عجلات الموت تفضح ضعف الجاهزية الأمنية في بغداد

فشل التفتيش الآلي واليدوي

بغداد - تعرضت بغداد الأسبوع الماضي إلى هجمة عنيفة من التفجيرات تزامنت مع شهر الصيام رمضان، وعادت الاتهامات والانتقادات ضد قوات الأمن بفشلها في فرض الأمن ومنع السيارات المفخخة من تعكير صفو سكان العاصمة.

ورغم آلاف الجنود وعشرات الخطط العسكرية وأجهزة الكشف عن المتفجرات انفجرت خمس سيارات مفخخة في مناطق الدورة والكرادة والشواكة خلال أيام قليلة أوقعت عشرات القتلى والجرحى. لم تكن التفجيرات مفاجئة، فتنظيم الدولة الإسلامية وقبله "القاعدة" غالبا ما يستغلون رمضان لتنفيذ "غزوات رمضان".

العام الماضي وفي شهر رمضان أيضا نفذ تنظيم الدولة الإسلامية تفجيرا هو الأكبر في البلاد بعد 2003 عندما استهدف مبنى تجاريا كبيرا في منطقة الكرادة قلب العاصمة وأسفر عن مقتل 300 شخص، كان وقع الحادثة قاسيا وحزينا على العراقيين لأشهر.

ورغم إدراك الجميع أن شهر رمضان موسم التفجيرات المفضل للمتطرفين إلا أن قوات الأمن العراقية فشلت في منعها هذه المرة أيضا، وعادت الانتقادات لخطط الأمن وفشل أجهزة الكشف عن المتفجرات والكاميرات لتكون حديث السياسيين والمواطنين، والسؤال الكبير، كيف يمرر الإرهابيون السيارات المفخخة عبر العشرات من نقاط التفتيش؟

"إنهم يطورون وسائلهم في كل مرة، ويأخذون في عين الاعتبار تفاصيل دقيقة لتمرير العجلات المفخخة عبر محافظات ومناطق بعيدة وصولا إلى أهدافها"، الحديث للنقيب في وزارة الداخلية أكرم الزبيدي، ويقول إن "التفجيرات الأخيرة دليل على هزيمة الإرهابيين، عادوا إلى إستراتيجية التفجيرات بعدما خسروا السيطرة على مدن صلاح الدين والأنبار وأخيرا في الموصل".

الزبيدي الذي اشرف على التحقيق مع إرهابيين تم إلقاء القبض عليهم قبل تنفيذ عمليات تفجير، يقول "لدينا معلومات مثيرة بشأن تكتيكاتهم، ومثلا فان التفجيرات قبل سنوات كانت تتم عبر استخدام سيارات قديمة تعود صناعتها إلى عشر سنوات أو أكثر، ولهذا فان نقاط التفتيش تخضع مثل هذه السيارات إلى التفتيش".

ولكن الإرهابيين في الآونة الأخيرة يستخدمون سيارات حديثة الصنع وغالية الثمن ولهذا لا يخطر على بال الجنود في نقاط التفتيش أن تكون هذه السيارات مفخخة لأنها غالية الثمن ولا يخضعونها للتفتيش، وفقا للزبيدي.

الأسبوع الماضي طبقت قوات الأمن المنتشرة على جسر الجادرية الرابط بين جانبي الكرخ والرصافة إجراءً امنيا أثار استهزاء السكان على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ منعت نقاط التفتيش مرور العجلات تكسي نوع "النترا" من عبور الجسر باتجاه الرصافة، والسبب لان السيارة المفخخة التي انفجرت في الكرادة قبل أيام كانت من هذا النوع.

أما اغرب التكتيكات التي سمعها النقيب الزبيدي عبر تحقيق سري حول تفجير جرى في بغداد قبل أسابيع، فان الانتحاريين الذين يركبون العجلات المفخخة يتحايلون على نقاط التفتيش بطرق عدة، ومثلا يعلم الجميع أن الدولة الإسلامية تعتبر الطائفة الشيعية كفارا يجب قتلهم، ولكن الانتحاريون أو ناقلو السيارات المفخخة يضعون صورا لرجال دين شيعة على الزجاج الأمامي للسيارات أو قطعة قماش خضراء ملفوفة على جانب مرآة السيارة لإيهام الجنود عند نقاط التفتيش بأنهم من الطائفة الشيعية ولهذا لا تخضع في الغالب للتفتيش.

ومن الحيل الأخرى، يحاول ناقلو السيارات المفخخة إلقاء السلام بحرارة على الجنود، والحديث معهم بلهجة شعبية جنوبية، فيما يستخدم آخرون بطاقات تعريفية مزورة على أنهم ضباط في الجيش أو الشرطة أو "الحشد الشعبي" أو موظفين في هيئات حكومية عليا، ويخشى بعض الجنود تفتيش عجلاتهم خوفا من العقوبة، وهذه الحيلة هي الأكثر شيوعا، الكلام للزبيدي.

