إيران وحيدة في عزلتها

بغض النظر عما يمكن ان تؤول إليه الأوضاع في سوريا فإن إيران ستغادر المشهد بسرعة لا يتوقعها أحد.

في أحس الأحوال ستخرجها روسيا راضية مرضية.

ما سيؤدي إلى انقطاع صلتها العسكرية بحزب الله وهو مطلب عربي ــ إسرائيلي ترعاه الولايات المتحدة ولا تجد روسيا غضاضة في تنفيذه، ذلك لأنه يخدم مصالحها في سوريا بعد أن سُمح لها بالانفراد هناك.

ما هو مؤكد أن الوجود الإيراني ليس ضروريا في السلام مثلما كان ضروريا في الحرب من أجل دعم النظام في مواجهة أعدائه. إضافة إلى ما يمكن أن يسببه ذلك الوجود من احراج لروسيا على مستوى علاقتها بالغرب الذي يتخذ منه حجة لغض الطرف عن وجود الجماعات المعارضة المسلحة التي حظيت بمباركته ودعمه قبل التدخل الإيراني ومعه.

في مرحلة البحث عن حل نهائي لا بد أن تعثر روسيا والولايات المتحدة على حل توافقي لمشكلة التدخل العسكري الخارجي الذي يقف اليوم عائقا دون الوصول إلى تفاهمات سورية ــ سورية برعاية دولية.

ومن الثابت أن الجماعات الأجنبية التي تم الزج بها في الصراع ستظل مصرة على القتال حتى الموت لا لشيء إلا لأنها لا تملك خيارا آخر، في إمكانه أن يفتح أمامها طرق الخروج الآمن. التوافق الدولي وحده من شأنه أن يفضي إلى ذلك الخيار ويجعله ممكنا.

لذلك سيكون إخراج إيران من الحلبة بمثابة خط الشروع لإخراج تلك الجماعات بطريقة سلسة. وقد لا تكون تلك الخطوة مقبولة من قبل حزب الله، فهي ستؤدي بالنتيجة إلى حرمانه من مبادرته التي استقوى من خلالها على باقي الفرقاء اللبنانيين.

خروج إيران من سوريا تعني عودة حزب الله إلى قواعده.

تلك مسألة ستنظر إليها أطراف عديدة بارتياح بالغ. ذلك لأن عزل حزب الله ستكون نتائجه شبيهة بالنتائج التي أدى إليها عزل حركة حماس في غزة. فمن غير الدعم المادي الإيراني في حالة حزب الله لن يكون للعقيدة ذلك التأثير المدوي، وهو ما استشعره الساسة العراقيون من موالي إيران فصاروا يسعون من غير جدوى إلى تحسين المزاج العربي في اتجاه إيران.

وكما أدرك الروس من خلال التجربة المباشرة فأن سوريا وليس العراق هي العقدة التي يتم من خلالها تضخيم الدور الإيراني في المنطقة أو إعادة إيران إلى حجمها الطبيعي.

في سياق تلك المعادلة سعت روسيا إلى أن تضع العالم في مواجهة الدور الإيراني في سوريا من خلال دعوة إيران إلى حضور اجتماعات استانا وهي لعبة ماكرة وقعت إيران في حبائلها حين اعترفت علنا بدورها في الحرب السورية. لم يكن الظن الإيراني في محله.

الطعم الروسي كان معدا بإتقان وحنكة ودراية بحيث استساغه الإيرانيون بالرغم من مهارتهم المعروفة في مجال البيع والشراء.

هل باعت روسيا إيران إلى الغرب؟

يمكن توقع ذلك. لا من أجل الانفراد بسوريا حسب بل وأيضا من أجل التخلص من إيران التي لم تكن روسيا مستعدة لتحمل أعباء علاقتها الشائكة بالغرب. ما لا تحتاجه روسيا أن توسع من دائرة خلافها مع الغرب.

سيكون التخلي عن إيران بالنسبة لروسيا باباً للانفتاح على الغرب.

غير أن ذلك الباب سينفتح أيضا على انفراج في الحالة العراقية وهو ما صار يلح على السياسة العربية في محاولة لإحياء الثوابت التي لن تتخلى عن العراق بلدا عربيا.

خسارة إيران في سوريا ستعري وجودها المتهالك في العراق.

ما امتلكته إيران في سوريا من خلال حزب الله من قوة لا تمتلكه في العراق من خلال الحشد الشعبي الذي هو أحد فروع الحرس الثوري الإيراني.

لن يكون وجود ميليشيا الحشد في العراق مقبولا بعد داعش.

لذلك فإن من شأن حل تلك الميليشيا وهو مطلب شعبي أن يؤدي بالضرورة إلى قطع يد إيران في العراق وهزيمة التيارات السياسية الموالية لها.

كل المعطيات تؤكد أن العالم يتجه إلى إعادة إيران إلى حجمها الطبيعي، بلدا مقطوع الصلة بالعالم.