هزيمة 1967، بداية المأساة السورية أتمت اليوم نصف قرن خؤون

في عام 1967 وقعت هزيمة 5 يونيه/حزيران، وانهزمت الجيوش العربية وحكّامها، وطفا على سطح الواقع المرير هشاشة أبنية مجتمعية متخلفة ومقهورة. وأثبتت نتائج هذه الهزيمة أننا لم نرتق بمحاولات النهوض العربي لمستوى الحدود الدنيا لتحديث المجتمع ودمقرطته وتحرير الأوطان وتوحيدها وتحرّر الإنسان فيها، ولم نهتد إلى طريق يمكّننا من اللحاق بركب الحضارة الإنسانية المعاصرة فالعربي "أخفق في ايجاد الموازنة المطلوبة بين طموحاته وواقعه الفعلي حتّى يحدّد مكانة معقولة له في العالم ويتصالح مع التاريخ". ومن هنا فقد فشل العرب في تكوين تيار وعي مجتمعي، ينتقل بالمجتمع والوطن من حالة تفتت وتشرذم نتيجة الولاءات الأولية الاجتماعية إلى حال وحدة وطنية ومجتمعية ضمن دولة مدنية تحفظ حقّ المواطنة والوطن، وبقيت آراء التجديد والتحديث تبجحاّ تتغنّى بها الفئة المثقفة من دون أن تتجسّد في سلوك الداعين إليها.

اليوم الذكرى الخمسون لهزيمة 5 حزيران/يونيه، يوم انكسار الأمة، يوم ترسيخ الوجود الإسرائيلي في فلسطين والتمدد نحو باقي جسد الوطن، اليوم نجني تبعات تلك الهزيمة موتًا وترحيلًا واعتقالًا وتدميرًا على أيدي من رسخت إسرائيل مقاماتهم من (الأنظمة العربية الرجعية والتقدمية، لاسيما جماعة الصمود والتصدي، الممانعة، والمقاومة الإسلامية، والنصر الإلهي،...إلخ) أولئك الذين لم يرتضوا بزعيم لهم إلا وكان خالدًا وملهمًا وأبًا وقائدًا للجيش والشعب والمقاومة، وأيضًا المنزّه والمؤمن والمؤبّد... إضافة إلى ورثته في الحكم الحاملين ذات المواصفات مع شركائهم اللاطمين تشيّعًا والمعممين تكفيرًا والمحتشدين امام حائط البراق يبكون خراب هيكل سليمان في القدس العربية، ومن خلفهم دوائر الفساد العالمي ومافياتها التي ترعاها إدارة الولايات المتحدة الأميركية ومخابراتها.

لقد تمكّن حكّام إسرائيل من استغلال منجزات التقدم العلمي في العالم الإمبريالي المتحضّر، فاستحوذوا على الأسلحة الفتّاكة، ليسجّل كيانهم تغلبها على شعوب فقيرة، لا تزال مصرّة على التمسك بأبنية مجتمعاتها المتخلفة الهشّة بمنأى عن ثقافة الغرب الرأسمالي وثوراته العلميّة التي عمّت المعمورة، لقد ثبت أنّ واقع مجتمعاتنا العربية المتخلف لا يمكن إلّا أن ينتج سلطاتٍ وأنظمةً سياسية تتسم بالجهل والفساد والاستبداد.

لا شكّ أنّ هزيمة حزيران 1967 حدث تاريخيّ غيّر كثيرًا من المفاهيم والقيم والأفكار، ووضع أهل الفكر والثقافة أمام مسؤوليات جديدة، فعبّروا بآرائهم عن التبعات المأساوية لأحوال التخلّف، فظهر فكر سياسي جديد، ابتداء من سبعينيات القرن المنصرم، ارتكز على التحليل الثقافي للتاريخ كما فعل العروي وأدونيس وأركون والجابري وفرج فودة ومطاع الصفدي وغيرهم الكثير، وتبلور كثيرًا من النتاجات الإبداعية في التخييل الذاتي والرواية والشعر والقصة والمسرح وخيضت تجارب جمالية مهمة عبّرت عن ضرورة ربط ظهور الفعاليات الإبداعية بالتحوّل التاريخي، تطابقًا مع ما كتبه جورج لوكاتش (1885 – 1971) أنّه: "من المؤكد أنه ليس من باب الصدفة أن تتفق فترات التراجيديا العظيمة مع التغيرات التاريخية العالمية العظيمة في المجتمع الانساني".

