على أبواب الانتخابات الإيرانية

لا وجود لمرشح لم يرض عنه المرشد

فى الأسبوع الماضى, كتبتُ فى هذا المكان عن الانتخابات الرئاسية الفرنسية التى تبدو بعد جولتها الأولى شديدة الإثارة، ويتناول مقال هذا الأسبوع الانتخابات الرئاسية الإيرانية التى تجرى الجمعة بعد المقبل وهى بدورها لا تخلو من إثارة فكم من مرة أسفرت تلك الانتخابات عن نتائج لم تتوقعها بالمرة استطلاعات الرأى العام.

من كان يتصور مثلا أن مير حسين موسوى آخر رئيس وزراء فى إيران والذى لم يكن يعرفه جيدا أكثر جيل الشباب ولا عُرِف بماضٍ إصلاحى يطرح نفسه مرشح الإصلاحيين فى انتخابات عام 2009 و ينافس بقوة على مقعد الرئيس ، لا بل ويترك فى تاريخ الانتخابات الإيرانية ما يعرف بعقدة 2009 عندما فجر الإعلان عن خسارته أمام محمود أحمدى نجاد موجة من المظاهرات الغاضبة لايزال يدفع ثمنها حتى هذه اللحظة وهو رهن الإقامة الجبرية .

يتنافس فى الانتخابات الحالية ستة مرشحين يتوزعون مناصفة على التيارين الموصوفين بالمحافظة والاعتدال ، وإن كانت المنافسة الحقيقية تدور بين الرئيس الإصلاحى حسن روحانى وبين المرشح المحافظ ابراهيم رئيسى المدعى العام السابق ومن أبرز المرشحين لخلافة المرشد . ومع أن قائمة المرشحين تشمل محمد باقر قاليباف عمدة طهران الحالى والذى حل فى المركز الثانى (بفارق كبير) بعد روحانى فى انتخابات 2013، إلا أنه ليس المنافس الأقوى لروحانى ، فمن صوتوا لروحانى قبل ذلك لن يذهبوا لقاليباف، ومن يريدون مرشحا محافظا متشددا قد يبدو لهم أن إبراهيم رئيسى فى موقع أفضل . ربما لو كان مجلس صيانة الدستور قد قبل ملف محمود أحمدى نجاد لانقسم المحافظون أكثر، لكن المجلس رفض ترشحه.

وتلك مناسبة للقول: إن إيران هى الدولة الوحيدة التى يتم فيها استبعاد بعض الشخصيات التى سبق تأهلها لتولى مواقع سياسية بارزة -بما فيها رئاسة الجمهورية نفسها- من الترشح مجددا للانتخابات الرئاسية دون أن تكون مدانة قضائيا . فلقد استبعد مجلس صيانة الدستور نجاد من الترشح رغم أنه كان رئيسا للجمهورية لفترتين متتاليتين ، وقد سبق للمجلس أن استبعد من هو أثقل وزنا من نجاد بكثير عندما منع على أكبر هاشمى رفسنچانى من الترشح فى انتخابات 2013، ورفسنچانى هو عمود من أعمدة النظام ورئيس للجمهورية أيضا لفترتين .

هذا النوع من الاستبعاد سياسى بامتياز ، وذلك أنه من البديهى أن أى رئيس سابق تتوافر فيه الشروط المنصوص عليها فى المادة 115 من الدستور الإيرانى ، و بالتالى فإن ما يفعله المجلس هو رسم حدود الحلبة السياسية التى يجرى فيها الانتخاب عبر التحكم المباشر فى اختيارات الناخبين. وهكذا سيظل طقس الانتخابات الإيرانية ديمقراطيا من حيث دورية الانعقاد وتحديد مدة الرئاسة، وفاقدا للديمقراطية من حيث التلاعب بحق المواطنين فى الترشح وبحق الناخبين فى اختيار من يعبر عنهم .

