هل ‬كفرت‬ حركة ‬حماس؟

تغيير الجلد قبل فوات الأوان

أصدرت ‬حركة ‬«حماس» ‬الفلسطينية ‬وثيقة ‬جديدة ‬أو ‬ميثاقاً ‬جديداً ‬لم ‬يكن ‬دافعه ‬فيما ‬يبدو ‬مراجعة ‬داخلية ‬بحتة، ‬بل ‬تأثر ‬كثيراً ‬بالأوضاع ‬السياسية ‬الجديدة ‬في ‬المنطقة ‬والعالم.

من ‬أهم ‬ما ‬جاء ‬في ‬وثيقة ‬«حماس» ‬أنها ‬لا ‬تعتبر ‬العداء ‬مع ‬اليهود ‬ركناً ‬من ‬أركان ‬أيديولوجيتها ‬كما ‬كان ‬في ‬السابق، ‬بل ‬إنها ‬تنفي ‬العداء ‬معهم ‬وتؤكد ‬عداءها ‬للصهاينة ‬المحتلين، ‬وهذا ‬تغيرٌ ‬ضخمٌ ‬في ‬أيديولوجيا ‬الجماعة ‬التي ‬هي ‬فرع ‬لجماعة «‬الإخوان ‬المسلمين» ‬في ‬الأصل، ‬وإن ‬كانت ‬الوثيقة ‬الجديدة ‬قد ‬تجنبت ‬ذكر ‬هذا ‬الارتباط ‬الوثق ‬بالجماعة، ‬كما ‬كانت ‬تؤكد ‬على ‬الدوام ‬في ‬الماضي.

رضيت ‬«حماس» ‬بحدود ‬سبعة ‬وستين ‬وأقرت ‬بها، ‬وهذا ‬تغير ‬كبيرٌ ‬آخر، ‬ولكن ‬ما ‬معنى ‬هذه ‬التغيرات ‬التي ‬أطلقتها ‬حماس؟ ‬وكيف ‬يمكن ‬فهمها ‬وفهم ‬أبعادها؟ ‬ولماذا ‬لجأت ‬لها «‬حماس» ‬اليوم؟ ‬ولماذا ‬صنعت ‬ما ‬لم ‬تصنعه ‬في ‬ثلاثة ‬عقودٍ ‬مضت؟ هذه ‬لحظةٌ ‬كاشفة ‬عن ‬تفكير ‬جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬كلها، ‬الجماعات ‬البراجماتية ‬التي ‬تغير ‬جلدها ‬ومبادئها ‬كلّما ‬تغيرت ‬الظروف ‬لهدف ‬وحيد ‬هو ‬الوصول ‬إلى ‬السلطة ‬أو ‬المحافظة ‬عليها ‬بأي ‬ثمنٍ، ‬أما ‬في ‬العلاقة ‬مع ‬إسرائيل ‬فيمكن ‬ربط ‬موقف «‬حماس» ‬الجديد ‬برسالة ‬الرئيس ‬المخلوع ‬محمد ‬مرسي ‬لـ«بيريز»، الذي ‬خاطبه ‬فيها ‬بالعزيز ‬والصديق ‬العظيم، ‬فهي ‬امتداد ‬لذلك ‬الموقف.

وظلّت ‬جماعة ‬«الإخوان» ‬بكل ‬فروعها ‬وخطابها ‬السياسي ‬تكفّر ‬كل ‬الدول ‬والرؤساء ‬والزعماء ‬الذي ‬وقعوا ‬سلاماً ‬مع ‬إسرائيل، ‬وكل ‬الدول ‬والرؤساء ‬والزعماء ‬الذين ‬يرفضون ‬معاداة ‬اليهود ‬ويسعون ‬للسلام ‬عبر ‬مبادرات ‬متتابعة من ‬كامب ‬ديفيد ‬إلى ‬المبادرة ‬العربية ‬للسلام ‬المطروحة ‬اليوم، ‬تهجموا ‬على ‬الجميع ‬وكفروهم ‬وأخرجوهم ‬من ‬الإسلام، ‬وها ‬هم ‬يعودون ‬بأنفسهم ‬ليتبعوا ‬نفس ‬الطريق ‬ويرضوا ‬بنفس ‬الهدف، ‬فهل ‬كفرت «‬حماس» ‬وخرجت ‬من ‬الإسلام؟

