حماس السُّلطة.. إمارة إسلامية أو الصدام

أسلمة المجتمع بالإكراه

سعت حركة حماس منذ سيطرتها على غزة في يونيو (حزيران) 2007 إلى طمأنة الرأي العام في غزة، وكذلك الرأي العام الخارجي، من خلال تأكيدها أن الأولوية لديها تتمثل في مهمة تحرير الأرض وليس الأسلمة. في الوقت ذاته الذي اجتهد فيه قادة الحركة والمتحدثون باسمها في نفي أي ميل للحركة نحو أسلمة القطاع بالإكراه. وفي سياق هذا النفي راحوا يؤكدون أن شكل الحكومة الإسلامية التي تتطلع لها حركة حماس، هو النموذج التركي وليس نموذج نظام طالبان في أفغانستان أو نموذج تنظيم القاعدة. حيث تلخص عبارة "أردوغان وليس طالبان" وجهة نظرهم في هذا المجال.

وعلى الرغم من أن إقالة كل من أحمد يوسف، وغازي الحمد من منصبيهما (الأول كمستشار لرئيس الحكومة إسماعيل هنية، والثاني كمتحدث باسم الحكومة) وهما المؤيدان لهذا الاتجاه، ألقت بظلال من الشك في مدى تأثير وجهة النظر هذه داخل حركة حماس، على النحو الذي دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن التيار المتشدد داخل حماس كانت له الغلبة. لكن في الحاصل الأخير ظل هذا الأمر محل سجال بين وجهتي نظر، تتوافر لكلتيهما معطيات تدعمهما. الأولى ترى أن حماس تسعى لأسلمة القطاع قسرا، والأخرى تنفي ذلك. واستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن توافرت خلال الفترة الأخيرة من الشواهد الكثيرة وغير المسبوقة (بالنظر لتنوعها وتتابعها) التي تؤكد أن حماس تُعجل بدفع أجندتها الاجتماعية قدمًا على النحو الذي يناقض الصورة البراجماتية التي تحرص حكومة حماس على إبرازها.

الأمر الذي أثار التساؤل حول الأسباب التي دفعت حماس إلى الإسراع قدما بفرض إجراءات الأسلمة على القطاع. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى ما يلي:

أ- من الملاحظ أن جماعات السلفية الجهادية تسعى دائما إلى الاستفادة من التوتر الذي يحدث في أعقاب المواجهات مع حماس (حدث ذلك بعد أحداث مسجد ابن تيمية عام 2009، وأحداث مسجد المتحابين عام 2015) واستثمار التوتر بين "قاعدة حماس" الجانحة نحو التطرف على نحو متزايد، وقيادتها الأقرب إلى البراجماتية، على أمل الوصول إلى واحدة من اثنتين: إما إجبار القيادة على تبني أجندة أيديولوجية وسياسية متوافقة مع القاعدة، أو دفع حماس نحو الانفجار من الداخل، على أمل خلق فرص لظهور بدائل أكثر راديكالية داخل غزة.

إن أكثر ما يعيب عليه السلفيون الجهاديون حركة حماس أنها امتنعت عن إعلان غزة دولة أو إمارة إسلامية. ومن وجهة نظر هؤلاء، فإن البديل لدولة إسلامية يجب أن يكون لا دولة على الإطلاق، وليس قبول الانخراط في نظام سياسي علماني، أو بحكم يتعدى على الحق الإلهي في التشريع -حسب مفهومهم للحاكمية الإلهية. أما اتباع حماس منهج "التدرج" في تطبيق الشريعة، وتثقيف المجتمع الفلسطيني بالثقافة الإسلامية والشرعية، فهو "بدعة لا وجود لها في تاريخ الفقه الإسلامي، ولا أصل لها ضمن ممارسات السلف الصالح" -على حد قولهم.

ب- على الرغم من أن "حماس الحكومة" بقيادة إسماعيل هنية تدعم ظاهريًا القوانين التي تكفل الحريات للمواطنين، بل وتسعى لتطبيق الأسلمة بشكل حذر جدًا (بدليل تراجعها عن بعض القرارات تحت ضغط الرأي العام، مثل قرار إلزام المحاميات بارتداء الجلباب ووضع حجاب على الرأس) فإن هيئات أخرى في "حماس الحركة"، مثل "جهاز الدعوة"، تؤكد تأييدها ودعمها للبرامج والأجندات الإسلامية الاجتماعية والدينية على حد سواء، وتظهر رفضها للسياسة المرنة التي تنتهجها –أحيانا- "حكومة هنية".

بين نموذج تركيا ونموذج طالبان

ج- ثمة شواهد على أن التحديات التي فرضت على حكومة حماس، نتيجة تصاعد نفوذ تيار "السلفية الجهادية" في القطاع، قد دفعها قدما نحو التشدد. وفي الوقت ذاته حسم الجدل الداخلي في حماس لصالح التيار المتشدد في الحركة. لهذا لوحظ أن الكثير من إجراءات الأسلمة جاءت في سياق الرد العملي على الانتقادات التي وجهتها هذه الحركات لحكومة حماس، متهمة إياها "بالانشغال بالحكم وعدم تطبيقها الشريعة". والشاهد، أن الحملة التي أطلقها وزير داخلية حماس: فتحي حماد، وفرض خلالها على النساء ارتداء الحجاب، وفصل بين الجنسين على الشواطئ.

التبرير الأيديولوجي:

يتجلى التبرير الأيديولوجي لحماس انخراطها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وقبولها المشاركة السياسية ضمن الإطار الحاكم للسلطة الفلسطينية، بوصفه يدخل تحت حكم "المكروه شرعا". ثم امتنعت عن إعلان غزة دولة إسلامية، حتى لا تفاقم من العزلة والحصار المفروضين على قطاع غزة، وبالتالي، التسبب في المزيد من المعاناة لأهل غزة.

هذا النمط الدفاعي من الاستجابات، أثر سلبا على مسار المصالحة الفلسطينية الداخلية. إذ اعتبر تأكيدا على أن قبول حماس الانخراط في النظام السياسي الفلسطيني هو مجرد تكتيك، وشرط مؤقت، يزول بتولي حماس السلطة عبر الانتخابات، مرة وإلى الأبد، وأنها ليست على استعداد لقبول قواعد لعبة الديمقراطية، مهما كانت النتائج، ومهما كان رأي الشعب فيها بعدها. الأمر الآخر أن خصوم حماس من الحركات الوطنية الأخرى، اعتبروا موقفها الدفاعي هذا دليلا على أن جذور الصراع بين حماس والسلفية الجهادية تكمن في اختلاف التقديرات للمصالح الحالية، وضمن أطر الصراع على السلطة، وليس خلافا مبدئيا.