تميزت الفترة الرئاسية الأولى لحسن روحانى بأنها كانت صعبة، صحيح سيظل اسمه مقترنا بإنجاز الاتفاق النووى مع الدول الخمس الكبرى، لكنه ظهر فى نهاية عهدته الأولى وكأنه الرئيس الذى لم يرض أى أحد: لامؤيديه ولا خصومه. أخذ عليه مؤيدوه أنه لم يحدث اختراقا فى وضع كل من مير حسين موسوى ومهدى كروبى وفِى ملف الإصلاح السياسى بشكل عام، وهذا الملف بالذات من أعقد الملفات التى يتعذر إحداث اختراق فيها لأنه مرتبط بهيكل النظام وتوزيع سلطاته، ولنذكر أن قمع الانتفاضة الطلابية فى عام 1999 تم فى عهد الرئيس الإصلاحى محمد خاتمى دون أن يكون قادرًا على التدخل لصالح الطلاب. لذلك فعادة ما يهرب مرشحو الرئاسة من السياسة إلى الاقتصاد والاجتماع بطرح قضايا العشوائيات والبطالة والتضخم .. إلخ رغم أن هذه القضايا عويصة بطبيعتها لأنها ترتبط فى جزء كبير منها بمتغيرات خارجية كانخفاض سعر النفط وعدم الرفع الكامل للعقوبات والتورط الإيرانى فى عدة ساحات عربية، فضلا عن جزء داخلى مهم يرتبط بهيمنة الحرس الثورى على النشاط الاقتصادى بما يعقد فرص جذب الاستثمار.

من جهة أخرى، كان لروحانى معارضون كثر لم يرضوا عن توقيع الاتفاق النووى منذ البداية وعندما تأزم الموقف مع ترامب اعتبروا أن تجميد البرنامج النووى تم بلا مقابل ، وهم لم يستسيغوا نهج روحانى فى الانفتاح الاقتصادى مقابل ما يسمى «نهج الاقتصاد المقاوم» أى المعتمد على الذات ، خاصة أن الانفتاح على الخارج يحمل معه قيما وافدة على المنظومة الثقافية الإيرانية، وقد وُجهت لروحانى انتقادات مباشرة فى هذا الخصوص سواء من مرشد الثورة أو من المسئولين فى الحرس الثورى .

هل ما سبق يعنى أن المعركة شبه محسومة لصالح رئيسي؟ تقديرى: لا. فوصف «المرشح المقرب من المرشد» الذى يسبق اسم رئيسى كلما ورد ذكره هو وصف ينبغى التعامل معه بحذر، فلقد سبق إطلاق هذا الوصف على مرشحين آخرين ولم ينجحوا ومنهم محمد باقر قاليباف فى 2013 ، وفِى المجمل فإنه لا يوجد مرشح لا يرضى عنه المرشد، ولذلك مثلا تم استبعاد نجاد مع أنه فى عام 2009 كان يوصف بأنه «مقرب من المرشد». وعلى عكس ما يتصوره البعض من أن مواجهة ترامب تحتاج شخصا فى عنف رئيسى (له دور معروف فى إعدام العديد من أعضاء مجاهدى خلق فى الثمانينيّات) فإن النظام فى إيران ليس فى وارد الدخول فى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، قد يستعرض عضلاته فى مواجهتها بإجراء تجارب صاروخية أو باستهداف ناقلة بحرية كجزء من تجديد شرعيته الثورية أما مواجهة الجموح بمثله فخطره شديد. يضاف إلى ذلك أن ثمانية أعوام من سياسة «الاقتصاد المقاوم» فى ظل نجاد لا تغرى بتكرارها مع رئيسى بشكل أو بآخر خاصة مع احتمالات تجميد الرفع الجزئى للعقوبات الاقتصادية .

فى حدود ما سبق وما لم تفاجئنا الانتخابات الإيرانية بغير المتوقع فسوف يعاد انتخاب روحانى، كما أعيد انتخاب كل رؤساء إيران لدورتين الا فى حالتين، أبو الحسن بنى صدر أول رئيس للجمهورية الذى أبعد من منصبه، ومحمد رجائى ثانى رئيس الجمهورية الذى اغتيل فى تفجير كبير.

د.نيفين مسعد

نُشر في الأهرام المصرية