وطبقا لبيان رسمي صدر عن رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان النائب حاكم الزاملي فان السيارة التي انفجرت في بغداد الأسبوع الماضي جاءت من بلدة القائم الحدودية في الانبار، أي أن السيارة قطعت مسافة (350) كلم ومرت عبر العشرات من نقاط التفتيش المنتشرة على هذا الطريق الطويل حتى وصلت إلى قلب العاصمة.

أجهزة الكشف عن المتفجرات

إذا كانت حيل المتطرفين تخدع الجنود المتعبين من وقوفهم لساعات طويلة في نقاط التفتيش، كيف تمر العجلات المفخخة عبر أجهزة الكشف عن المتفجرات المنتشرة عند مداخل العاصمة وفي الشوارع الرئيسية؟، كما أن كاميرات المراقبة تغطي جميع أحياء العاصمة ومربوطة على شبكة الانترنيت في قيادة مركزية.

تنتشر في بغداد نوعان من أجهزة الكشف عن المتفجرات الأول هو جهاز "الرابسكان" وهي عجلة كبيرة توضع بجانب نقطة التفتيش وتمر بجانبها العجلات المارة عند مداخل العاصمة لفحصها عبر السونار، أما الثاني فهو "صقر بغداد"، وهو جهاز تعريفي يقوم بتسجيل معلومات كل سيارة تمر عبر نقاط التفتيش من خلال شريحة الكترونية توضع على زجاج السيارة وزعتها قوات الأمن على الأهالي قبل أشهر مقابل أموال، أما في بعض نقاط التفتيش في الشوارع المهمة يتم الاستعانة بالكلاب البوليسية.

عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد سعد المطلبي يقول أن "فشل العامل الاستخباراتي وراء التفجيرات الأخيرة، فأجهزة الكشف عن المتفجرات قد تتعطل في أي لحظة، والجنود يتعبون لوقوفهم الطويل في نقاط التفتيش، ولكن يجب حل المشكلة من جذورها عبر الكشف عن مخططات الإرهابيين قبل حدوثها".

ويدعو المطلبي الحكومة إلى إعادة النظر في خطط امن العاصمة، عبر التقليل من نقاط التفتيش وتكثيف الجهد الاستخباراتي للوصول إلى الخلايا النائمة والمضافات السرية داخل المدن الآمنة بدلا عن الانشغال بوضع حواجز كونكريتية ونشر نقاط تفتيش بلا فائدة.

وتعتبر بغداد بلا حدود واضحة وتفتقر إلى أسوار أمنية محصنة، ومن سوء حظ العاصمة أن حدودها الجغرافية ذات طابع زراعي ترتبط مع أربع محافظات هي الأنبار وبابل وصلاح الدين وديالى، ويستخدم المسلحون المساحات الشاسعة من المزارع أماكن للاختباء والتخطيط لشن هجمات على مركز العاصمة.

ولحل هذه المشكلة قررت الحكومة في شباط (فبراير) 2016 بناء سور امني حول ضواحي بغداد يتضمن وضع حائط من الحواجز الكونكريتية يعلو ثلاثة أمتار وبجانبه خندق بالعمق نفسه، في محاولة جديدة لتأمين بغداد، ولكن الفكرة لم تنفذ.

وفي 17 أيار (مايو)، أي قبل أيام قليلة من موجة التفجيرات الأخيرة، أعلن مدير عام الشركة العامة للنقل البري عبد الأمير المحمداوي عن إنجاز الشركة المشرفة على العمل لمراحل متقدمة في بناء سور بغداد الأمني بالتنسيق مع قيادة عمليات بغداد.

صراع سياسي

ولكن سكان العاصمة لهم رأي آخر عن أسباب التفجيرات، ويتهمون السياسيين بالمسؤولية عنها ولا تخلو مواقع التواصل الاجتماعي عن نقاشات تتضمن اتهام الأحزاب بالتفجيرات، ويقول سلام الربيعي صاحب أسواق تجارية في منطقة الجادرية وسط بغداد "القضية واضحة فالتفجيرات نتيجة صراع بين الأحزاب، كلما اندلعت أزمة سياسية تعقبها تفجيرات، نحن على هذا الحال منذ 14 عاما".

ويتساءل الربيعي "كيف يمكن أن تمر سيارات مفخخة من أماكن بعيدة إلى قلب العاصمة بغداد التي تعج بالجنود والشرطة والحشد الشعبي والاستخبارات، لا بد أن هناك مسؤولين وضباطا كبارا متورطين في التفجيرات".

في اجتماع طارئ عقدته كتلة "التحالف الوطني" بحضور رئيس الوزراء حيدر العبادي، اصدر المجتمعون بيانا اعتبر فيه أن "امن بغداد خط احمر ويجب إبعاده عن التنافس السياسي"، فهل هو اعتراف من اكبر تحالف برلماني في البلاد أن الصراع السياسي وراء التفجيرات؟(نقاش)