إن الباحث لا يسعه في هذه الذكرى الأليمة إلا أن يستذكر مرحلة النهضة والحداثة العربية، ومحاولات مثقفي هذه الأمة بالنهوض والتحديث، ليس لاستدعاء تجاربهم لتكون حلولًا جاهزة للواقع الراهن، بل ليستلهم سلوك تلك القامات المجيدة وأفكارهم وعزائمهم الصادقة، على عكس أنظمة هزيمة حزيران التي اتسمت بالطائفية والفساد والإرهاب والاستبداد والجهل والتخلّف، التي أوصلت الأمة إلى خروجها من التاريخ ومواطنيها من شرطهم الإنساني.

من الذين يذكرون في عصر الإحياء جمال الدين الأفغاني (1893- 1897) الذي دفعه حرصه على بقاء الإسلام ببهاء عصوره الماضية أن يهاجم المسلمين الذين استسلموا للغرب بعد مؤتمر برلين عام 1878 قائلاً: "أنرضى ونحن المؤمنون، وقد كانت لنا الكلمة العليا أن تضرب علينا الذلة والمسكنة؟ أو أن يستبد في ديارنا وأموالنا من لا يذهب مذهبنا، ولا يرد مشربنا، ولا يحترم شريعتنا، ولا يرقب فينا ذمة؟ بل أكبر همّه أن يسوق علينا جيوش الفناء حتى يخلي منّا أوطاننا ويستخلف فيها بعدنا أبناء جلدته.." ويذكر أيضًا محمد بيرم الخامس (1840-1889)، وعبدالرحمن الكواكبي (1854 – 1902) صاحب كتابي "أم القرى" و"طبائع الاستبداد" وغيرهم الكثير من دعاة النهضة والتحديث.

في كتاب "الأيام" الذي صدر عام 1926 انتقل طه حسين (1889– 1973) بشكل جذري من إنسان خاضع لمعايير تفرُض عليه إلى خالق للمعايير الجديدة المستمدة من انشقاقه عن الجماعة المنغلقة، ومنذ صفحات الكتاب الأولى نجده توّاقاً للانعتاق والتحرر من البيت وأنّه "يحسد الأرانب التي تتخطّى السياج وثباً من فوق، أو انسياباً بين قصبه..." من هذا البيت المسكون بـ "عفاريت كثيرة تملأ أرجاءه ونواحيه..." ثم يدلي بنقده للمجتمع الأبوي الذي يجعل من الأولاد أداة بيد أسرهم "... وأنّ الأبوّة والأمومة لا تعصم الأب والأم من الكذب والعبث والخداع"

النموذج الآخر الذي يعدّ ركناً من أركان الحداثة هو جبران خليل جبران (1883- 1931) المدافع عن أهمية الرؤية المغايرة للمألوف، التي قد تتحول بصاحبها ليصبح منبوذاً من جماعته الجاهلة، وقد يفضي به الأمر إلى حالة من الجنون وسط أحوال الزيف والتخلف، وصوّر جبران الناس في مجتمعات التخلف والقهر في كتاباته، وشبّه المراؤون منهم بواضعي البراقع على وجوههم، يظهرون للمجتمع سلوكًا مغايرًا لحقائقهم، وعندما يزيلون براقعهم عن وجوههم يظهرون على حقائقهم فيتحوّلون إلى مجانين. جبران الذي يرى: "فكر الإنسان، دون روحه، يخضع للشرائع التي يسنّها الإنسان"، إنّه جبران الذي لم يتورع عن جعل خليل الكافر يشيِّد مجتمع الإيمان الحقيقي، كما أعاد صياغة كتاب الأناجيل في يسوع ابن الإنسان وكتاب النبي ليعارض فكر الكنيسة المتخلّف وليقطع مع المرجعية الدينية، إنّه جبران الذي يقول: "لايكسر الشرائع البشرية إلاّ اثنان: المجنون والعبقري، وكلاهما أقرب الناس إلى الله".

