الإسلاميون في إسرائيل: بين الانخراط والصدام

التراجع عن شعار الإسلام هو الحل

في ذكرى مرور عام على وضع الحركة الاسلامية الجناح الشمالي في اسرائيل خارج القانون قال نائب رئيس الحركة الشيخ كمال خطيب، إن الحركة الإسلامية كانت وسيلة لخدمة المشروع الإسلامي، وانهم في الحركة "حتما" سيجدون "الف وسيلة" لخدمة هذا المشروع. وكانت دولة اسرائيل قد قامت باخراج الحركة الاسلامية الجناح الشمالي خارج القانون في 17 نوفمبر 2015 وذلك استنادا لقانون "انظمة الدفاع" من زمن الانتداب البريطاني عام 1945 متهمة الحركة بالتحريض على العنف والارهاب. ووقّع وزير الأمن الإسرائيلي السابق، موشية يعالون القرار وتم بحسب القرار اغلاق كافة مؤسسات الحركة وهي 17 مؤسسة تعمل معظمها في الاعمال الخيرية والدينية. بعد ذلك تم وضع رئيس الحركة الشيخ رائد صلاح في السجن ليقضي عقوبة تسعة اشهر بتهمة مهاجمة شرطي وخطبة القاها منذ عدة سنين.

خلال عدة عقود تعاملت فيها حكومات اسرائيل المتعاقبة مع الحركة بطرق مختلفة كالملاحقات والسجن والاقامة الجبرية ومنع السفر والاعتقال الاداري التفتيش في مكاتب الحركة ومصادرة محتويات واغلاق مؤقت لصحف ومؤسسات الا ان اخراج الجناح الشمالي من الحركة، التي هي احد المكونات السياسية الرئيسية للفلسطينيين داخل اسرائيل (يصل عددهم اليوم الى حوالي واحد وعشرين بالمائة من سكان اسرائيل الثمانية مليون و615 الفا في نوفمير 2016) يمثل تحولا جذريا في السياسة الاسرائيلية ليس فقط نحو الحركة الاسلامية بل نحو الفلسطينيين في اسرائيل منذ قيام الدولة عام 1948. وللحركة الاسلامية جناحا "معتدلا" ما زال فاعلا وممثلا في الكنيست الاسرائيلي هو الجناح الجنوبي.

حظي الجناح الشمالي منذ انشقاق الحركة عام 1996 باهتمام واسع من الاعلام والوسط الأكاديمي والمؤسسة الامنية. وانتقد مؤسس الحركة الشيخ درويش، ورئيس الجناح الجنوبي بعد الانقسام، تركيز الاعلام الكثيف على نشاطات الجناح الشمالي وكان يوجه نقده الى الاعلام الاسرائيلي والعربي خارج الدولة خاصة قناة الجزيرة والقناة الاسرائيلية الرسمية مصرحا في احدى المقابلات ان التغطية الاعلامية غير منصفة بحق الجناح الجنوبي وان الجزيرة تهرع لأي نشاط يقوم به صلاح قائلا انه يعرف السبب ولكنه لن يصرح عنه. وعلى الاغلب يقصد علاقة صلاح القوية بقطر وحصوله على دعم منها.

