الخوف يخيم على تركيا مع اقتراب نهاية حملات الاستفتاء

مشهد تركي يزداد ضبابية

اسطنبول – تسود أجواء من الخوف تركيا مع اقتراب حملات الترويج لاستفتاء على توسيع صلاحيات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

وتتعلق المخاوف أساسا بتبعات فوز معسكر "نعم" بما يعزز سلطة إردوغان الذي يبدي ميلا كبيرا للاستفراد بالحكم وجمع كل السلطات بين يديه.

كما يهيمن قلق متزايد من امكانية تعرض تركيا لاعتداءات ارهابية بعد اعتقال خمسة أشخاص يعتد أنهم كانوا يخططون لتنفيذ سلسلة هجمات.

ويجري الاستفتاء بعد عام شهد سلسلة من الهجمات الدامية في تركيا التي تم تحميل مقاتلي تنظيم الدولة الاسلامية والمتمردين الأكراد مسؤوليتها.

وما زاد من المخاوف الأمنية اعلان الشرطة التركية الجمعة توقيف خمسة أشخاص في اسطنبول يشتبه بأنهم من الجهاديين بتهمة التخطيط للقيام بهجوم قبيل استفتاء الأحد.

وكانت السلطات قد اعتقلت الثلاثاء 19 شخصا أيضا يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم الدولة الاسلامية في مدينة أزمير بتهمة التخطيط لتخريب عملية التصويت خلال الاستفتاء.

ودعا تنظيم الدولة الاسلامية في العدد الأخير من مجلة النبأ التي يصدرها إلى تنفيذ هجمات على مراكز الاقتراع في تركيا.

ويخشى المعارضون الأتراك للاستفتاء على توسيع صلاحيات إردوغان وأيضا دول غربية، أن يكون مقدمة لإطلاق يد الرئيس التركي لتصفية خصومه السياسيين وقمع الحريات وتكميم الأفواه اذا فاز معسكر "نعم".

وكان الرئيس التركي قد ربط التصويت لصالح توسيع صلاحياته باستقرار البلاد وانهاء الاضطرابات، إلا أن الأجواء السائدة تشير إلى عكس ذلك وسط مناخ متقلب.

ويبذل مؤيدو التعديلات الدستورية والمعارضون لها الجمعة آخر المحاولات لإقناع الناخبين، قبل يوم من وقف الحملات المتعلقة بالاستفتاء، فيما ارتفع منسوب القلق الأمني مع اعتقال خمسة أشخاص يشتبه بأنهم جهاديون.

وتوقعت استطلاعات الرأي التي يتم التعامل بحذر معها في تركيا نتيجة متقاربة لاستفتاء الأحد، بالرغم من الأفضلية الملحوظة لحملة "نعم" التي سخر لها إردوغان جزء كبيرا من موارد الدولة بما في ذلك إمكانات وساعات البث، مقابل امكانات ضعيفة لمعسكر "لا" ومساحات قليلة وحيز ضيق من الوقت.

وسيجري الاستفتاء في ظل قانون الطوارئ الذي تم فرضه الصيف الماضي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، والذي شهد اعتقال عشرات آلاف الأشخاص في أكبر عملية قمع في تاريخ تركيا.

ويرى المراقبون في الاستفتاء نقطة تحول في تاريخ تركيا المعاصر لن تؤثر على شكل النظام السياسي فحسب، بل أيضا على العلاقات مع الغرب.

وفي حال تم اعتماد النظام الجديد فسيتم الغاء منصب رئيس الوزراء، ما سيسمح للرئيس بتعيين الوزراء وجعل كل مؤسسات الدولة تحت سلطته.

ويرى المؤيدون في النظام الجديد خطوة ضرورية لجعل الحكومة التركية أكثر حداثة، لكن المعارضين يخشون من المخاطر الناتجة عن اعطاء الرئيس صلاحيات سلطوية.

وأثار إردوغان الكثير من السجالات مع الغرب خلال الحملات المرافقة للاستفتاء بسبب تهجمه الحاد على الاتحاد الأوروبي، الذي تسعى تركيا للانضمام اليه منذ سنوات طويلة.

وأعرب إردوغان عن ثقته بالموافقة على النظام الرئاسي الجديد، مشيرا إلى أنه لم يعد هناك من ناخبين مترددين، فـ'نعم' ارتفعت بشكل ملحوظ مقابل انخفاض "لا". والتصويت بنعم يعني تأييد الاصلاحات الدستورية بينما التصويت بلا يعني رفضها في معيار الاستفتاء.