لقد رفض الحداثيون منذ بداية القرن العشرين، تقسيم العالم إلى روحي ومادي، بل عملوا على توحيد الفنّي والسياسي، والجمالي والتواصلي.

ثمّ بدأ النكوص بعد نكبة فلسطين عام 1948. فإنّ العودة بالتفكير إلى خمسينيات القرن المنصرم، العقد الذي تأسس فيه الحكم الاستبدادي، المترافق مع نكوص محاولات الحداثة العربية ضرورة لمعرفة كيف أنتجت الأنظمة الطائفية الفئوية التي ولدت كل هذا الجنون الذي نعيشه الآن.

لقد كتب الكثير عن القضايا المتعلقة بالحداثة والحداثيين وتقهقر أفكارهم ورؤاهم وسط مجتمع متخلّف، وهناك كثير من محاولات معرفة ظروف هزيمة 5 حزيران عام 1967 وأسبابها الكامنة في بنية مجتمعنا المنغلقة على ماضي الأمّة، والمتضافرة مع جشع الاستعمار الغربي وأطماعه للهيمنة على ثروات أمتنا الوفيرة وتصريف مصنوعاته في أسواقها، وليملي على شعبنا قيمه الثقافية والأخلاقية معتمدًا على كيانات وأنظمة حكم سياسية هزيلة لتحقيق أهدافه، لكن تبقى سلطات أنظمة الحكم التي تركت شعوبها في حالة مُزرية تتخبط في التخلف والقهر هي الأسباب المباشرة لهزيمة حزيران التي كشفت عن زيفها وعن مكامن تعثّر التحديث الذي بشّر به الروّاد، معلنة عن نكوص المشروع النهضوي العربي برمته. كما كشفت أيضًا، عن عجز وضحالة تيارات الفكر السياسي العربي (إسلامية، ليبرالية، قومية، اشتراكية وشيوعية) التي تشكّلت وتطورت في سياق محاولات الشعوب العربية للثورة والتغيير على درب الحرية والمتعارضة فيما بينها. هذه التيارات التي تمتلك أوهامًا عن الحداثة وليس وعيًّا فاعلًا لها ضمن سياقها الزماني والمكاني، أوهام آلت إلى وقوف تلك التيارات على ضفتين متقابلتين غير تاريخيتين، بل مضلّلتين؛ ضفة اللجوء إلى الماضي واستحضاره لمعالجة الراهن، وقد رفض هذا الفريق شروط الحضارة الحديثة، وفريق الضفة الأخرى الذي تنكّر للماضي ولجأ إلى الحضارة الأوروبية الحديثة مستقيًا أوهامه عن الحداثة من الاستعمار الغربي، وفي هذا يقول برهان غليون "لا بد من الكشف عن أسباب هذه القطيعة المأساوية العميقة التي تجعل من رفض الذات شرطاً لقبول الحضارة أو توطينها، ومن إنكار هذه الحضارة شرطًا لتأكيد الذات"، أخيرًا لا يسعنا إلا نردد مع السوريين: صبرًا شعب سوريا صبرًا على مأساتكم التي أتمت اليوم نصف قرن خؤون، برعاية إسرائيل الكيان الاستيطاني، وكيل الإمبريالية والفساد العالمي، المعيقة لأيّ تحرر أو تقدم لشعوب أوطاننا.