ويقدر داعمو الحركة الاسلامية بحوالي عشرين بالمائة من الفلسطينيين من مواطني دولة اسرائيل. والفلسطينيون المسلمون الذين يشكلون اكثر من ثمانين بالمائة من المواطنين العرب داخل الدولة خضعوا كغيرهم من المواطنين العرب الى عصرنة متسارعة بسبب المتغيرات الجذرية والدراماتيكية التي ادت الى التغير في بنية المجتمع الفلسطيني الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بعد 1948 كزيادة نسبة التعليم بشكل ملفت، وخروج المرأة الى العمل، وانخفاض نسبة الولادة، وتحسن المعيشة ونمو طبقة وسطى. ورغم ذلك ظل الفلسطينيون يعيشون على هامش المجتمع الاسرائيلي اقتصاديا وسياسيا ويعيشون تناقضات في دولة تتناقض مع نفسها "كيهودية وديمقراطيه" وتتكئ على اكثر من جهاز قانوني: فحينا نظام الدفاع (حالة الطوارئ) من زمن الانتداب، وحينا القانون الاسرائيلي وحينا قانون الدفاع بتطبيق مختلف في المناطق الفلسطينية المحتلة الامر الذي يناقض جوهر الديمقراطية. ومع هجمات 11 سبتمبر ضد اهداف في الولايات المتحدة وانعكاساتها على الشرق الاوسط وعالميا، يشعر قسم كبير من المسلمين (والعرب من المسيحيين) في اسرائيل، كغيرهم خارجها، بأن هنالك هجمة على الاسلام فتعاظم لديهم شعور الاستياء من سياسات اسرائيل والاغتراب وبدون شك دفع ذلك الحركة الاسلامية بالذات الجناح الشمالي الى تصعيد الخطاب الديني، اكثر مما هو قومي، والممارسات في مدينة القدس والاقصى خاصة التي سببت قلقا متزايدا ومطالبات من عدة جهات اسرائيلية بإخراج الحركة عن القانون.

لم يكن للدولة العبرية سياسة شاملة متعاقبة في كيفية التعامل مع الفلسطينيين 1948 او سياسة رسمية في التعامل مع الحركة الاسلامية الجناح الشمالي. وبهذا استعمل رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو اساليب جديدة لحل مشكلات قديمة لتثبيت سطوته واكتساب شعبية انتخابية مستغلا التألب العالمي ضد ظاهرة التطرف الاسلامي والاسلام الجهادي. وقد برزت عدة حركات سياسية وطنية في الداخل ولكنها تلاشت بعد ملاحقة الدولة لها او بسبب خلافات داخلية وتنظيمية وعجزها عن ضرب جذور لدى المواطنين الفلسطينية. ولكن الامر بقي مختلفا بالنسبة للحركة الاسلامية بشقيها والتي لا شك انبتت جذورا قوية ليس من السهل اقتلاعها.

جذور الاسلام السياسي في فلسطين

رأى البعض زيارة عبدالرحمن البنا اخ المرشد المؤسس لجماعة الاخوان المسلمين الى فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي خلال الثورة العربية في فلسطين ضد اللانتداب البريطاني (1919-1947) ومن ثم لقاء البنا بمفتي فلسطين الشيخ امين الحسيني بداية المشروع الاسلام السياسي لفلسطين. بعد عقد من الزمان افتتح اول فرع للاخوان والذي تحول بسرعة الى 25 فرعا ينتمي اليه اكثر من عشرين الف عضو. لكن النكبة الفلسطينية عام 1948 وترسيخ الدولة العبرية ادى الى هدم هذا المشروع برمته كجزء من هدم جميع المؤسسات السياسية الفلسطينية. فبعد اقامة الدولة اغلقت جميع الفروع وقمعت الحركة في ظل حكم عسكري قمع الفلسطينيين الذين بقوا في ارضهم بشكل عام. وقد استمرت الدولة اليهودية في استعمال قوانين الدفاع (الطوارئ) التي صدرت في عهد الانتداب البريطاني لم تقم اسرائيل بالغائها رغم عدة محاولات ومطالبات بهذا الاجراء.