وأظهر استطلاع أجرته مجموعة كوندا بأن نسبة "نعم" تتقدم بـ51.5 بالمئة، فيما أعطى استطلاع مجموعة سونار نسبة 51.2 بالمئة لصالح "لا"، ويضاف إلى ذلك استطلاعات أخرى متعاكسة تجعل من الصعب توقع نتيجة الاستفتاء.

ودعا زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كيليتشدار اوغلو الى التصويت بـ"لا"، بحجة أن هناك الكثير من الغموض الذي يحيط بنتائج النظام الجديد.

وقال للصحافيين في اسطنبول "سوف نخط جميعا أسطورة في الديمقراطية الأحد لأنه لم تتم الاجابة على أسئلتنا".

جدل في اللحظات الأخيرة

ويسمح القانون بالاستمرار في اقامة الحملات الانتخابية حتى الساعة السادسة مساء (1500 بتوقيت غرينيتش) من يوم السبت، ويبدأ التصويت في شرق البلاد الساعة السابعة بالتوقيت المحلي من صباح الأحد وبعد ساعة في المناطق الأخرى.

وبدا أن جدلا جديدا برز في اللحظة الأخيرة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه الرئيسي في معركة التعديلات الدستورية حزب الحركة القومية.

فقد اقترح مستشار لإردوغان هذا الأسبوع تشكيل نظام فدرالي في تركيا في حال صوتت الغالبية بـ"نعم"، وهو أمر محرّم بالنسبة إلى القوميين.

ورد دولت بهتشلي زعيم الحركة القومية بسرعة قائلا بأنه قد يعزل أي مستشار له في حال قام بتعليقات مماثلة.

وأجاب إردوغان "هل سمعت مني بشيء من هذا القبيل؟ لا".

وفي خطوة لمنع اي انقسام في اللحظة الاخيرة، أعلن رئيس الوزراء بن علي يلديريم بأنه قد يستقيل اذا كانت هناك أية خطوة نحو نظام فدرالي في تركيا.

واتهم خبراء في الأمم المتحدة تركيا "بانتهاكات كبيرة" في مجال حقوق التعليم والعمل، مشيرين إلى احصاءات تقول بأنه منذ اعلان حالة الطوارئ تم طرد 134 الف موظف من عملهم.

وقال أربعة من مقرري اللجان في بيان إن عمليات الطرد "لا يمكن تبريرها بالاستناد إلى التزامات تركيا الدولية طويلة الأمد في مجال حقوق الإنسان".

ومع ذلك رفضت وزارة الخارجية التركية هذا "البيان السياسي". وقالت إنه يمكن أن يقلل من قيمة آليات الأمم المتحدة.

على عكس مؤشرات الضعف

وعلى خلاف المؤشرات التي تؤكد ضعف الاقتصاد التركي، دأب إردوغان خلال التجمعات الانتخابية التي يحشدها قبيل استفتاء الأحد حول توسيع صلاحياته على تعداد الانجازات الاقتصادية التي حققها في غضون عقد ونصف في السلطة.

فمن معدلات نمو مرتفعة بلغت 9 بالمئة مرورا بتدفق للاستثمارات الأجنبية ومشاريع البنى التحتية الطموحة والاستقرار الذي تبع ما يشبه الركود الاقتصادي خلال أزمة عامي 2000 و2001، أشار إلى هذه الانجازات بفخر قائلا "فعلنا كل ذلك".

لكن الاستفتاء حول نظام رئاسي جديد يجري على خلفية مؤشرات ثابتة تؤكد ضعف الاقتصاد التركي.

وما تأكد أنه يشكل عماد قوة إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم، قد يصبح بمثابة نقاط ضعف بحسب ما يحذر خبراء في الاقتصاد.

وأكد اتيلا يشيلادا المتخصص في الشأن التركي في مؤسسة غلوبال سورس بارتنرز أن هذا الضعف يضيف إلى المخاوف التي يشعر بها ناخبو حزب العدالة والتنمية التقليديين.

وقال إن "قاعدة حزب العدالة والتنمية إسلامية ومحافظة لكنهم كذلك أصحاب أعمال تجارية صغيرة" والسياسة الاقتصادية الحالية "غير مؤاتية لقطاع الأعمال".

