مع مشروع 'السُّنّية' في العراق

الدفاع عن السُّنة هو الدفاع عن الدولة العراقية

يطرح هذا العنوان ثيمة إشكالية عند مَن يعتقد أن الدفاع عن حقوق السنّة في العراق هو، في إحدى صوره، دفاع عن خيار طائفي في مواجهة خيار طائفي آخر يهيمن على السلطة. وحين يأتي هذا الدفاع من فرد لا ينتمي للمذهب السنّي، تتعالى الأصوات ويعلو ضجيج أبناء مذهبه ضده ليقع طريد شتى الأوصاف كالإنبطاح والدونية والتملّق وغيرها. وحتى نبتعد عن محاكمة الكتابة بعناوينها الإشكالية، يجب توضيح ما تعنيه "السنّية" في العراق.

السنّية التي أقصدها ليست الخيار الطائفي الذي يمثل وجهة نظر أبناء المذهب السنّي في العراق، أي لا يتعلّق الموضوع بالدفاع عن رؤى وتصورات دينية محددة يُراد فرضها على رؤى وتصورات دينية أخرى، بل تعني حفظ حقوق أبناء المكون السنّي وصد محاولات تهميشهم ووضعهم في خانة المواطنين من الدرجة الثانية. بكلام آخر، هو دفاع عن وجود مكوّناتي يصنع للديمقراطية معناها وجوهرها، إذ بدون حفظ حقوق جميع المكونات في العراق ، تصبح الديمقراطية صورة من صور الدكتاتورية مهما كانت حجوم صناديق الإقتراع في البلد.

ومثلما كان الدفاع عن حقوق الشيعة في زمن صدام حسين دفاعاً عن الحريات في مواجهة قمع السلطة ، يكون الوقوف مع السنّة اليوم دفاعاً، هو الآخر، عن حرية يُراد ترويضها وصهرها وإخضاعها لبنية دولة تهيمن على مفاصلها أحزاب الطائفة الأخرى.

"السنّية" هنا بإختصار ليست خياراً طائفياً بل خياراً أخلاقياً يدافع عن التنوّع الإجتماعي ويحفظ للديمقراطية جوهرها ومظهرها ، والوقوف مع هذا النوع من "السنّية" وقوف مع الديمقراطية. وقوف يشبه تماماً الوقوف مع المسيحيين والأيزيديين في محنهم ومعاناتهم على يد داعش في العراق. بل يشبه كل وقوف مع كل مكون يشعر بالحيف والإضطهاد في أي بقعة من بقع العالم الواسع. هو وقوف مع منهج المعارضة الأخلاقية لا الطائفية، وبالتأكيد لن يقع تحت هذا العنوان مَن يعارض سلطة طائفية بسلطة طائفية أخرى، فالأخير ليس بمعارض بل سلطوي له نفس غايات السلطة لكنه يختلف معها الآن بالوسائل فقط.

في هذا التعريف الدلالي العام "للسنّية"، يصبح كل معارض للسلطة ومدافع عن جوهر مفهوم الديمقراطية والحريات في العراق "سنّياً" بالضرورة، حتى لو لم يكن سنّياً أصلاً، لأن "السنّية"، بمعناها الأخلاقي هنا، لا تعني الدفاع عن حقوق أفراد سنّة، بقدر ما هي بنية تفكير سياسية تنحاز لتيار المعارضة الأخلاقي الذي يتبنى منهج التعددية وحقوق الإنسان مقابل منهج التهميش لدى السلطة. فإن كانت المعارضة الأخلاقية "سنّية" اليوم ، ستتغيّر ربما في الغد وتصبح "شيعية" او "مسيحية" او "كردية" او تركمانية" كلما تغيّرت علاقات القوة في البلد وتبدّلت معها مواقع المكوّنات بين سلطة ومعارضة.

الدفاع عن السنّة اليوم هو دفاع عن الدولة العراقية ومشروعها الديمقراطي وليس دفاعاً عن مذهبٍ في حد ذاته.

سليم سوزة

كاتب عراقي