ويرتبط نشوء الحركة الاسلامية في اسرائيل بشكل وثيق بحرب الـ1967 واحتلال اسرائيل للمناطق الفلسطينية التي ظلت خارج احتلالها بعد عام 1948 وهي الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة. فهذا الاحتلال ادى بشكل مثير الى نتيجة عكسية للفلسطينيين داخل اسرائيل الذين للمرة الاولى منذ عزلهم عن بقية شعبهم الفلسطيني والشعب العربي بعد النكبة استطاعوا اخيرا التواصل من جديد مع ابناء شعبهم في المناطق المحتلة بعد الحرب. ومؤسسو الحركة طلاب من منطقة المثلث المحاذي للضفة الغربية والذين درسوا في جامعات ومراكز دينية في الضفة الغربية التي احتلتها اسرائيل في حرب 1967. واثر هذا التواصل والصحوة الاسلامية في المنطقة على هؤلاء الطلاب بشكل عميق فقاموا بعد عودتهم بانشاء خلية سرية حملت اسم "اسرة الجهاد". لكن الخلية كشفت وتم اعتقال عددا من اعضاءها. بعد ثلاث سنين خرج مؤسس الحركة الشيخ عبدالله نمر درويش وهو يحمل خطابا معتدلا متصالحا مع الدولة ومؤسساتها وقوانينها وخرج معه ايضا الشيخ رائد صلاح ابن مدينة ام الفحم وهي اكبر تجمع اسلامي في اسرائيل، وثاني اكبر المدن الفلسطينية بعد الناصرة في الداخل، والذي اصبح نائبا لدرويش في الحركة التي حملت في البداية اسم "الشباب المسلم" ومن ثم اسم "الحركة الاسلامية".

وتختلف الحركة الاسلامية عن جميع الحركات والاحزاب التي نتجت سابقا في اسرائيل بأنها الحركة المنظمة الوحيدة ذات مشروع اسلامي وكانت جميع الحركات السابقة علمانية أو ماركسية او قومية عربية او خليطا من الاثنين. ولكن التدين ليس بالضرورة العامل الوحيد او الحقيقي وراء نشوء الاسلام السياسي في اسرائيل. وقد كتب العديد حول اسباب نشوء الحركة. فرأى البعض ان الحركة الاسلامية في اسرائيل هي جزء من نمو الاسلام السياسي في الشرق الاوسط بشكل عام والذي دعا الى العودة الى الجذور الاسلامية وهو ليس ناتجا بالضرورة عن الصراع العربي الفلسطيني. ورأى البعض الاخر انه نتيجة انهيار المشروع الناصري بعد حرب 1967 وفشل القومية العربية في ايجاد حلول للقضية الفلسطينية.

يعزو المحلل اسرائيل رفائيلي مثلا ان الاسلام السياسي في اسرائيل هو امتداد لصحوة اسلامية عالمية وفي مكان اخر انه رد فعل على التهميش السلطوي والعداء تجاه العرب في اسرائيل. بينما يقول بعضهم الاخر كتال نحمان ان الحركة الاسلامية في اسرائيل مثلها كحركات الاسلام السياسي المعاصر ناتجة عن عوامل اقتصادية ايضا وفجوات اجتماعية وعدم الثقة بالمؤسسات واجهزة الحكم.

أما سماح اسرائيل لبعض المسلمين بزيارة السعودية نهاية السبعينيات والحج الى الاماكن المقدسة فقد كان له تأثيرا عميقا على تسارع المد الاسلامي في الداخل. ويعتبر العديد، خاصة من مؤيدي واعضاء الحزب الشيوعي الاسرائيلي كما صرحوا في مقابلات معهم، ان سماح اسرائيل بهذه الزيارات لم يكن بريئا وان الدولة كانت وراء المشروع الاسلامي لضرب الحزب الشيوعي اليساري في اسرائيل كما فعلت اسرائيل لاحقا في دعم تأسيس حماس للتصدي للحركات الفلسطينية اليسارية كما قال النائب السابق عفو اغبارية وغيره من اعضاء الحزب في مقابلة مع الكاتبة.

ومن المثير أن الحركة الاسلامية في اسرائيل لم تكن امتدادا للحركة التي نشأت ايام الانتداب وقمعت في حينها على يد الانتداب البريطاني وبعدها على يد الدولة وانما امتدادا للاسلام السياسي في المنطقة خاصة في مصر. ففي مقابلة اجريتها مع النائب مسعود غنايم من الجناح الجنوبي حول هذا الموضوع قال غنايم ان "الحركة الاسلامية ليست امتدادا للإخوان في فلسطين. بل هي تأثرت من جماعة الاخوان المسلمين في مصر في ادبياتها الفكرية والدينية."

