كازانوفا وجوته ومتعة القراءة

كل فنان حقيقي يعيش الجانب الأكبر من حياته منعزلاً منطوياً على نفسه

القراءة كتعبير عن الانشغال بالذات، زاد روحي وعقلي دائم موصول بقصص وحكايات عن أشواق التجربة الإنسانية وعذاباتها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بداية هو كيف يصل المرء إلى النضج اللازم، لكي يكون بمقدوره القراءة الماتعة المنتجة الناقدة؟ هل يجب عليه أن يضع الفكر في مواجهة اللهو: كازانوفا في مواجهة جوته. وجدت هذه المعادلة في كتاب عثرت عليه بأحد أرصفة القاهرة، ويطلق الكاتب هذا الاسم علي هذه الحالة: تجربة الحياة في خضم المخيلة!

الكاتب هو الأديب النمساوي الشهير "ستيفان زفايج"، أحد أعظم محللي الشخصيات، وكتاب السير الأوروبيين في القرن العشرين. وكتابه "كازانوفا" دراسة قيمة في فهم النفس البشرية، ودخائل العواطف والغرائز وصلتها بالإبداع الأدبي.

يطرح زفايج القضية على هذا النحو: كازانوفا في مواجهة جوته وروسو: "إننا إذا قارنا بين حياته وما تضمنته اعترافات روسو أو سيرة جوته، أو غيره من معاصري كازانوفا لوجدنا الفارق شاسعا من حيث حدة التجارب، وسعة آفاقها، وتنوعها، وثرائها من العدد، ومن حيث الطرفة والخطورة. بيد أن بحرهم المحدود في مداه ذو أعماق تصل إلى عشرات الأميال. أما هو فمحيطه الشاسع قريب الغور، حتى كأنه حقل كبير من حقول الأرز، لا يزيد عمق الماء فيه على شبر، ويظنه الرائي عن بعد بحيرة ما لها من قرار!

فهذا المغامر الآفاق ينتقل فائضًا محيطه المترامي الضحل من شاطئ إلى شاطئ، ومن جزيرة إلى جزيرة، مقتاتًا بما يلقاه في سبيله بغير اهتمام أو تمييز بين الطعوم. يأكل الفاكهة الفاخرة بمثل الاستهانة التي يأكل الجذور المتعفنة إذا لم يجد سواها، يرد به طائلة السغب، ويبدل الجنسيات، والحرف، والصناعات، والألقاب، والنساء كما يبدل قميصه. وهو أينما حل لا يشعر بالوحشة التي يحسها غريب الدار، فهو دائما أبدا في بيته وموطنه. لأن روابط الأسرة والوطن لا تعني لديه شيئا، وإنما هو مواطن العالم كله، كما أن الحيوان مواطن العالم كله، همه الأوحد أن يجد أسباب اللذة أينما وجد!

غير أن جوته وروسو ومن إليهما، في نظر زفايج .. ناشئون وهواة صغار، مبتدئون في عالم الحب، كما إن كازانوفا هاوِ ومبتدئ في عالم الأدب. وهذا بالضبط هو موضوع المأساة الأبدية في حياة كل أديب وفنان ينتسب إلى دنيا الفكر والروح، فيضحي في سبيلها بأهم ما يربطه بدنيا الأرض من أشواق. حتي إذا انغمس في تجاربه بعض الوقت، كان همه كله من لذات الحياة الأرضية أن يحولها إلى زاد فكري ووجداني، فيعكر على اللهو صفوه، ويضيع أهم عناصره، وهو عنصر المتعة وخلو البال.

بحسب هذا يري زفايج أن الفكر عبءٌ، مثل صخرة يحملها الأديب، وعليه ألا يحطها عن كاهله إلى أن يضعها على قمة جبل أعلى من قمة الهمالايا. فإن شاء أن يلهو، أو يرقص، أو يصخب فدونه وذلك كله الصخرة التي على كاهله. فهي لا تدع له لحظة واحدة ينسى فيها مهمته العسيرة. فيا له من لهو مرهق، ويا له من رقص يخيم عليه ظل الهم الثقيل! ما أشبهه بقصف سجناء الليمان القدامي وفي أرجلهم عشرات الأرطال من الحديد، وفي أعناقهم وخواصرهم أغلال غليظة ثقال، وعلى قيد شبر منهم حراب الحراس المسنونة!

بالتالي فإن كل فنان حقيقي يعيش الجانب الأكبر من حياته منعزلاً، منطوياً على نفسه، في صراع متصل مع عمله الإبداعي، وهو صراع يقتضيه ألا يفرغ للتجربة المباشرة للحياة، بل ولا للتجربة غير المباشرة، تجربة الحياة في خضم المخيلة. لا يستطيع أن يمنح جماع نفسه للحياة ولذاتها المباشرة الصافية إلا إنسانًا بلا إبداع، الحياة عنده غابة، لا مجرد وسيلة للإدراك والإحساس والخلق الفني.

فالفنان والشهوان لهما هدفان متعارضان: الفنان يطلب ما هو بات، والشهوان يطلب ما هو عارض. وما جعل الله لامرئ من قلبين في جوفه، ولن يخدم المرء سيدين في وقت واحد، لذا كان على من ينشد غاية أن يوجه كل طاقته إلي بلوغها، متخلياً عن غيرها من الغايات. وقد اختار جوته وروسو ومن إليهما غاية الفكر والفن، واستأثر كازانوفا بغاية اللذة .. وكل ميسر لما خلق له.

قد تقودنا هذه اللحظة من تاريخ القراءة إلى الاغتراب أو التيه بين ظلال تجارب القراءة، تصل بنا إلى طريق مسدود، عندها ننسى أصل أسئلة الانشغال بالذات، ولا نستطيع في الوقت نفسه الكف عن الانشغال بالذات. فكيف يمكننا الخروج من هذا التيه؟ ربما يكون ضحك ديموقريطس ورسالته عن الجنون هو السبيل إلى القيام بذلك.

وفي مقال بعنوان "العلماء والبقية" تقص علينا الباحثة الفرنسية برناديت فنسان تلك الوقائع الغريبة: "وجدت خادمات تراقيا باعثًا على الضحك حين سقط طاليس – المنغمس تمامًا في أفكاره - في حفرة. إن صورة الباحث شارد الذهن قديمة قدم العلم الغربي. وأكثر من صورة أفلاطون النمطية عن طاليس، يمدنا ضحك ديموقريطس بمثال شائق عن العلاقة بين الإبيستمي والدوكسا. إن أبقراط الكذاب يستدعيه أهل أبديرا لأن ديموقريطس مجنون، وجنونه يُعدي المدينة. ويصل أبقراط ويتحاور مع ديموقريطس، ثم يرحل مقتنعاً أن المجنون المزعوم، حكيم عظيم، وإن كان يضحك من كل شيء فهذا لأن الناس – هؤلاء الذين يرونه مجنوناً – يفتقرون إلى الاعتدال والعقل، وإن كان يعيش منعزلاً فهذا لأنه يكتب رسالة عن الجنون.

وهذه أيضا، حكاية مشوقة تبين أن اغتراب المثقف والكاتب عن الجموع يصاحبه تقاربًا يمتد عبر الحدود، بين فيلسوف أبديرا وطبيب كوس. وهكذا يتبين لنا إن هاتين الظاهرتين المتصلتين، لا تشكلان فجوة فحسب بين النخبة والجموع، وإنما ينتج عنهما أيضًا قلب مقولتي العقل والجنون رأسًا علي عقب.