المحطة الأخيرة للاستشراق المعاصر

مشهد رأسي على أميركا اليوم

لم تقتصر نظرية التلقي النقدية على استنطاق النصوص الأدبية وحدها كما كان يظن مؤسسها هانز ياوس ومن بعده آيزر فولفجانج، بل إن النظرية النقدية تجاوزت حد النص المنطوق والمكتوب إلى تأويل الإحداثيات السياسية لاسيما وإن كانت أكثر ارتباطا وصلة بالقرارات السياسية السيادية، ومن ثم بات تأويل الخطاب السياسي الرسمي حاضرا بنفس قوة حضور شخصيته ومنظره، ومشكلة هذا الخطاب السياسي ليس في لغته أو في نصه وإحداثياته، بل تكمن المشكلة الحقيقية له في عملية تأويله وتحليله، واختلاف آليات فهمه وإدراكه، وبالأحرى تباين التوجهات الأيديولوجية حينما تتلقى هذا النوع من الخطاب السياسي. لكن الأدهش في هذا الموضوع أن خطاب الشعب السياسي يستحيل بمرور الأيام لاسيما عقب الفعاليات السياسية الكبرى كالثورات أو الانتفاضات الشعبية إلى معيار أو محك أو أحكام استشرافية يمكن من خلالها التنبؤ بمشاهد سياسية واجتماعية في المستقبل.

وقديماً كان الخطاب الشعبي يطلق عليه اسم منشور سري، وسرعان ما تحول المسمى القديم بفضل عقاقير الديموقراطية إلى مسميات معاصرة مثل بيان رسمي، أو إعلان، أو نداءات أو ثمة استغاثات تتحول إلى تحذير موجه إلى أي نظام حاكم، وكل هذه الأسماء التي التصقت بالخطاب السياسي دليل قاطع على تباين تلقي الخطاب نفسه، وربما معاناة خطاب الشعب السياسي من الإقصاء والتمييز هو الذي دفع إلى تعدد مسمياته، وحينما حاولت الأنظمة السياسية الرسمية في تهميش حركة الخطاب السياسي الشعبي وعزله عن الفكر السائد للمؤسسة الرسمية استطاع هذا الخطاب في حجز مقعد دائم له ولمدشنيه في الشهود المجتمعي والبقاء لفترات طويلة على الألسنة وفي الأذان أيضاً.

ولعل أبرز القرارات السياسية التي تضمنتها الخطابات السياسية الرسمية هو قرار الرئيس الأميركي المنتخب ترامب بمنع الهجرة إلى الولايات المتحدة من ناحية، بل حظر هجرة اللاجئين لاسيما ممن ينتسبون إلى الإسلام على وجه الاختصاص، رغم أن هذا القرار ينتهك الدستور الأميركي، واشتراط الحظر على سبع دول إسلامية من ناحية أخرى بغض النظر عن أن مثل هذا القرار سيؤدي بالسلب على الاستثمارات وحجمها، وعلى العلاقات الدبلوماسية بين هذه البلدان وأميركا.

ملامح من مشهد البدايات.. ترامب منتصرًا

صاحب الهوس الإعلامي العربي الممزوج أحيانا بالكراهية والامتقاع والانحياز المؤقت للجنس الطيف وقت إعلان فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة قلق وفزع صوب الرجل وسياساته التي لم يشرع حتى لحظة كتابة هذه السطور في تنفيذها، وبغير ادعاء متأخر بتوقع هزيمة السيدة هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة الأميركية وهو أمر بدهي وطبيعي ومنطقي وعادل يتفق مع التوجهات الأميركية التي يمكنها أن تصدر لكافة أقطار الأرض دعاوى المدنية والحريات وتدعيم شعارات المجتمع المدني دون تطبيقها على أرضها الشاسعة.

ووسط ترقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وما قبلها أيضا توافد الصحافيون العرب والأجانب وأيضا بعض المهمشين المتواجدين على صفحات التواصل الاجتماعي بدعم هيلاري كلينتون وكأنها إحدى الأصوات العربية الأصيلة التي تربض التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبات غريبا على تلك الأقلام وهي تدحض حق دونالد ترامب في رئاسة الولايات المتحدة في الوقت الراهن بحجج بليدة لا تتفق إلا والعقلية العربية التي لا تزال راكدة وسط سبات عميق ولم تفق بعد على صدمة حصول بوب ديلان المغني الشعبي والمؤلف البسيط على جائزة نوبل في الآداب لهذا العام. هذه الحجج مفادها انعدام الخبرة السياسية لدى ترامب بوصفه خبيرا اقتصاديا ورجل أعمال متربح وليس كونه سياسيا بارعا من شاكلة هنري كسينجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق أو خطيبا باهرا بصوت أجش عميق كسابقه باراك أوباما.