في نظرة على مسيرة الشيخ كمال خطيب نائب الشيخ رائد صلاح وأحد مؤسسي الحركة يتبين انه تلقى تعليمه الثانوي في مدرسة مسيحية أهلية في الناصرة وكانت عائلته تتبع الحزب الشيوعي الاسرائيلي والذي ينتقده الخطيب اليوم باستمرار. اما الشيخ صلاح فقد اتى من اسرة من ام الفحم وخدم احد اشقائه في الشرطة الاسرائيلية. ولا شك ان تواصل الاثنين مع شخصيات دينية خلال تعليمهم في الضفة الغربية المحتلة وكم الاحداث السياسية الكبيرة التي شهدتها المنطقة في السبعينيات قد تركا لديهما اثرا عميقا وشكلتا لديهما نواة المشروع الاسلامي في اسرائيل. ومن كبريات الاحداث التي تأثرا بها: الغزو السوفياتي لافغانستان واتفاقات "السلام" المصرية مع اسرائيل والثورة الايرانية ويوم الارض في الداخل عام 1976. والملفت ان تشكل الحركة واكب انفتاحا اسرائيليا وسياسة اقل تشددا مع الفلسطينيين داخل اسرائيل اواخر السبعينات خاصة بعد صدام يوم الارض والتي سمحت اسرائيل بعدة بإقامة حركات واحزاب سياسية عربية جديدة الى جانب الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي كان الحزب الوحيد الذي سمحت له الدولة بالنشاط القانوني وكان لعدة عقود الحزب غير الصهيوني الوحيد المهيمن في الساحة الفلسطينية في الداخل والمتنفس للفلسطينيين الذين رفضوا الانخراط في الاحزاب الصهيونية.

نبذت الحركة العنف بعد ان اعترفت بإسرائيل وقبلت بالعمل ضمن شروط القانون وديمقراطية اسرائيل وبمكانة الفلسطينيين كأقلية في دولة ذات هيمنة يهودية وبالمقابل استغلت الادوات الممنوحة لها من قبل الدولة والحقوق كحقوق المواطنة في الترشح والانتخاب والاقامة الدائمة والميزانيات، وان تكن محدودة، لخدمة المشروع الاسلامي الجديد. وبحسب الباحث اسعد غانم فإن الحركة منذ البداية تبنت اربع هويات: اسلامية، عربية، فلسطينية واسرائيلية وهي تنادي بالمساواة. ومن ناحية اخرى رفضت الحركة الايديولوجيات الغربية والعلمانية خاصة الاشتراكية والشيوعية، ولاحقا الحركات النسوية، مما ادى الى مهاجمتها بقوة من قبل الحزب الشيوعي الاسرائيلي التي رأى بها خطرا على مكانته وشعبيته.

بعد تأسيس الحركة تنافست الحركة لأول مرة في الانتخابات البلدية عام 1983 ومثل انتصاره الملقب بـ"الثورة الخضراء" ضربة موجعة للحزب الشيوعي الاسرائيلي وللبرنامج العلماني الذي هيمن على المجتمع الفلسطيني في الداخل منذ قيام اسرائيل وادى بالمقابل الى تصاعد نجم التيار الاسلامي والتفاف الكثيرين حوله. ويمثل تركيز الحركة على العديد من الفعاليات الاجتماعية التربوية الدينية كرياض الاطفال ومراكز لتعليم الأطفال في المساجد وتفعيل دور المرأة والاعمال الخيرية والدينية ويوازيها بالمقابل تحرك سياسي قومي بناء استراتيجية متكاملة للحركة التي تهدف الى ارساء مشروع اسلامي اجتماعي دعوي سياسي متكامل. ومن خلال هذه الفعاليات تم جذب الكثير من ابناء الاقلية الفلسطينية التي تعيش في ظل تهميش وتمييز مؤسساتي ممنهج والشعور بالاغتراب وعدم الانتماء ليس فقط تجاه الدولة بل تجاه الاحزاب العربية العلمانية التي لا تتصل بثقافتها وبالذات الحزب الشيوعي الاسرائيلي.