إن ‬الجواب ‬على ‬هذا ‬السؤال ‬يكشف ‬فضيحة ‬كل ‬جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬التي ‬تكمن ‬في ‬توظيف ‬الدين ‬لتحصيل ‬مكاسب ‬سياسيةٍ، ‬وتوظيف ‬الدين ‬لحشد ‬الناس ‬وتحريضهم ‬على ‬الاضطرابات ‬والفوضى ‬والإرهاب، ‬وها ‬هم ‬يعودون ‬ليتخلوا ‬عن ‬ذلك ‬ويفعلوا ‬نفس ‬ما ‬فعلته ‬الدول ‬العربية ‬ولتقبل ‬«حماس» ‬بما ‬قبلته ‬«فتح» ‬ومنظمة ‬التحرير ‬الفلسطينية ‬من ‬قبل ‬وتسحب ‬تكفيرها ‬لهم ‬لعقود.

أما ‬لماذا ‬تحاول ‬الابتعاد ‬عن ‬جماعة ‬«الإخوان»، ‬فذلك ‬ظاهر ‬لأن ‬الجماعة ‬أصبحت ‬عبئاً ‬ثقيلاً ‬على ‬كل ‬أتباعها، ‬فهي ‬فشلت ‬فشلاً ‬ذريعاً ‬في ‬حكم ‬مصر ‬وأسقطها ‬الشعب ‬والجيش ‬المصري، ‬ثم ‬هي ‬اختارت ‬أن ‬تتبنى ‬الإرهاب ‬بشكل ‬صريح ‬في ‬كل ‬مكان ‬في ‬مصر، ‬وقد ‬استعادت ‬الدولة ‬المصرية ‬عافيتها ‬وقوتها ‬وتماسكها، ‬واجتمعت ‬الدولة ‬المصرية ‬والشعب ‬المصري ‬على ‬رفضها ‬نهائياً، ‬ومصالح ‬«حماس» ‬مع ‬مصر ‬كبيرة ‬جداً ‬وجناية ‬الأيديولوجيا ‬على ‬الشعب ‬أصبحت ‬لا ‬تطيق.

ثم ‬إن ‬جماعة ‬«الإخوان» ‬مصنفة ‬إرهابية ‬في ‬ثلاث ‬دولٍ ‬عربيةٍ ‬هي ‬مصر ‬الجارة ‬الكبرى ‬والمملكة ‬العربية ‬السعودية ‬ودولة ‬الإمارات ‬العربية ‬المتحدة، ‬ولن ‬تقبل ‬هذه ‬الدول ‬بحركةٍ ‬إخوانية ‬شقّت ‬وتشق ‬الصف ‬الفلسطيني ‬وتُزايد ‬على ‬خيارات ‬الدول ‬العربية ‬التي ‬أجمعت ‬عليها، ‬فلا ‬حلّ ‬إلا ‬بمحاولة ‬النأي ‬شيئاً ‬ما ‬عن ‬هذه ‬الجماعة ‬التي ‬نكبت ‬نفسها ‬وتنكب ‬غيرها.

وعلى ‬المستوى ‬الدولي، ‬فالمستقبل ‬يبدو ‬أكثر ‬وضوحاً ‬في ‬المنطقة، ‬فمحور ‬ما ‬كان ‬يعرف ‬بالمقاومة، ‬الممثل ‬في ‬النظام ‬الإيراني ‬وجماعة ‬«الإخوان» ‬والنظام ‬السوري ‬و«حزب ‬الله» ‬اللبناني ‬وحركة ‬«حماس»، ‬خسر ‬وانفضح ‬فضيحةً ‬كبرى، ‬فقد ‬اجتمعوا ‬على ‬قتل ‬الشعب ‬السوري ‬بدم ‬طائفي ‬بارد، ‬وجمعت ‬إيران ‬الميليشيات ‬من ‬كل ‬بلدٍ ‬لتقتل ‬أكثر ‬فأكثر ‬وانفضحت ‬مخططاتها ‬ضد ‬دول ‬الخليج ‬العربي، ‬وستنكسر ‬ميليشياتها ‬في ‬اليمن.

أخيراً، ‬فقد ‬خرج ‬داعم ‬«الإخوان» ‬من ‬البيت ‬الأبيض، ‬وجاء ‬الرئيس ‬الأميركي ‬دونالد ‬ترامب ‬الذي ‬يعرف ‬فظائع ‬وجرائم ‬هذا ‬المحور ‬الشرير، ‬وتريد ‬«حماس» ‬تغيير ‬جلدها ‬فقط.

عبد الله بن بجاد العتيبي

كاتب سعودي