المرجعية الدينية: 'الشرع متحضر'!

الشرع بأنّه متحضر يوحي بعدد من الأفكار

وصف ممثل المرجعية الدينية في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة السيد أحمد الصافي في الخطبة الثانية الجمعة الفائتة، الشرع بإعتباره متحضر جداً، أو كما ورد نصاً على لسانه "في منتهى التحضر". جاء ذلك في معرض الإطراء على الوثيقة التي وقعتها العشائر مؤخراً والتي إتفق فيها الموقعون من ممثلي العشائر المعروفة في العراق على نبذ الطائفية والكف عن الفصل العشائري والنهوة وما إليها.

واستطرد ممثل المرجعية بتوجيه النقد للعشائر التي تسمح بممارسات غير منضبطة بقانون، مطالباً إياها بعدم المضي إلى أبعد من ذلك كما في إغلاق العيادات أو إقتحام المدارس وغيرها من طرق المطاردة والملاحقة والعبث بأمن المجتمع ومؤسساته لأنّ ذلك "يعتبر تجاوزاً وتعدياً"، يحوّل الطرف المعني من موقع "الظالم"، إلى موقع "المظلوم" وبخاصة بعد قيام الطرف المعني عند ثبوت تقصير من نوعٍ ما مثلاً بدفع "الديّة" أو الغرامة. السؤال الذي يهم المواطن العراقي اليوم ما هي الحدود المرسومة بين المرجعية الدينية والعشيرة والدولة!. لقد سبب التداخل في أدوار هذه الأركان الثلاثة الكثير من التوترات والصراعات التي أربكت صيرورة الحياة الاجتماعية وحوّلتها إلى ما يشبه اللغز الكبير والمشوش.

فبمن تأتمر ومن تتبع وبمن تهتدي! كما ساهم هذا التداخل المربك والمفتعل بإنعاش أطواق متعددة من "الإزدواجية" باستخدام مفهوم الدكتور علي الوردي، وليس طوقاً واحداً فحسب. فهناك طوق المرجعية الدينية والعشيرة ممن يقترحان عادةً حلولاً للمشكلات اليومية التي تظهر في واقع الحياة الاجتماعية تتناقض في الغالب بتوجهاتها ومراميها بدليل تخصيص المرجعية الدينية أجزاء مهمة من خطب الجمعة للتوجيه والنقد والتقويم لكثير من الممارسات العشائرية غير المقبولة.

هناك طوق المرجعية الدينية والدولة ممن يسعيان إلى التكامل والتجانس بحكم النص الدستوري الذي يقضي بعدم قبول أي تشريع يتعارض مع المسلمات الفكرية للإسلام الا أنّهما في الواقع يتعارضان بحكم الطبيعة التباينية والمعقدة للمجتمع العراقي باعتباره مجتمعاً حديثاً. اجتمعت السلطة الدينية والسلطة السياسية في الماضي على نحو سلس بحكم عوامل الوحدة والتقارب والتماثل البنيوي والفكري للمجتمع آنذاك إلا إنّ هذا لم يعد ممكناً اليوم بسبب التنوع الذي ظهر على كل المستويات.

المجتمع العراقي مجتمع حديث تشترك فيه وتساهم بصنعه جماعات متنوعة على أسس دينية ومذهبية وقومية إلى جانب الإختلاف على مستوى المرجعيات الثقافية والآليات والتفاصيل الدقيقة لمعالجة الإشكالات الطارئة. لا تملك المرجعية الدينية على سبيل المثال، الأدوات والأنظمة والتعليمات التفصيلية التي تمكنها من التثبت من مصداقية إتهام أحد بالقتل العمد على سبيل المثال فيما تملك الدولة ذلك بحكم المؤسسات التي تقوم بإدارتها والأشخاص المؤهلين لذلك مهنياً ممن يعملون بإمرتها. وهناك طوق العشيرة والدولة ممن يتعارضان في الغالب بحكم النزعة الفردية والمصلحية التي تحكم العشيرة والتي تسعى دائماً إلى تحدي سلطة الدولة ومنافستها وخذْ على هذا. لا يملك المواطن الكثير من الوقت للتريث والإنتظار كيما يبت في قضاياه وهمومه ومشكلاته التي غالباً ما تكون موضوعاً يمكن أنْ يدخل في دائرة اختصاص أي من هذه الأركان الثلاثة مما يتسبب بالإضطراب والحيرة والإرتباك.

من جانبٍ آخر فإنّ وصف الشرع بأنّه "متحضر" يوحي بعدد من الأفكار لعل في مقدمتها أنّه لا يتقوقع بعيداً عما يجري في العالم وبمقاييس اليوم من علمية ونظرية وفكرية. لعل الإصغاء إلى مقاييس العلم والتطور التي طالت المؤسسة الدينية على مستوى الحياة في عالم معاصر تقترح فك الإرتباط والتداخل المعطل للحياة الاجتماعية بسبب السطوة وليس فقط السلطة التي تمارسها هذه الأركان الثلاثة، المرجعية الدينية والعشيرة والدولة والا فإنّ الوصف لا يتعدى حدود أنْ يكون وصفاً فحسب. التحضر بحسب المتعارف والمتفق عليه علمياً وثقافياً أنْ يصار إلى الفرد والدولة ممثلة بمنظومة قانونية مفصلة دقيقة ومصانة من قبل أجهزة ودوائر أمنية وقضائية تعمل على تطبيقها وتحول دون التجاوز عليها أو إمتهان وظائفها الهادفة لحماية حقوق المواطن وتأمينها. لا يبقى والحالة هذه للعائلة والعشيرة على أهميتهما لوحدة الحاضنة الاجتماعية وسلامتها إلا الجانب الأدبي والأخلاقي.