أتهم الحزب الشيوعي الحركة بالكثير من الاتهامات كالرجعية في قضايا المرأة وجاء رد الحركة سريعا بتفعيل دور المرأة في معظم مشاريع الحركة الاجتماعية-الدينية-والسياسية. بل ودفعت الحركة بعدة نساء الى الواجهة السياسية المحلية ورغم انها لم تدفع المرأة الى مراكز في قيادة الحركة نفسها الا انها لا شك خلقت جيلا جديد من النساء المسلمات الفاعلات لاول مرة في حياتهن في مجالات عدة واعطيت لهن فرصا جديدة والكثير من الثقة. لم تتركز استراتيجية الحركة فقط في العمل داخل حدود الدولة وانما تواصلت مع فلسطينيي الاراضي الفلسطينية المحتلة عبر اقامة "لجنة الإغاثة الإسلامية" والتي تركزت في دعم الأرامل والأيتام ضحايا الانتفاضة ومع بعض الدول العربية.

تضامن إخواني عابر لقضية فلسطين

عام 1996 وبعد خلافات حادة داخل الحركة من اتفاقات اوسلو ومن موضوع دخول الحركة للكنيست انقسمت الحركة الى شقين او جناحين. الجناح الجنوبي بقيادة درويش واعتبر "معتدلا" والجناح الشمالي بقيادة صلاح اعتبر "متطرفا" او "راديكاليا". الصقت هذه التسميات من قبل الصحافة وسرعان ما استعملت من قبل الباحثين والمهتمين والعاديين وحتى من قبل بعض الاعضاء في الحركة نفسها للتمييز بين الجناحين. اما تسميات شمالي وجنوبي فترجع الى جغرافيا بلدات القائدين في منطقة المثلث.

ادت العلاقات التي توطدت مع حركة حماس بعد قيامها 1987 الى اتهام اسرائيل للحركة بالتعامل مع الارهاب واعتبرت تواصلها مع حركة حماس عملا معاديا وخارجا عن القانون. وكان صلاح قد تحول في السنوات الاخيرة الى ما يبدو رجل المهمة الواحدة في دفاع مستميت عن المسجد الاقصى. فالى جانب مهرجان "الاقصى في خطر" السنوي الذي نظمه وحضرة الالاف، نظم حملات عديدة نقل فيها عشرات المتطوعين والمتطوعات "المرابطين والمرابطات" الى مدينة القدس لترميم مبان قديمة تحيط المسجد الاقصى والذين اشتبكوا مع قوات الامن الاسرائيلي مرات عديدة. بينما وجد صلاح التفافا كبيرا حوله كان له خصوم ممن لم يحبذوا نشاطه، كالدولة الاردنية التي هي الجهة الرسمية التي تدفع معاشات موظفي الاقصى ومسؤولة عن ترميمه بحسب اتفاقية السلام الاسرائيلية الاردنية من عام 1995.

خطاب الحركة والصدام

رغم الملاحقات تلتزم الحركة الاسلامية بشقيها بمبدأ الحفاظ على القانون والعمل في اطاره وتشدد على ان الحركة لها خصوصيتها وتعمل في ظروف خاصة معقدة تختلف عن حركات اسلامية في بلدان اخرى. يقول النائب مسعود غنايم من الجناح الجنوبي الممثل في الكنيست: "نحن حركة برلمانية قبلنا بالوقع الاسرائيلي وخطابنا لا يشبه الخطاب الافغاني ولهذا دخلنا الكنيست عام 1996 لنلعب اللعبة البرلمانية ونقوم بخدمة اهلنا. لم نتقوقع في فقه متشدد يرى بالمجتمع الاسرائيلي مجتمعا كافرا وجاهليا." واضاف غنايم ان خطاب الجناح الجنوبي لا يشبه خطاب حماس لأنه يعمل في ظروف مختلفة وشدد على ان الجناح الجنوبي ملتزم بالديمقراطية وحرية الإنسان واحترام رأي الاغلبية داخل وخارج الحركة، في لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية مثلا، وان هذه التصريحات ليست للدعاية بل من صلب نهج الحركة.

