حكومة الاغلبية في العراق.. المعلن والمخفي

بعد اعلان نتائج انتخابات العام 2010 وحصول كل من القائمة العراقية على 91 مقعدا ودولة القانون 89 مقعدا، اعتقد كثيرون ان العراق دخل مرحلة جديدة، وان سنوات الرعب وضياع الدولة انتهت. لان عرب العراق، باختيارهم قائمتين مدنيتين نسبيا، اختاروا الاستقرار. مذكرين هنا بان الحديث عن الدولة المدنية اخذ يتصاعد على اثر اخفاق القوى الاسلامية في لملمة اشلاء الدولة المبعثرة، فالتنافس السياسي، الذي استحضر الثقافات الجهوية والمناطقية والطائفية، اصاب العملية السياسية بشلل حقيقي، مضاف لخللها البنيوي، وادى الى تورمات واحتقانات انتهت بنا الى كارثة العامين 2006 و2007 الدمويين، واللذين رأى كثيرون خلالهما، ان العراق خرج ولم يعد، وتقسيمه بات حقيقة واقعة. بعد الانتخابات تلك، كان لا بد من الايثار وتقديم التنازلات المتبادلة بين القائمتين العربيتين الكبيرتين من اجل اعادة ترتيب البيت العراقي. كان حديث قوى القائمة العراقية قبل الانتخابات، ينصب على ضرورة اعادة النظر بمؤسسات الدولة التي بنيت على اسس خاطئة. وها قد جاءتها الفرصة الذهبية للتفاهم بشان حكومة اغلبية مع دولة القانون، من اجل وضع برنامج شامل والعمل على تنفيذه، مذكرين بان قائمتين صغيرتين، هما وحدة العراق والتوافق بمجموع 10 مقاعد انضمتا للعراقية الامر الذي عزز الاغلبية البرلمانية المريحة التي تؤهل القائمتين في حال تشكيلهما الحكومة لتمرير جميع المشاريع التي يتفق بشانها، وهو ما كان الكثيرون ينتظرون حصوله، لخلق ارضية وطنية مشتركة، ينطلق منها العراق من جديد.

لكن الذي حصل، وطيلة المدة التي سبقت اتفاق اربيل الكارثي الذي تشكلت بموجبه حكومة المالكي الثانية، هو سعي كل قائمة للحصول على منصب رئيس الوزراء. وظل التراشق الكلامي بين اطراف القائمتين مستمرا ويدور حول هذه المسألة، ولم يجلسا للتفاهم على برنامج انقاذ للبلاد، بمعنى ان الهم لم يكن وقتذاك، والى اليوم، هما وطنيا بقدر ما كان من اجل السلطة والمكاسب الحزبية والشخصية. وللحق نقول، ان الفرصة كانت سانحة امام القائمة العراقية، لتتقاسم الحكومة مع دولة القانون التي مثّل خروجها من الائتلاف الوطني العراقي، وحديثها عن الدولة المدنية، تحولا في مسار العملية السياسية، وان استثمار هذه الفرصة من قبل العراقية، والاتفاق مع دولة القانون على برنامج للاصلاح، مقابل تسليم رئاسة الوزراء للمالكي، هو الايثار المطلوب في تلك المرحلة، لاسيما ان دولة القانون تمتلك هامش مناورة، يتمثل بوجود قوى الائتلاف الوطني الاخرى. فالعودة اليه تعني تشكيل الاغلبية وقطع الطريق على العراقية في الحصول على رئاسة الوزراء وعلى البرنامج الاصلاحي معا، وهو ما حصل فعلا، بعد ان استمرت العراقية في تعنتها غير المجدي واضاعت الفرصة على العراقيين، بل اسهمت في صناعة حكومة مشوهة، لان المالكي انشغل بمحاربة خصومه على جبهات ثلاث، وهكذا نسف في الولاية الثانية ما بناه في الولاية الاولى وتدهورت الامور حتى وصلنا الى محطة داعش ومسلسل الخراب الكبير الذي نعيش نهاياته.

اليوم عاد الحديث عن حكومة الاغلبية الوطنية، لكن عراق اليوم هو ليس عراق ما قبل سبع سنوات، والاجندة الدولية والاقليمية في المنطقة تغيرت بالكامل او تكيّفت مع المعطيات الجديدة، بعد كارثة "الربيع العربي"، أي ان الصراع الاقليمي على العراق سابقا، كان من اجل الفوز به كغنيمة. اما اليوم فاغلب دول الجوار تخشى على امنها القومي من تداعيات ما سيحصل في العراق. وبالنسبة للداخل العراقي، فأن الأكراد كانوا يخشون حكومة الاغلبية لكي لا تقف بوجه تطلعاتهم في المناطق المسماة، متنازع عليها، اما اليوم فهم يرون ان حكومة الاغلبية في بغداد، تعني دولة عراقية قوية ستقف بوجه تمددهم ولو عسكريا، وهو ما يحصل الان بشكل غير مباشر! والاميركان يخشون من ان تكون هذه الحكومة في ظاهرها وطنية، أي تجمع مختلف الطيف الوطني والسياسي العراقي، لكنها بوجود هذه القوى نفسها، قد تكون بمحتوى جهوي يتناغم مع ايران ويتفاعل معها، كون الاغلبية العددية والحاسمة فيها، ستبقى في كل الاحول لجهة معينة داخل هذه الحكومة. وان ايران قد تسعى بشكل او بآخر من اجل تشكيلها وفقا لرؤيتها، لتضمن استمرار نفوذها في العراق، وهو ما يتوافق مع اهواء اغلب القوى الشيعية التي وجدت نفسها امام مخاطر الابعاد، لاسيما بعد حديث الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن انهاء نفوذ ايران في العراق والمنطقة، والتي تعني ترجمته العملية، استبدال القوى الحالية بقوى اخرى، منوهين هنا ايضا، الى ان ايران ترفض التمدد الكردي لانه سيكون مدخلا للاستقلال، بينما تدفع قوى نافذة في اميركا ادارة ترامب على توسيع نفوذ الاكراد في المنطقة لجعلهم الحليف القادم، وللضغط على الاتراك والايرانيين، وهؤلاء الاخيرين متفقين على الوقوف بوجه هذا التمدد ومختلفين على النفوذ في العراق وسوريا.

بذلك فالاجندة متداخلة جدا، وحكومة الاغلبية القادمة ستغدو شعارا انتخابيا لجميع القوى، لكن كل حسب اهواءه وميوله. وتبقى مصلحة العراق الخالصة، وكيف تستخلص من وسط هذه المشاريع المتناشزة هي التي تشغل العراقيين وتجعلهم يفتشون عن الاصلح بين البرامج.. البرامج وليس الشعارات التي تخفي وراءها ما تخفيه.