علامات الخيبة العربية

وثمة حجج أخرى اخترعتها العقلية العربية وحدها واتبعتها كتائب إلكترونية أكثر بلادة في الرصد والتحليل بأن دونالد ترامب مصاب بحالات البارانويا وبلغة عربية (العنجهية والتعالي والغرور البغيض) وهي سمات لا تجد حرجا أو مقتا في ظهورها ببيئات غربية أخرى. وفور إعلان النتيجة توافدت الصدمات العربية صوب فوز ترامب وكأنه المسئول الرئيس الذي أودى بمجتمعاتنا العربية إلى مثل حالات الركود الثقافي والخيبة الفكرية التي تحياها شعوب كثيرة العدد فقيرة التفكير بمستقبلها، وجعلوه بين عشية وضحاها المنوط به تسليم العراق بترسانتها النووية الوهمية إلى أميركا وليس محمد البرادعي، وكأنه أيضا الذي ساهم في تهميش وتفقير الفلسطينيين في حق امتلاك ارضهم وليست المؤامرات العربية ذائعة الصيت في بداية القرن العشرين انتهاء بتخاذل عربي واكفاء بمتابعة وتشجيع فرق أجنبية مثل ريال مدريد وبرشلونة على حساب الأندية الوطنية كالهلال والوحدة واتحاد جدة والزمالك.

إنها خيبة العرب في تصديق استطلاعات الرأي الكاذبة والمخابراتية التي صدرتها الولايات المتحدة للعالم يقينا منها بأن الشعوب العربية وبعض الأقلام والعقول المنتمية لهذه البيئات أكثر تأثرا وتأسيا أيضا بكل ما هو وافد أجنبي.

وأخذت العقلية العربية التقليدية تفجر دعاوى تتناسب وبدايات القرن السابع والثامن الميلادي بأن فوز ترامب سيجل للكيان الصهيوني أفضلية ومكانة بين الدويلات العربية المتناحرة داخليا بين عراق كان وطنا، وسوريا كانت مهدا للثقافة العربية، ويمنا بين قوسين على وشك السقوط بغير قيام. وسط مخاوف إيرانية تنتاب منطقة شبه الجزيرة العربية. هذا التلاحم الاستشرافي بين ترامب والكيان الصهيوني سيحدث أيضا حتى ولو فاز لاعب كرة وليس رجل أعمال بالرئاسة الأميركية لأن القضية متزامنة ولا تقبل أنصاف الحلول وبدلا من أن تفكر الشعوب العربية في مواجهة ممارسات الفتك التي يتبعها الكيان الصهيوني ليس فقط على الفلسطينيين بل الشباب العربي بأجمله راحت شعوب ومواطنوها يفكرون في مستقبل العلاقة الصهيو أميركية.

تأويل حظر الهجرة

منذ أن أعلن ترامب قراره بحظر هجرة اللاجئين من سبع دول إسلامية إلى أراضي الولايات المتحدة والمحللون السياسيون والنشطاء يتداولون هذا القرار من منظور يبدو عاطفيا بعض الشئ، والبقية المتأخرة في الاستجابة طفقوا يتناولونه من منظور لا يخرج عن فكرة نظرية المؤامرة التي بات العرب طويلا يكرسون لها ويدشنون احتفاءات مستدامة من أجل استقرارها بعقول الناشئة من أبنائنا، رغم أن القرار يمكن تداوله من زاوية سلسلة الممارسات الاستشراقية التي بدأت تحديدا منذ القرن التاسع عشر الميلادي، ويبدو للبعض أن موجات الحقد والكراهية ضد الإسلام والمسلمين ظهرت حديثاً، أي منذ بداية القرن العشرين، لكن الحقائق والمؤشرات التاريخية توضح أنه منذ فجر الإسلام وتلك الموجات تتنامى وتتصاعد ضده، وضد القرآن الكريم بصفة خاصة. ولك أن تدرك المحاولات المستميتة والمسماة بالإسرائيليات لتشويه وتخريب الدين القويم.