أما الشيخ درويش مؤسس الحركة والرئيس الروحي للجناح الجنوبي فقد رأى بتجربة الاسلام السياسي في تركيا قدوة ومثالا على البراغماتية السياسية. فوراء اردوغان صورة اتاتورك العلماني. فهو يرى أن اردوغان حقق الكثير. فالجوامع في تزايد والمرأة تذهب الى محاضراتها محجبة بدون ان يزعجها احد والمدارس الدينية تتزايد والاقتصاد يزدهر.

حتى في الجناح الشمالي المحظور منذ اكثر من عام ظل قياديو الحركة المحظورة يؤكدون التزامهم بقوانين الدولة. فقد صرح الشيخ كمال خطيب، نائب الشيخ صلاح ان نهج الحركة الوحيد هو: "العمل السياسي والإجتماعي والدعوي" قبل اخراج الحركة عن القانون وبعدها واستنكر زج اسم الحركة في تحقيقات الشرطة مؤخرا وبعد الحظر في خلية تحريضية قائلا ان الدولة الإسرائيلية تستمر في استهداف المشروع الاسلامي والفلسطينيين عموما.

وقد يدل هذا الالتزام على نظرة واقعية براغماتية للحفاظ على سلامة اعضاء الحركة والناشطين والمشروع الاسلامي اكثر مما هو موقف مبدأي من الدولة نفسها.

وأكد الشيخ كمال خطيب في مقابلتي معه ان الحركة تتبنى الوسطية قائلا: "كنا دائما في الداخل الفلسطيني نعتبر انفسنا وما زلنا ضمن المدرسة الوسطية. وعليه فكنا ولا زلنا نرفض الفكر والفتاوى التي تصدر عمن هم بعيدون عن واقع وخصوصية ظرفنا في الداخل الفلسطيني." وأضاف: "في القضايا العامة فإن مجامع فقهية اسلامية كمجلس الافتاء الاوروبي كانت له بصمة تشابه الظروف الاقتصادية هناك مع ظرفنا في الداخل، واما في القضايا الخاصة فأن فتاوى مجلس الافتاء في مدينة الناصرة الاكثر اعتبارا خاصة وانه ينسق مع مجلس الافتاء التابع لدائرة الاوقاف الاسلامية في القدس الشريف."

ولكن هذه الوسطية لا تبدو كذلك في العديد من الموقف المتشددة خاصة للشيخ خطيب نفسه الذي كان قد تعرض للنقد الشديد اكثر من مرة بسبب تصريحات رفضت من قبل مجموع الاحزاب العربية والناشطين السياسيين كتصريحه مثلا ان القدس ليست فقط عاصمة فلسطين بل هي عاصمة الخلافة الاسلامية. وفي مقال له يحمل عنوان "تفو عليكم" هاجم الشيخ خطيب المثليين وتمنى لهم الامراض مما دعا منظمات حقوقية للرد عليه بقوة.

وفي مقابلة اجريتها مع النائب السابق للحركة الديمقراطية للسلام والمساوة/ الحزب الشيوعي عفو اغبارية، ميز اغبارية بين الجناحين معتبرا ان الجناح الجنوبي جناحا معتدلا بينما هاجم بشدة الجناح الشمالي معتبرا انه "يقوم" باعمال تحريضية داخل ام الفحم متهما اياه بمهاجمة مقر الحزب الشيوعي حيث يعمل ناشطون ونشيطات جنبا الى جنب وانه وراء فرض الحجاب على نساء الحركة والضغط على الاهالي بهذا الموضوع حتى ان معظم نساء ام الفحم اليوم ترتدين الحجاب. ومن الجدير ان اغبارية كصلاح هو ابن مدينة ام الفحم أيضا.

