'الإسلام' في مواجهة التطرف والإرهاب

فلنتعامل مع أنفسنا كبشر من موقف الإنسانية

اعتاد الإرهابيون والمتطرفون تلطيخ وجه الإسلام المشرق بجرائمهم الدموية، وإغلاق أبواب الحرية والنور والحضارة أمام البشرية كلها. وهم في جرائمهم هذه يتلبسون ثوب الإسلام ويرفعون راياته. وقد حرموا كل حلال، وأحلوا كل محرم، وصوروا الدين الحنيف كما لو كان سجنا واسعا خانقا للناس جميعا، فكل شيء من وجهة نظرهم حرام: فلا فكر ولا علم ولا تجارة ولا صناعة ولا إبداع ولا وطنية.

في ظل هذا التشويه للإسلام تبرز أهمية أحدث ما أصدره الكاتب والناقد المصري حزين عمر من أعمال فكرية: كتابه الجديد "الحرية في الإسلام.. في مواجهة التطرف والإرهاب" والذي نشرته مؤخرا دار أطلس القاهرية في حوالي مائتي صفحة، ليكون أول كتاب كامل ومبحث مستفيض في مجاله.

الكتاب يعالج كل أشكال ومسميات الحرية بمعناها الحديث، ويخرج منه القارئ بيقين بأن الإسلام قد سبق العصر الحديث وتجاوزه في فهمه للحريات العامة: حريات العقيدة والفكر والإبداع والبحث العلمي والتنقل والتجارة واختيار الحاكم والرأي العام والعمل، وكذلك تحرير العبيد.

في المدخل الذي يحمل عنوان "خلافة الله والحرية في اللغة" يقول الكاتب: الإنسان - لا الملائكة- هو خليفة الله علي الأرض، هو القوي المسيطر على كل الأشياء في حدود هذه الأرض. وما تقع عليه عيناه، وتدركه حواسه، ويعقله ذهنه. أي أن خلافة الله هي (العمل) والكفاح لتسخير الطبيعة بناء على علم الله الأولي الذي وهبه للإنسان. وكلما كان الإنسان أدري وأكثر علما واجتهادا في الأرض كان أجدر بالخلافة فيها.

ومن مقتضيات هذه الخلافة أن يطلق الإسلام حرية الإنسان، لا أن يقيدها، ولا أن يعطلها. والحقيقة التاريخية المؤكدة والمرصودة في التاريخ البشري أن الإنسان أنجز من الحضارة والتمدين والعلم منذ نزول الإسلام حتى الآن، ما لم ينجز جزء قليل منه قبل الإسلام طوال عشرات الآلاف من السنين.

وقد يدعي غير الموضوعيين أن لا أثر للإسلام في هذا، فندعوهم إلى ذكر أكبر وأعظم متغير في تاريخ البشرية منذ ألف وخمسمائة عام، ولن تخرج الإجابة عن لفظة واحدة: الإسلام.

والحرية في لغتنا العربية مشتقة من حرفين: الحاء والراء، مع تكرار الحرف الثاني: "حرَرَ". والأصل في هذه المادة كلها بمشتقاتها ـ غالبا ـ هو السخونة والنار والقتل في المعارك والعتق للأسير ونقاء المادة وخلاصها من الشوائب، والإصلاح والإحكام بالنسبة للكتاب والكتابة، والكرم وحسن الخلق للإنسان. وحتى بدون تكرار الحرف الثاني فمعظم ما ورد من حاء وراء يحمل معني الكفاح والعذاب والألم: هنالك مثلا ألفاظ: حرق، حرض، حرم، حرص، حرن، حرز، حرج.

