران تظاهرات في "يوم القدس"، لكنّه لم يوجد من يسألها ماذا فعلت من اجل القدس غير القيام بكل ما من شأنه افشال ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، الذي سعى الى تسوية تشمل القدس واستعادة القسم الشرقي من المدينة في اطار صفقة شاملة معقولة ومقبولة، كان يطمح اليها، تؤمن الحدّ الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني.

مرّة أخرى، لا يمكن الّا ادانة الإرهاب الذي ضرب ايران هذه المرّة. كان ملفتا ان عددا لا بأس به من الزعماء العرب لم يتردد في ارسال التعازي الى الرئيس الايراني حسن روحاني، علما ان المسؤولين العرب الذين يمتلكون حدّا ادنى من الوعي يعرفون تماما طبيعة العلاقة القائمة بين طهران والارهاب، بما في ذلك "القاعدة" و"داعش".

بعيدا عن الذي حصل في طهران وما اذا كان ذلك حقيقيا ام لا، وبعيدا عن الاتهامات التي وجّهها عدد من المسؤولين الايرانيين الى جهات عربية، على رأسها السعودية، هناك تساؤل مرتبط بالتوقيت. هل شعرت ايران انّ الولايات المتحدة باتت بعد قمم الرياض وما صدر عنها من مواقف جدّية في موقفها منها ومن دورها في دعم الإرهاب بكل اشكاله؟

يمكن ان يكون الموضوع كلّه مرتبطا بان ايران تجد نفسها للمرّة الاولى امام إدارة أميركية تعرف تماما تاريخ العلاقة بين كلّ ما له علاقة بالإرهاب في المنطقة وبين "الجمهورية الإسلامية" منذ اليوم الاوّل لاعلانها. هذه الجمهورية الإسلامية لم تكن بعيدة عن الاضطرابات التي شهدتها المنطقة الشرقية من السعودية، وهي منطقة ذات أكثرية شيعية، في وقت كان المتطرف جهيمان العتيبي يسيطر مع مسلحيه على الحرم المكّي الشريف. من لديه ادنى شكّ في انّ الحدثين لم يحصلا في معرض الصدفة يستطيع العودة الى كتاب "حصار مكة" لياروسلاف توفيموف الصحافي في "وول ستريت جورنال" الذي يغطي بالتفاصيل المملة تلك العلاقة بين حصار مكة وما حدث في المنطقة الشرقية من السعودية بتأثير من قيام "الجمهورية الإسلامية" في ايران. انهّا تغطية تساعد في فهم العلاقة العميقة التي قامت باكرا بين الإسلام السنّي المتطرّف والإسلام الشيعي الذي كان ينادي به الخميني والذي لا يزال يتحكّم بايران.

هناك فرصة لإيران كي تؤكّد انّها تستطيع ان تلعب دورا بناء على الصعيد الإقليمي بدل السعي الى استغلال الخلافات الخليجية للشماتة بأهل المنطقة. فقطر دولة مهمّة بين دول الخليج اذا اخذنا في الاعتبار ما تملكه من ثروات، لكن قطر لا يمكنها ان تكون حصان طروادة لإيران في داخل دول مجلس التعاون، حتّى لو شاءت ذلك نظرا الى ان الموقف الذي اتخذه منها زعماء الخليج لم يترك مجالا لايّ تراجع من اىه نوع كان.

ليس امام ايران سوى ان تنصرف الى شؤونها الداخلية والتوقف عن ممارسة سياسة الهروب الى خارج حدودها. الهجومان الارهابيان، اكانا صحيحين او مزيفين، يشكلان جرس انذار لطهران. فمن يستثمر في الإرهاب لا يستطيع ان يكون في منأى هذا الإرهاب عاجلا ام آجلا. في الماضي القريب، استثمرت الولايات المتحدة عبر أجهزتها الأمنية في أسامة بن لادن ابان الاحتلال السوفياتي لأفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. كانت النتيجة انقلاب السحر على الساحر في بداية القرن الواحد والعشرين عندما حصلت غزوتا واشنطن ونيويورك في ايلول ـ سبتمبر 2001.

ما نشهده في هذه الايّام هو انقلاب الاستثمار الايراني في الإرهاب بكل اشكاله على ايران نفسها. من يساهم في قيام "داعش" ومن يسهّل استيلاء "داعش" على الموصل عندما كان رجل ايران في بغداد، أي نوري المالكي رئيسا للوزراء في العراق في مثل هذه الأيّام من العام 2014، يجب ان لا يستغرب انقضاض مثل هذا التنظيم المتوحش على الذين صنعوه. هذا كلّ ما في الامر. هل تتحمّل ايران مسؤولياتها ام ان النظام فيها لا يستطيع العيش خارج لعبة الهروب الى خارج أراضيه، وهي لعبة ارتدت على ايران نفسها نظرا الى صعوبة القدرة على ممارستها من قبل أي دولة من الدول باستمرار. هناك دول اكبر من ايران مارست هذه اللعبة الخطرة. كانت النتيجة انّها لم تسلم من عواقبها في يوم من الايّام.