نظرة مستقبلية

رغم محاولات وصم الحركة بالارهاب الا ان الدولة لم تستطع اثبات اي تهمة جدية من هذا القبيل على الشيخ صلاح وقد تم مؤخرا الافراج عنه بعد عقوبة السجن. لكن يبدو ان هنالك محاولات جديدة لتركيب ملف جديد ضده يزجه بالسجن مرة اخرى مما يركز على اهمية هذا الفرد في الحركة والقاء الاسئلة على مستقبل الحركة في غياب هذا الشيخ.

وفي مقابلة لي مع الشيخ كمال خطيب الذي اعتبر القرار "ظالما وجارفا" وانه جاء صادما للمئات ولعائلاتهم قال: "ولأن القرار ينص على عدم السماح بإقامة اي مؤسسة جديدة يمكن ان تخدم اهداف هذه الحركة الاسلامية (رغم حظرها) فأن مجالات العمل وخدمة اهلنا انحسرت كثيرا وانحصرت في العمل العام الفردي والمبادرات الشخصية" ومن وقف وقف ومن لم يوقف بقي بلا عمل.

تقول ناشطة الحركة المحظورة عائشة حجار في مقابلتي معها: "انا شخصيا أشعر أنني فقدت بيتي وأن المستقبل مجهول ولا يمكن توقعه. فقد اثر قرار الحظر بناحيتين اساسيتين: الاولى اقتصاديا حيث فقد العديد من الاعضاء الذين عملوا في مؤسسات الحركة وعوائلهم مصدر رزقهم؛ والثانية سياسيا حيث ان العديد من الشبان فقدوا الاطار الذين ينتمون اليه وبالنسبة لنساء الحركة المتعلمات ممن فقدن عملهن الاجتماعي كان هذا القرار مدمرا."

ولم تشجب فقط جميع الأحزاب العربية بدون استثناء حظر الجناح الشمالي معبرة عن قلقها ان احزابا او حركات اخرى قد تلقى نفس المصير، وانما كان العديد من الصحف الاسرائيلية والكتاب حتى من اذرع الامن من حذروا نتانياهو من خطوة كهذه ومن انها قد تدفع اعضاء الحركة الى العمل السري والعنف. وفي سؤال لبعض الفلسطينيين حول امكانية توجه اعضاء الحركة الى العنف، نفى المحامي ربيع جهشان هذه الامكانية قائلا ان الحركة كدست الاموال الطائلة وانها لن تجازف بهذه المكاسب معتبرا ان متطرفي الحركة قد غادروا الى سوريا والعراق للالتحاق بالدولة الاسلامية. وناقش ناشد عبدالنور طالب الماجستير في قسم دراسات الشرق الاوسط في جامعة حيفا والمهتم بموضوع الاسلام السياسي انه بغض النظر عن موقف الحركة من القضية الفلسطينية فأن للحركة خطابا استفزازيا احيانا ومزدوجا ومتناقضا فمن جهة يتعاطى هذا الخطاب مع الدولة في بعض الاحيان، ومن جهة أخرى لا يعترف بها. ورغم ذلك استبعد عبدالنور احتمال لجوء الحركة للعنف معتبرا انه من الممكن ان تحدث اعمال عنف فردية ولكنه يستبعد ان يكون هذا ممنهج او بقرار من الحركة. والمثير ان الناشطة حجار هي التي اعلنت قلقها من امكانية كتلك قائلة: "إن الحركة كانت اطارا يستوعب هؤلاء الشباب وفي الكثير من الاحيان منعتهم من القيام بأعمال عنف." كما واوعزت حجار ارتفاع لابسات النقاب في اسرائيل الى تزايد الجماعات السلفية والتي تدعم الدولة الاسلامية وهي جماعات كما قالت تنتقد الحركة الاسلامية الجناح الشمالي بل وتتهمها بأنها غير اسلاميه: "هذه جماعات غير منظمة في احزاب وتعادي ايضا الاخوان المسلمين في عدة مواضيع منها موضوع المرأة والعلاقة مع غير المسلمين. هم ايضا يدعون الى استعمال العنف لحل المشاكل ويرون في البغدادي قائدهم. هؤلاء يزدادون بسرعة بسبب الاحداث في المنطقة."

