تركيا.. أردوغان يستدعى أتاتورك

الديمقراطية حسب العقلية الإخوانية

ظلت تركيا لقرون عديدة قبلة المسلمين السياسية، يحتمون بها، ويفخرون بمجدها حتى وإن كان سلاطينها قد بنوا هذا المجد على جماجم العرب والمسلمين والأرمن والصرب واليونان.. إلخ. سعى الجميع لإصلاحها من داخلها، محمد على باشا حاول غزوها لتجديدها من الداخل. مصطفى كامل ومحمد فريد وأحمد شوقى فى مصر، خير الدين التونسى فى شمال إفريقيا، محمد إقبال فى الهند، تمتلئ كتبهم ولاء للخلافة العثمانية، حتى بعد سقوطها، فقد كانت آخر رموز وحدة المسلمين، على الرغم من أنها وحدة خيال فى خيال، وحقيقتها استعمار تركى تم بوحشية وجشع وطمع واستغلال، كان غطاؤه نوعا من الاستحمار باسم الدين، والاستحمار يحول دون رؤية حقيقة الاستعمار.

ظلت تركيا نموذجاً حتى بعد أن خلعت رداء الإسلام وتخلوا عن الحرف العربي؛ وتبنوا الحرف اللاتينى لقطع صلة الأجيال التركية الجديدة مع الإسلام والمسلمين، حرموا ارتداء الطربوش والحجاب، مع أتاتورك تترك العلمانية، فصارت علمانية تركية الطبع وحشية شرسة، حدية متطرفة، أخذت من الطابع التركى أسوأ ما فيه من قسوة وفظاظة وغلظة. ورغم ذلك تحول أتاتورك وعلمانيته إلى نموذج يقتدى به الطامحون من الزعامات العربية والإسلامية، فالحبيب بورقيبة فى تونس كان من المعجبين بالنموذج العلمانى التركي، وأنور السادات كان من المعجبين بشخصية مصطفى كمال أتاتورك؛ قالها صراحة فى كتابه البحث عن الذات، وبرويز مشرف الذى حكم باكستان وكان أيضا عاشقا لأتاتورك كما قال فى مذكراته.

ظلت تركيا نموذجا فى كل أحوالها، وحين نجح الإسلاميون فى الوصول إلى السلطة المحلية فى بلدية إسطنبول ثم بعدها إلى سدة الحكم، كانوا نموذجاً تقتدى به الحركات الإسلامية من المغرب إلى إندونيسيا، كان أردوغان وجماعته، المثل الأعلى للمنتمين للحركات الإسلامية فى العالم الإسلامي؛ إلى الحد أن ولاءهم لهم، وتعلقهم به يفوق ولاءهم لملوكهم ورؤسائهم، ونجحت حكومته فى تسويق النموذج التركى فى العالم الإسلامى عامة والعالم العربى خاصة، ووظفت كل الوسائل فى سبيل تحقيق ذلك من مسلسلات العشق والخيانة، إلى السياحة والطيران، ونجحوا فى ذلك نجاحا منقطع النظير، فلم تتعلق نساء العرب بنجم مثل تعلقهن بمهند، ولم يحلم رجال العرب بامرأة مثل السلطانة ريهام. وللحقيقة والتاريخ كنت شخصيا من المعجبين بأردوغان مثل كل من يتمنى أن تعود تركيا لحضن حضارتها الإسلامية، ولغتها بحرفها العربي، وأن تعود سنداً للأمة العربية وليست رأس حربة متقدمة للقوى الاستعمارية، كنت أظن أن أردوغان بطل يخوض حربا حضارية ضد الكماليين الطورانيين الذين يعادون حضارتنا وثقافتنا ولغتنا، وزادنى قناعة بذلك أن اثنين من أهم مساعديه كانوا أصدقائى وزملائي، عرفتهم عن قرب أولهما الدكتور أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء السابق، وثانيهما الدكتور إبراهيم كالن المتحدث الرسمى باسم أردوغان.