أما كيف تعالج المشكلات وترتّب أوضاع الخلق والعباد فمسألة تتعلق بالفرد موضوع الفعل والدولة بما تملك من إمكانات وخبرات وقواعد عمل. لا يغيب عن بال المرجعية الدينية مدى إستشراء ظاهرة العنف الأسري في المجتمع العراقي الأمر الذي أدى إلى إرتفاع مقلق للغاية بمعدلات الطلاق وما يترتب على ذلك من تفكك أسري ومعاناة على مستوى الأفراد كالزوجين والأولاد وكل من يرتبط بهم من أقارب ومعارف. وكذلك الحال على مستوى التجاوزات التي تحصل على المعلمين والمدرسين والأطباء وفي الغالب بلا وجه حق. لقد أدت الإستهانة بدور المؤسسات الصحية المهنية على سبيل المثال والسماح للتدخلات خارج سلطة القانون إلى كوارث اجتماعية حقيقية كما في حالة الطبيب الشاب الذي حدث أنْ كانت لديه خفارة في قسم الطوارئ في أحد المستشفيات فجيء بسائق أتهم بدهس شخص متسبباً بوفاته. أمر الطبيب بإجراء التحليلات اللازمة للدم والإدرار فتبين أنّ السائق كان يسوق تحت تأثير الخمر. سجل الطبيب ذلك في التقرير الذي طلبته الشرطة.

قبل أهل الشخص المتوفي النتيجة واستمروا في متابعة إجراءاتهم القانونية بحق السائق الا أنّ الطبيب وقع ضحية إبتزار عشيرة السائق المخمور والتي طالبت الطبيب الشاب بدفع مبلغ خيالي وصل مائة مليون دينار عراقي عقوبة له على إقراره بالحقيقة وعلى الرغم مما توافر له من دليل علمي مادي معملي لا سبيل إلى دحضه. لم يستطع الطبيب الشاب تلبية المطلوب فكان أنْ هرب بعيداً عن منزل عائلته الذي لم يصله لما يقرب من العامين حتى اللحظة وهو يعيش طريداً في محافظة أخرى بعيداً عن مهنته كطبيب منتظراً الفرصة ليثب خارج العراق في مكان ما من هذه الدنيا الواسعة.

لقد تسبب التجاوز وتعطيل دور الدولة أو تهميشه من خلال عدم إحترام نتائج التحقيقات التي تقوم بها لجان مختصة على مستوى المحافظة أو الحكومة الإتحادية إلى أنْ يترك عشرات الأطباء والمعلمين والمدرسين مواقع عملهم وظل بعضهم يعيش مشرداً ريثما يدبر أمره لمغادرة العراق. يستذكر العراقيون بين فترة وأخرى أنّ هناك ما لا يقل عن خمسة آلاف طبيب عراقي يعملون في المستشفيات والمراكز الصحية البريطانية فقط. إذا ما قرر هؤلاء الأطباء ترك وظائفهم بصورة جماعية مرة واحد فإنّهم يمكن أنْ يتسببوا بإنهيار نظام الرعاية الصحية في إنكلترا. هكذا تعيش الكفاءات العراقية بحكم هذه التدخلات الفظيعة. إما أنْ تهرب وتخدم في بلدان أخرى أو تمضي حياتها تسير كما يقال "في جانب الحائط"، تترقب وقع خطوات المتجاوزين والمهددين والمنذرين وليس المتعاونين والمبشرين والمعترفين بفضلها وبالتالي الدافعين لها من أجل مزيد من الإنجاز والأداء المبهر.

واضح أنّ هناك حاجة للفصل بين هذه الأركان الثلاثة المذكورة "الدين والعشيرة والدولة" على غرار الفصل بين السلطات "التنفيذية والتشريعية والقضائية"، إذا ما أريد للدولة أنْ تحث الخطى لتحقيق العدالة والسلامة للجميع. بناء دولة المواطنة الذي لا مكان فيه لغير حكم القانون العادل والمنصف للجميع ودون إستثناءات على أي أسس كانت يتطلب رفع اليد عن سلطة القانون وتقوية مؤسسات الدولة والمطالبة بتعيين الأكفأ والأخلص لها من أصحاب المؤهلات والمهارات الفنية التقنية اللازمة في مجال إختصاصاتهم وليس من أصحاب الولاء لأنّ الولاء نسبي ويسهل بيعه وشراؤه كما أثبتت الظروف والدلائل من خلال سلوكيات الكثيرين ممن عملوا في هذا الفصيل السياسي أو ذاك باسم كتلة أو حزب أو تجمع.

لاهاي عبد الحسين

نشر في المدى البغدادية