أحد أهم الخطوات التي قام بها أعضاء الحركة بعد إخراجها عن القانون تحركات للضغط على الحكومة الإسرائيلية لالغاء القرار ضد الحركة تمثل هذا بالقيام بحملة حقوقية واعلامية عالمية في مؤسسات تتركز في بريطانيا وتركيا وبلجيكا وجنوب افريقيا الى جانب فعاليات في عدة عواصم عالمية لرفض التضييق الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني بشكل عام ومنها التضييق على الحركة المحظورة. ويؤكد النائب غنايم ان الجناح الجنوبي يتعرض أيضا للعديد من المضايقات والمصادرات والتفتيش. وهذا لا ينطبق فقط على الحركة الاسلامية بل على جميع أعضاء الكنيست العرب والحركات الفاعلة على الساحة العربية الداخلية في الدولة والذين يشعرون بتنامي العداء والعنصرية تجاههم ويرون بأن الدولة تستهدفهم كممثلين وكمواطنين فلسطينيين في الداخل. يحاول الجناح الشمالي "مراجعة تجربته" بحسب احد نشطاءه في مقابلتي معه ولكنه يرى ايضا ان هذه فرصة ضرورية "لاعادة التقييم" حيث لم يحدث ذلك من قبل صلاح الذي هو "تقريبا غير موجود الآن كشخصية أساسية وقد اتى الوقت لتغيير الوجوه."

فشلت خلال العشرين عاما، أي منذ انقسام الحركة، جميع محاولات التوحيد ولربما لو كانت الحركة قد توحدت لأصبح من الصعب على بنيامين نتانياهو اكثر بكثير اتخاذ قرار حظر الحركة. لكن في ظل الانقسام والابقاء على الجناح الجنوبي فاعلاً يعطي هذا متنفسا للمؤيدين والمتعاطفين مع المشروع الاسلامي في إسرائيل. هذه الوحدة التي تمثلت ايضاً باتحاد جميع الاحزاب الفلسطينية الاساسية، الا الحركة الشمالية وحركة ابناء البلد ومقر كلتاهما في ام الفحم، لاول مرة منذ قيام الدولة في قائمة واحدة رغم الخلافات الجوهرية والشخصية الا انها تدل على قلق القيادات الفلسطينية في الداخل من ان الامور تتجه نحو تصعيد الدولة الإسرائيلية ليس ضد حركة واحدة بل بصورة عامة ضد الفلسطينيين في اسرائيل ما لم يقبلوا بصورة متناهية يهودية الدولة وسيطرة الاغلبية اليهودية كمشروع وواقع، وهذا اكبر من خوفهم الشخصي على فقدان مقاعدهم في الكنيست بعد رفع نسبة الحسم قبيل الانتخابات البرلمانية الاخيرة. يقول الشيخ درويش بأن "لا داعي لشعار الإسلام هو الحل فالجناح الجنوبي لا تستعمل هذا الشعار في الكنيست." ويؤكد "شعارنا هو الوحدة". هذه الوحدة بين جميع الأحزاب العربية كما أكد النائب غنايم هي استراتيجية وليست آنية بالنسبة للجناح الجنوبي وهي "الجواب في وجه التحديات الكبرى التي تواجه الاقلية الفلسطينية في اسرائيل اليوم".

د. سهير أبو عقصة داود

جامعة كوستال- جنوب كارولينا، الولايات المتحدة