بعد كل ذلك ولأن العقلية الإخوانية بتكوينها المعرفى تقوم على تضخيم الذات بصورة تصل إلى حد التأليه، لأنهم هم الجماعة الربانية أى أنهم أكثر انتخاباً من شعب الله المختار، وهم الساعون لأستاذية العالم، لذلك سريعا ما يظن قادتهم أنهم ربانيون يتفوقون على أنبياء بنى إسرائيل، وأنهم أساتذة العالم، يساعدهم فى ذلك أنهم يؤمنون بأن عقيدتهم الإخوانية هى الإسلام الصحيح الوحيد، وأن الإسلام قد حل فى الجماعة، فهى جماعة المسلمين وليست جماعة من المسلمين، ثم تحل الجماعة فى القيادة أو الزعامة، ثم تحل الزعامة فى شخص الزعيم، وبذلك يكون الزعيم هو الإسلام، أو هو الناطق عن الله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا. هكذا شرحها لى واحد من قياداتهم.

تحول أردوغان إلى أن أصبح هو الإسلام، فما يراه هو صحيحا فهو الدين ذاته، تضخمت ذاته، وتأله، وصار طاووساً يقول ما يحلو له، ويفعل ما يعن له، ويغير كما يشاء، فمرة يقول نحن أمة أوروبية، ومرة أخرى يقول إن أوروبا صليبية معادية لتركيا لأنها تمثل الإسلام، وأوروبا نازية وفاشية …الخ، ومرة يصير عضواً فى التحالف السنى الموجه ضد إيران، ويتم التعامل معه كحليف إستراتيجى للسعودية ضد إيران، وبعدها بشهر واحد تجده يوقع اتفاقيات فى قلب إيران، ويتعاون مع إيران فى سوريا. مرة تراه يناصر المعارضة السورية ويدعهما بالسلاح والرجال، ويفتح حدوده لمرور كل شذاذ الآفاق لداعش والقاعدة، وبعدها يبيع المعارضة السورية بكل أطيافها لنيل رضاء القيصر الروسى بوتن من تصدير الطماطم التركية.

وقعت محاولة انقلابية أو أوقعت فاستغلها بأشرس ما يكون، فانتقم من كل خصومه خصوصاً استاذه فتح الله كولن، اعتقل أكثر من خمسين ألفا، وطرد من الوظائف أكثر من مائة ألف، وأغلق آلاف المدارس وعشرات الجامعات والمحطات التليفزيونية والصحف، وبعدها يهاجم مصر التى لم تفعل مع الإخوان فى أربع سنوات عشر ما فعله هو مع خصومه فى أربعة أشهر.

أخيراً جاء الاستفتاء الفضيحة الذى خالف فيه الدستور الذى أقسم عليه، ووصل به إلى السلطة؛ من أجل دستور يخلده فى السلطة، ويحقق حلمه السلطاني، ونجح فى تقسيم مجتمعه الذى يرفض نصفه إلا واحدا فى المائة الدستور الذى سيكون مرجعا للشعب مائة فى المائة، مزق مجتمعه كرداً، واتراكا وعلويين، ومزقهم إسلاميين وكماليين وقوميين، ومزقهم مع الدستور الجديد وضده، وأصبح هو نموذجا من يقرأ سيرته ومسيرته سيقف صخرة أمام مشاركة أيا من جماعته فى جميع أنحاء العالم فى أى عملية ديمقراطية، لأن الديمقراطية عند إخوان أردوغان وسيلة ينقلبون عليها بأى وسيلة فور تمكنهم من التحكم فى الوسائل بقوة السلطان.

الديمقراطية عند أردوغان وإخوانه إرادة شخص يحرك بها ملايين لا إرادة لهم مع إرادته، ولكن الدساتير تعطى كل واحد منهم صوتا انتخابيا، والحقيقة أن هناك صوتا واحدا، وكل تلك الأعداد المليونية صدى لهذا الصوت، لا قيمة لها ولا رأي، كذا الحال فى الأحزاب والتيارات التى تتحكم فيها مرجعيات دينية سنية أو شيعية.

النظام الرئاسى التركى الجديد فُصِّل على مقاس أردوغان سلطاناً عثمانياً مُطلق الصلاحيات وسيرحل أردوغان. ويأتى مصطفى كمال أتاتورك مرة أخرى وقد أطلق أردوغان سلطته وستعود تركيا قرنا من الزمان بحكمة أردوغان.

نصر محمد عارف

كاتب مصري