مسيحيو العريش قتلهم الشيخ الضرير

أطروحته كانت: موقف القرآن من خصومه كما تصوره سورة التوبة

ساعات قليلة فصلت بين الحدثين يوم الأربعاء الماضى 22 فبراير، فى الفجر صعدت روحا اثنين من المواطنين المصريين المسيحيين هما سعد حكيم «66 عاما» وابنه مدحت «25 عاما» إلى بارئهما، عندما اقتحم ملثمون منزلهما فى العريش وأطلقوا الرصاص على رأسيهما وهم يهتفون: «الله أكبر» وسط دموع وصرخات الزوجة، وبعد العصر أقيمت فى محافظة الدقهلية جنازة الدكتور عمر عبدالرحمن الأب الروحى لتنظيم «الجماعة الإسلامية» الذى يلقبه أتباعه ومحبوه بـ «الشيخ الضرير»، الحدثان وقعا فى يوم واحد، وقفز إلى رأسى بعدهما سؤال محدد.

السؤال هو، إذا قدّر لهذه الأرواح الثلاثة - وغيرها من ضحايا العريش- أن تلتقى فى العالم الآخر، لتحتكم إلى العدل الإلهى المطلق، فهل يمكن أن يصرخ «سعد» فى «عمر» قائلا: «أنت قاتلى»؟

السؤال ليس سهلا، فمن ذا الذى يملك جسارة الادعاء على ميت مهما يكن؟، إنى أخاف الله رب العالمين. لكن خشية الله هى التى تدفعنا إلى طرح السؤال والبحث فى الأفكار، فالبشر يرحلون بأجسادهم ولكن تظل أقوالهم وأفعالهم، وعلى قدر تأثيرهم تمتد أفكارهم، الخيّرة والشريرة أيضا!

ما طرح السؤال على رأسى هو موضوع رسالة الدكتوراه للشيخ عمر عبدالرحمن فى أوائل السبعينيات، والتى كانت بعنوان «موقف القرآن من خصومه كما تصوره سورة التوبة»، بحثت عن الرسالة ووجدت أنها صدرت فى كتاب من 827 صفحة عن دار مصر المحروسة عام 2006، وسط صفحات الكتاب الطويل غصت، وقبل هذا المقال - تحريا للصدق- ترددت، حتى وجدت أن «الشيخ الضرير» يكاد يصرخ فى وجهى من بين بعض الصفحات قائلا: «نعم قتلتهم، وقتلت وسأقتل غيرهم، بكلماتى وأفكارى ذبحتهم»!

على مدى الصفحات، أجهدت نفس كثيرا فى محاولة تلمس أدلة البراءة للرجل، حيث اعتبرت فى معظم المواضع أن كلماته التى تحمل تفسيره لسورة التوبة تتعلق بأحوال المسلمين وعلاقاتهم بالقوى الأخرى فى الجزيرة العربية فى السنة التاسعة الهجرية، لكن الرجل كان يصر فى أكثر من موضع على استخلاص أحكام عامة قاطعة، يرى أنها يجب أن تحكم العلاقة أبد الدهر بين المسلمين وأهل الكتاب؛ لاسيما أنه وضع هؤلاء الأخيرين - وفقا لعنوان الدراسة- ضمن خصوم القرآن أصلا!

آية ذلك - مثلا- ما تجده فى خاتمة الكتاب، حيث يضع ضمن «القواعد والأصول السياسية والحربية المأخوذة من المسائل والأحكام السابقة» البند رقم 10، ويقول فيه نصا إن «انتهاء قتال أهل الكتاب ومن فى معناهم يناط بالإسلام أو بإعطاء الجزية مع الخضوع لأحكام شرعنا»، (الصفحة 808)، أى أن المسيحى إذا لم يدخل فى الإسلام فإنه تتم مطالبته بدفع الجزية وإذا لم يفعل فإنه يجب قتاله. ونجد هذا المعنى بشكل أكثر وضوحا وقطعية كعنوان للفصل الأول من الباب الثانى فى الكتاب، (الصفحة 255)، وهو: «الموقف النهائى من أهل الكتاب، الإسلام ـ الجزية ـ القتال»!

فى ظل حديث كراهية وتكفير وتفسيق لا ينقطع، نلمح عنوانا «مبشرا»، (الصفحة 284)، هو: «الجزية الآن قضية تاريخية لا واقعية»، لكننا سرعان ما نجده يعلل ذلك بقوله: «لأن المسلمين اليوم لا يجاهدون»، ثم يقول بشكل أوضح ما نصه: «إن قضية (وجود) الإسلام و(وجود) المسلمين هى التى تحتاج اليوم إلى علاج، والمنهج الإسلامى منهج واقعى جاد يأبى أن يناقش القضايا المعلقة فى الفضاء، لأن الواقع لا يضم مجتمعا مسلما تحكمه شريعة الله».

إذن، فهو يعتبر أن مناقشة المباحث الفقهية عن الجزية وغيرها هو «هزل فارغ»، لأن المجتمع فى نظره ليس مسلما أصلا، لكنه يرسم طريق الحل لذلك!

يقول (الصفحة 284): «إن نقطة البدء الآن هى نقطة البدء فى أول عهد الناس برسالة الإسلام: أن يوجد فى بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق فيشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومن ثم يدينون لله وحده بالحاكمية والسلطان والتشريع ويطبقون هذا فى واقع الحياة، ويومئذ ـ ويومئذ فقط ـ سيكون هناك مجال لتطبيق النصوص القرآنية والأحكام الإسلامية فى مجال العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات». وهكذا فالرجل لم تفتر عزيمته فى سباق التكفير، ولم يقصره على اليهود والمسيحيين، بل ضم إليهم أيضا المسلمين، وهو يؤكد بحسم (الصفحة 773): «لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود!»، ويدافع عن ضرورة استمرار الجهاد (الصفحة 778) قائلا: «إنما هو جهاد لإقامة مملكة الله فى الأرض، ومن ثم ينبغى أن ينطلق فى الأرض كلها»، ثم يخرس كل الألسنة فيقول (الصفحة 779): «إنها كلها اليوم أنظمة بشرية، فليس لواحد منها أن يقول إنه هو وحده صاحب الحق فى البقاء، (ولكن) ليس الحال كذلك فى نظام إلهى يواجه أنظمة بشرية، ليبطل هذه الأنظمة كلها ويدمرها»!

أخيرا، أفلا نقول بعد هذا إن مسيحيى العريش قتلهم الشيخ الضرير وأمثاله وأفكاره؟! نقولها ونختصمه بها يوم المشهد العظيم، بعد أن تنتهى النهايات، وتتلاشى الموجودات، محتكمين إلى عدل الإله الواحد الأحد، الحكيم الخبير العليم، كما نختصم أيضا من منحوه فى الأزهر درجة الدكتوراه بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف!، ونسألهم بأدب لعلنا لا نثير الغضب، لماذا وجدتم فى هذه الأفكار ما يستحق التقدير بينما ترفضون أفكارا أخرى هدفها الخير والصلاح والتعمير؟ عذرا يا سادتنا، إنه مجرد سؤال!

محمد شعير

كاتب مصري