والمدهش أنه وسط غفلة المسلمين في العصر الحديث والمعاصر، بدأت هذه الموجات التخريبية في وضع خطط منهجية منظمة للنيل من الإسلام وأهله، وبدأ هؤلاء المتآمرون على الإسلام بالتعاون مع أشكال الاستعمار والحركات الصهيونية في الكيد للإسلام وتخريب عقول أبنائه عن طريق الغزو الثقافي ومسميات التيارات الفلسفية والفكرية ومبادئ الحداثة والحداثوية.

ولاشك أن ترامب نجح في تحقيق شرعية لقراره بشأن حظر الهجرة منهكا الدستور نفسه والاستقواء على شعوب إسلامية مزقتها الحروب المستمرة التي أرهقت مقدراتها البشرية والمادية، ذلك عن طريق منح قراره حق التصويت الشعبي وهو السلاح السحري الذي يمكن لأي رئيس استخدامه من أجل تمرير قراراته حتى وإن كان قراراته تمثل وجها قبيحا للتمييز والعنصرية التي باتت أميركا نفسها تحاربه لعقود بعيدة منصرمة.

هلاوس فوبيا الإسلام تطارد ترامب

رأى ترامب وفق ظنه التجاري والاستثماري أن الإسلام وربما يعني المسلمين وليس الدين نفسه يشكل خطراً جسيماً على الحياة الأميركية العامة، وأنه يقف حجر عثرة في طريق التقدم الاجتماعي للمجتمعات المدنية، وأنه يكدرها ويعكر صفوها، لأنه يحرم على الناس شهواتهم ويقمع غرائزهم ويفرض قواعد وشروطا تبدو جبرية قد تمارس بصورة عنيفة متطرفة. والإسلام في حقيقة الأمر خلاف ما يزعم، فهو ـ الإسلام ـ يدعو إلى تقدم البشرية بصفة عامة، كما أنه يضع قواعد وضوابط شرعية في صالح البشرية. والرائي يستطيع أن يدرك مقاصد الشريعة الإسلامية من سمو الأغراض وشرف الغايات.

فالإسلام استطاع أن يستبدل الحاجات المادية التي تجعل المرء عبداً لها بروابط روحانية قائمة على مبادئ راقية وأصول ومرتكزات ثابتة أصيلة. والحقائق التاريخية تؤكد وتشير إلى الروابط الاجتماعية القوية التي سادت المجتمع الإسلامي منذ ظهور الإسلام الحنيف.كما أن الإسلام قد أقر مجموعة من الأصول والواجبات التي يقوم عليها الاجتماع والتعارف والمشاركة الحياتية العامة.

بل واستطاع الإسلام التوفيق بين المصالح الدينية للمجتمع، وبين مصالحه الدنيوية، بحيث تتكافل في إيصاله إلى كماله المادي والأدبي، ويمكننا إدراك هذه الحقيقة المطلقة من خلال حياة الصحابة الكرام، حيث استطاعوا بالإسلام وتعاليمه السمحة في التوفيق بين السمو الديني وروح العمل الدنيوي دون خلل أو نقص أو عيب.

لكن ترامب تطارده هلاوس فوبيا الإسلام التي لا تخرج في ظنه عن تنظيم الدولة الإسلامية داعش أو حركة طابان وتنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات والفصائل التي كانت نباتا أميركيا خاصا بل إن تنظيمي القاعدة وطالبان كانتا ملمحين رئيسين للإدارات الأميركية المتعاقبة لأسباب متعددة منها زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وإيجاد مكان سياسي مقابل للاتحاد السوفيتي سابقا (روسيا الآن) يضمن لها بقاء متزامنا مع الشهود الروسي في المنطقة الإسلامية.

ما وراء قرار الحظر.. منافع ومكاسب

الأجدى في تأويل قرار حظر الهجرة أن ثمة علامات استثمارية تلوح بالأفق، وهي العلامات التي تربط أميركا بعلاقات اقتصادية وتجارية مع البلدان السبع محل الحظر لا يمكن الفكاك منها، ولقد علمتنا التجارب التاريخية التي استقرأناها من الكتب أن أي قرار سياسي لا يخرج عادة بمحض الصدفة أو من باب الحماسة من قبيل تصريحات الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي توعد سابقا برمي إسرائيل في البحر وكانت النتيجة نكسة يونيو 1967، لكن استحالت القرارات السياسية اليوم ولاسيما الأميركية تصدر من أجل تحقيق منافع ومكاسب اقتصادية في المستقبل، أو من أجل إرغام دول أخرى لقبول تنازلات تتعلق بالشأن التجاري أو بالتواجد العسكري السلمي من أجل الحماية والتأمين، وهذا ما ستخبرنا به الأيام اللاحقة.