بإسم الدين سرقوا الوطن واختطفوا المجتمع

منذ حوالي اثني عشر عاما يحكم الإسلاميون في العراق. وهم يسعون اليوم إلى أن يزيدوا من عمر حكمهم أربعة أعوام أخرى لكي يتاح لهم البدء بتنفيذ فقرات برنامجهم السياسي الذي هو جزء من المشروع الإسلامي كما يزعم كبار سياسييهم.

غير أن ثقتهم هذه المرة تبدو أضعف مما كانت عليه في المرات السابقة. وهو ما يفسر إصرارهم على عدم تغيير قانون الانتخابات والتجديد لمفوضيتها ومنع الكتل السياسية الصغيرة من الترشح.

ما هو ثابت على مستوى التوقعات أن يفوز الإسلاميون في أية انتخابات تُجرى في العراق. فالبلد مقيد بميليشياتهم وثروات البلد تحت أيديهم ناهيك عن الدور الخطير الذي تلعبه المرجعيات الدينية في كبح أية بادرة للاعتراض، كونها نوعا من الفتنة التي يُراد من خلالها إفشال المشروع الإسلامي.

في الواقع فإن الإسلاميين يعرفون أن لا أحد ينافسهم فلا وجود لتيار مدني في الحياة السياسية العراقية. هناك رجال سياسة غير معممين هم جزء من المخطط الأميركي الذي فتح الباب على مصراعيه للإسلاميين لاستلام الحكم المطلق وهناك شيوعيون لا يزالون ينظرون بعيون يتيمة إلى الفتات التي يمكن أن يقدمه الإسلاميون لهم كما حدث غير مرة حين تم احتضان عدد منهم في وزارات ثانوية كالثقافة والتعليم العالي والتخطيط. هي وزارات ثانوية في بلد لا يحترم ساسته الثقافة ولا يؤمنون بالتعليم ولا يهمهم التخطيط.

يعرف الإسلاميون أنهم قدر العراق السياسي إلى زمن غير منظور.

وإذا ما كانوا بعض الأحيان يشيرون بأصابع الاتهام إلى ما يسمونهم بالعلمانيين وهي تسمية مجازية لا وجود لها في الواقع فإنهم يدركون في الوقت نفسه أن المشار إليهم لا يستطيعون جمع مئة شخص كحد أعلى في تظاهرة احتجاجية.

فما الذي يخشونه إذن؟

مَن ينظر إلى الخريطة العراقية لابد أن يدرك أن المدن ذات الغالبية الشيعية المطلقة وحدها هي التي سيذهب سكانها للاقتراع. فمن السخرية القاسية أن يتوقع أحد أن تُجرى انتخابات من أي نوع في المدن ذات الغالبية السنية. تلك مدن مهدمة، منكوبة، اندثر جزء من سكانها تحت أنقاضها فيما توزع الجزء الآخر بين مخيمات النزوح وبلدان اللجوء القريبة والبعيدة.

الإسلاميون وهم شيعة يسندهم سنة اخوانيون يخشون مواجهة ما يمكن تسميته للأسف بالشارع الشيعي بعد أن افتضحت فقرات مشروعهم الإسلامي القائم على الفساد.

لم ير العراقيون عبر الأعوام الاثني عشر الماضية من المشروع الإسلامي الذي يرفع الإسلاميون لواءه سوى الفساد بكل مظاهره وتجلياته التي توزعت بين سرقة المال العام مباشرة وبين انفاقه بطريقة أدت إلى هدره من غير مقابل مرورا بانتشار الرشوة التي صار العراقي يدفعها أينما مضى ولأي كان، بدءا من إمام الحسينية وشيخ الجامع وانتهاء بالنواب وأقربائهم مرورا بموظفي الدولة في مختلف مستوياتهم.

لقد تفنن إسلاميو العراق في فسادهم فصار من الصعب أن يقارنوا بالفاسدين في بلدان أخرى شهدت شيئا من التنمية وقدرا من الرخاء في ظل الفساد الذي ابتليت به.

في ظل فساد الإسلاميين في العراق اتسعت دائرة الفقر وأزداد عدد الفقر كما ارتفعت معدلات البطالة وانحط القطاع الصحي إلى الدرجة التي صار فيها المرضى يستقبلون ضيوفهم في الشارع تجنبا لثمن دخول المستشفى وصار على المرضى أن يجلبوا معهم الأدوية المناسبة لعملياتهم إلى صالات الجراحة، كما وصل التعليم إلى درجة حرجة بحيث صار خريجو الكلية الطبية يؤدون قسم ابقراط في الحضرة الحسينية. لقد حدث وأن القى زعماء الميليشيات وهم مطلوبون للعدالة محاضرات توعية وتحشيد طائفي في الجامعة المستنصرية في قاعات سبق لأبرز علماء العراق أن القوا محاضراتهم فيها.

كل ما ذكرته قد لا يخيف الإسلاميين. ما يخيفهم فعلا أن طائفيتهم المريضة لم تجد طريقها الواقعي لخدمة أبناء الطائفة الذين وضعوا أنفسهم في خدمة مشروعهم. هناك اليوم مدن شيعية فالتة وأخرى مأزومة وكلها صارت تئن من الفوضى التي سببها غياب الدولة وانتشار ظاهرة الفساد التي صنعت شبكة علاقات تمتد من مجالس المحافظات إلى المضائف العشائرية مرورا بمراكز الشرطة.

ما صار العراقيون على يقين منه أن حياتهم قد تم تدميرها من أجل أن يستمر المشروع الإسلامي الذي لم يروا منه سوى علامات جنهم.

ما لن يتمكن الإسلاميون من استدراكه وقوعهم في دائرة خيانة الأصوات التي انتخبتهم وهيأت لهم فرص نهب ثروات الوطن. لذلك ستكون عيونهم مصوبة في اتجاه مرجعية النجف التي لن تتأخر عن إنقاذهم، ففي بقائهم بقاؤها.

يدرك الإسلاميون أنهم اختطفوا المجتمع كله بذريعة الدين، لذلك يكثرون من الحديث عن المشروع الإسلامي الذي يهدده العلمانيون المفترضون خشية أن ينقلب المجتمع عليهم.