وفي باب "الإنسان حرا .. بلا عبودية" يقول حزين عمر إن البشرية تنجح في خلافة الله على الأرض، أي بناء الحضارة، إذا أقامت صيغة للتوازن بين ما هم غريزي مطلق: كالجنس والجوع، وما يترتب عليها من سلوك مركب؛ وبين ما هو (غريزي عقلاني) معا، أي الحرية.. ولننظر إلى صحة هذا الرأي بنتائج الممارسة على أرض الواقع: الدول الأكثر حرية أو الحرة بصفة عامة في عالمنا الراهن هي الأكثر قوة وتقدما وازدهارا. وكلما نجت الدول من عناصر الكبت والقهر والاستبداد امتلكت أسباب النهوض والتمدين والحضارة.

أما في باب "حرية الاعتقاد" وعن حرية الإيمان والكفر يشير الكاتب إلى أنه ليس هنالك من وسيلة سوى إثابة المؤمن بالجنة ومعاقبة الكافر بالنار يوم الحساب، وليس لأحد أن يعاقب أحدا قبل ذلك، فالعقاب في الدنيا ـ على العقيدة ـ افتئات على يوم الحساب والآخرة التي لا بد أن نؤمن بها، وهو تطاول على اختصاص من اختصاصات الخالق سبحانه الذي يملك وحده سلطة الحساب في الآخرة على إيمان الناس وكفرهم.

فلنتعامل إذن مع أنفسنا كبشر من موقف الإنسانية، لا من منطلق الديانات والعقائد، فالله سبحانه {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} سورة التغابن .. آية 2. ولم يقل سبحانه: فمنكم مسلم ومنكم مسيحي ومنكم بوذي ومنكم مجوسي، بل إن الكفر سبق الإيمان في الآية، ربما لغلبة الكافرين على المؤمنين عددا وقوة، وربما لتفضيل الإنسان الكفر على الإيمان، وربما ارتبط هذا التقديم بعنصر الزمن، فبدايات البشرية ـ بعد آدم طبعا ـ كانت إغراقها في الكفر.

وعن "حرية التصرف والسلوك" يقول حزين عمر إن الدعوة إلى الهداية ونبذ الكفر والموبقات توجه إلى (الإنسان) و(الناس) لا إلى أمة بعينها ولا شعب بذاته {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير} سورة الحجرات ـ آية 13. لا أثر هنا للتمايزات والتفرقة بين البشر فهم جميعا من أنثى واحدة وذكر واحد، حتى أنه سبحانه وتعالي لم يقل (امرأة) واحدة و( رجل) واحد, بل وسع الدائرة إلى أقصي مدي: ذكر وأنثي .. كي لا يضع إنسان بعد ذلك أية حواجز للتفرقة حينما يتحولون إلى شعوب وقبائل، لأن البشر لا بد لهم من الانتشار في كل بقاع الأرض ليعمروها.

كتاب "الحرية في الإسلام .. في مواجهة التطرف والإرهاب" لحزين عمر تعرض باستفاضة كذلك لسائر فنون ووجوه الحريات التي أكد عليها الإسلام وبنت عليها حضارتها عمدها مثل (الشورى والحكم والرأي العام) وحرية (التنقل والتملك والعمل) و(الفكر والإبداع) و(التعليم والبحث العلمي).

وليس علينا إلا أن نزيل ما لحق بحضارتنا من شوائب التخلف وغبار الجهالة وغوغائية الأغراض، ثم نبني على أعمدتها الرصينة الصامدة لنشارك في نهضة البشرية الراهنة لا نظل هكذا عبئا ثقيلا عليها.

وهذه هي المفاهيم التي تعرف عليها القرن العشرون تحت مسميات حرية التجارة والسوق الحرة وحقوق الإنسان. وإن كانت هذه الحريات مطلقة تماما في الإسلام وأكثر مما هي عليه الآن في القوانين والمواثيق الدوليه.

الكتاب عمل فكري علمي يعتمد على القرآن الكريم ثم الحديث الشريف والممارسة السياسية والحياتية على أرض الواقع زمن ازدهار الدولة الإسلامية في القرون الأولى. وقد صاغه حزين عمر صياغة أدبية راقية عبر لغة رصينة محكمة لا تعاني أمراض الركاكة والتسطح التي تفيض بها بعض المطابع في الوقت الراهن.