وأشار خبير اقتصادي تركي رافضا ذكر اسمه إلى أن ضعف الاقتصاد "يلحق الأذى" بإردوغان وحملته الداعية إلى التصويت بـ"نعم" في الاستفتاء.

وأوضح أن "الفوز بهذا الاستفتاء يجب أن يكون سهلا جدا" لحزب العدالة والتنمية نظرا إلى أنه نال مع حلفائه من حزب الحركة القومية 62 بالمئة من الأصوات في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

لكنه أضاف أن "التقارب الكبير في نتائج استطلاعات الرأي، أقله إلى حد ما، تؤكد تأثير ضعف الاقتصاد" على آراء الناخبين.

ضعف قطاع السياحة

وبلغت نسبة التضخم الشهر الماضي 11.3 بالمئة وهو مستوى غير مسبوق منذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2008، فيما بلغت نسبة البطالة 10.9 بالمئة عام 2016. كما أنها وصلت بين الشباب إلى مستويات أسوأ حيث سجلت 19.6 بالمئة.

أما الليرة التركية ففقدت ما يقارب أربعة بالمئة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام، في أسوأ أداء كسوق ناشئة حتى الآن.

ومع ذلك، فإن الاقتصاد التركي لا يزال يبدي إشارات على مرونته الأمر الذي بات علامة مسجلة ميزته خلال الأعوام الماضية.

وفي العام 2016 الذي شابته محاولة انقلاب فاشلة في 15 يوليو/تموز حقق الاقتصاد نموا مقداره 2.9 بالمئة وهو رقم فاق توقعات المحللين.

وساعد على ذلك وجود نحو ثلاثة ملايين لاجئ سوري والتدابير المكثفة التي قامت بها الحكومة لرفع مستوى الاستهلاك.

إلا أن النمو أقل بكثير من المعدلات التي سجلت قبل عام 2011 وتخيم عليها الضبابية بخصوص عملية إعادة معقدة لإحصائيات الناتج المحلي الإجمالي أربكت المراقبين.

وألقت الحكومة باللوم في ضعف الاقتصاد على موقف المستثمرين الذين فضلوا انتظار نتائج الاستفتاء فيما أكدت للمواطنين أن معدلات النمو ستتحسن.

وتأثر قطاع السياحة الذي تشكل عائداته حوالي خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، سلبا بعد ما فضل الكثير من الزوار عدم المجيء إلى تركيا.

وزاد القلق بشأن مستقبل الاستثمارات الأوروبية اثر التوتر في العلاقة بين أنقرة ودول في الاتحاد الأوروبي على خلفية الاستفتاء والشكوك بانضمام تركيا إلى التكتل.

وحذر يشيلادا من أن "جميع مؤشراتنا تظهر بأن شركات الاتحاد الاوروبي تتعاطي ببرودة شديدة مع تركيا".

ومن المتوقع أن يمنح فوز معسكر "نعم" انتعاشا قصير المدى للأسواق، حيث سيطمئن المستثمرون باستقرار أقله ظاهريا.

وقال يشيلادا "إذا كانت النتيجة نعم اعتقد أن الأسواق ستشهد ارتفاعا. وفي حال رجحت كفة لا ستكون عمليات بيع كبيرة تحديدا في سوق الأسهم".

ولكن نعم لن تساعد كثيرا في إبعاد المخاوف حول استعداد الحكومة للقيام بإصلاحات اقتصادية لمواجهة سلسلة من المشاكل التي تلوح في الأفق.

وبين هذه المشاكل العجز الضخم في الحساب الجاري ومعدلات منخفضة بشكل مزمن في الادخار وسوق عمل موازية وعلى المدى البعيد النظام التعليمي.

ولفت الخبير الاقتصادي التركي إلى أن التصويت بنعم سيؤدي إلى تفاقم المشاكل التي تعاني منها تركيا على المديين المتوسط والبعيد.

ولم يبق إلا إصلاحي اقتصادي واحد في الحكومة هو نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك.

ويواجه المنصب الذي يشغله تساؤلات عدة حول مستقبله.

ويؤكد الخبير في مجال الأسواق الناشئة في مركز كابيتال ايكونومكس في لندن وليام جاكسون أن "المسألة الأساسية تمكن في نقص الشهية لإجراء الإصلاحات طوال معظم العقد الحالي".